; إدارة أقل انحيازا للكيان الصهيوني | مجلة المجتمع

العنوان إدارة أقل انحيازا للكيان الصهيوني

الكاتب عامر الحسن

تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-2000

مشاهدات 66

نشر في العدد 1432

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 26-ديسمبر-2000

عبّرت مصادر يهودية متعددة عن قلقها من مستقبل عملية التسوية تحت الإشراف الإدارة الأمريكية الجديدة التي يرأسها جورج بوش والتي يبدو أنها من تقدم دعمًا مطلقًا كما كان يفعل الرئيس كلينتون. وعلى الرغم مما قيل في السابق بأن كلا المرشحين للرئاسة بوش وآل جور عبّر عن التزامه بدعم الكيان الصهيوني وعدم التخلي عنه إلا أن درجة هذا الدعم تبدو أقل نسبيًّا في حالة بوش منها في حالة جور. ولا يعود ذلك بالضرورة لاعتبارات مصلحية أو ولاءات أيديولوجية تتعلق بشخص كلا المتنافسين، وإنما لطاقم الفريق الذي سيعمل تحت إدارته والذي يؤثر حتمًا على الرئيس عند صياغة سياسة الولايات المتحدة الخارجية نحو المنطقة.

ويتعزز هذا التصور، على ضوء الغموض الذي يكتنف توجهات بوش السياسية خاصة وهو يبدو في مواقف وتصريحات كثيرة غير واضح أو إجراءاته، أوضح مثال ذلك أن بوش تكلم مرارًا من نيته نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، إلا أنه غير وعده بعد ذلك متحدثًا -بدلاً عن ذلك- عن نقل سفيره فقط والفرق بين التصرفين رمزي أكثر من أي شيء، لكنه يشير المحصلة إلى حجم الضغوط التي يتعرض لها من جانب قوى متنافسة داخل فريقه الجمهوري.

 وما يزيد من القلق الصهيوني أن بوش يعتمد على طاقم سياسي لعب دورًا محوريًّا في إدارة والده -الرئيس الأسبق- من أمثال زير الخارجية جيمس بيكر، الذي لن ينسى يهود أنه شجع بوش الأب على تجميد قرض بــــ ١٠ بلایین دولار بسبب استمرار تل أبيب في بناء مستوطنات في الضفة الغربية، ومن مثال وزير الدفاع السابق ريتشارد تشيني الذي لا يخفي التزامه بدعم تل أبيب لكنه اعتقد أن الاستبقاء على علاقات عربية- أمريكية أمر لا يقل أهمية، بسبب مكاسبها المرجوة.

ولذا لا ينظر الصهاينة واليهود عمومًا بما في ذلك يهود أمريكا، إلى الإدارة الجديدة نظرة تفاؤل، بل على العكس، يخشون من أن تتعرض تل أبيب لمحاولات كبح جماح عدوانها المستمر ضد الفلسطينيين، يؤكد ذلك رئيس مجلس اليهود الأمريكيين، جاك روسن الذي نقلت عنه صحيفة جيروزلیم بوست، قوله ستواجه الجالية اليهودية (في أمريكا) مرحلة صعبة على مستوى الدعم الذي كانوا يلمسونه من كلينتون، مضيفًا: وسنواجه إدارة مكونة من أفراد مهمين لن يروا قضية الشرق الأوسط من زاوية المنظور التقليدي الذي يماثل وجهة النظر الإسرائيلية.

وبينما سيعتمد الرئيس الجديد -متواضع التجربة- على نائبه تشيني في تشكيل فريق عمله فإن تشيني سيستقطب كثيرًا من الذين كانوا يعملون سلفًا مع بوش الأب الذي دخلت في عهده الإدارة الأمريكية مرحلة غير صديقة مع الدولة العبرية، عمل بعدها اليهود في أمريكا على ضمان عدم فوزه أو حزبه لفترة قادمة والتصويت بدلاً منه لمنافسة كلينتون لفترتين متتابعتين، لكن مع ذلك فإن طاقم بوش الحالي، وحزب الجمهوريين عمومًا لن يخلو من مؤيدين معروفين للكيان الصهيوني؛ حيث إن القول بأن الحزب منسجم مع نفسه حيال قضايا المنطقة، ومنها الموقف من إيران والعراق أيضًا، أبعد ما يكون عن الحقيقة.

ففي داخل الحزب الجمهوري، هناك تياران أو مدرستان حيال السياسة الخارجية والشرق الأوسط بالذات أولاً ما يعرف بالتيار الريجاني نسبة إلى الرئيس الأسبق، وتيار بوش وطاقمه المكون من وزير خارجيته بيكر، ويطمح التيار الأول إلى تنميط أنظمة الدول العربية حسب الديموقراطية الأمريكية ومحاربة الأنظمة الديكتاتورية أو التي لا تنسجم مع المصالح الأمريكية. ومن هذا المنطلق يفضل هذا التيار عزل أنظمة مثل سورية بدلاً من محاورتها، والتطبيع مع إيران لقوتها ونفوذها في المنطقة، ويفضل تيار بوش علاقات مفتوحة نسبيًّا مع الجميع بصرف النظر عن تفاصيل الأنظمة ما دامت هذه الأنظمة قادرة على حماية مصالحه.

 وبصرف الاعتبار عن تركيبة الإدارة الأمريكية الجديدة ومواقفها التفصيلية من قضية الصراع في فلسطين، فإن الصهاينة يسعون حثيثًا من الآن في مد جسور التواصل والتأثير على الشخصيات المهمة داخلها. ومن ذلك الاتصالات المبكرة التي أجراها رئيس الحكومة السابق نتنياهو مع المرشحة لمنصب مستشار الأمن القومي كوندوليزا رايس أثناء زيارته لواشنطن مؤخراً. وعلى الرغم من أن رايس عملت في الأمن القومي في عهد ريجان إلا أنها تنضم مبدئيًّا لمدرسة بوش، ودليلها خبرة متواضعة جدًّا عن المنطقة. ونقل عن مصادر صهيونية أيضًا أن نتنياهو حضر حفل عشاء في منزل وزير الخارجية الأسبق في عهد ريجان جورج شولتز، الذي ينضم بوضوح للتيار الريحاني.

لكن التركيز الصهيوني الأساسي في المرحلة القادمة سيكون على قائد القوات العسكرية السابق أثناء حرب الخليج، وزير الخارجية المقبل الجنرال كولين باول، باعتباره سيكون المعني مباشرة بصياغة سياسة أمريكا تجاه المنطقة. وعلى الرغم من أن باول ينضم أيضا لمدرسة بوش إلا أنه لم يعرف عنه أنه صاحب وجهة نظر واضحة للصورة التي ينبغي أن يكون عليها العالم، بما في ذلك العالم العربي، صحيح أنه قائد عسكري صاحب تجربة ثرية تراكمت عبر مشاركته في حرب فيتنام ومن خلال عمله القصير كمستشار للأمن القومي لكنه لم يعكس هذه التجربة على صورة تصريحات وآراء سياسية.

وتظل خلفية باول إزاء المنطقة، وتجاه اليهود متسمة بالغموض، فقد نشأ باول في منطقة بمدينة نيويورك غالبيتها يهود ولديه معرفة أولية باليهودية. وبرغم أنه أصلاً من جاميكا إلا أن فيه عرقًا يهوديًّا من طرف أسرة والده ويتمتع بعلاقة صداقة مع باراك لكنه مع ذلك بالنسبة لمراقبي سياسة الشرق الأوسط على الأقل، يمثل علامة استفهام كبيرة، سيما حول موقفه من أزمة التسوية، حيث لم يعرف عنه انحياز أعمى للكيان الصهيوني.

ومن الذين يشاع أنهم سيساعدون باول في منصبه سفير أمريكا (سابقًا) لدى سورية ولبنان ومدير مؤسسة جيمس بيكر للسياسة العامة بجامعة رايس، إدوارد جريجيان، الذي يشاطر بيكر كثيرًا من آرائه حول المنطقة. فهو يرى أن عملية التسوية ومصالح أمريكا الإقليمية أمران متلازمان ويقول بوضوح بالنظر لمصالح أمريكا المحورية في الشرق الأوسط، وعلاقاتها الخاصة التي تتمتع بها مع دول مهمة، فإنه يتحتم على أي إدارة أمريكية أن تعمل لتحقيق السلام في الشرق الأوسط لتفعيل مصالحها القومية في المنطقة ككل. ويعتقد جريجيان أن كلينتون أخطأ في مفاوضات كامب ديفيد الفاشلة لأنه دفع بقضايا أكثر من اللازم وأسرع من اللازم، وأنه فوت على المنطقة فرصتين تاريخيتين من فرص السلام وخمن أن بوش سيشرف على محادثات التسوية لكنه لن يتدخل في مناقشة التفاصيل.

لكن ليس جميع طاقم بوش المحتمل ينتمي لمدرسة والده التي تعتبرها تل أبيب متفهمة لتحفظات العرب أكثر من اللازم، وإنما يوجد من ينتمي للمدرسة الريجانية من أمثال المرشح لمنصب مدير وكالة الاستخبارات سي أي إيه، بول ولفويتز، وريتشارد بيرل الذي يتمتع بعلاقات صداقة قوية مع شخصيات صهيونية مثل نتنياهو وكان من الذين عارضوا بشدة اتفاق أوسلو؛ لأنه حسبما يرى لم يكن في مصلحة الكيان الصهيوني، وينتقد ولفويتز سياسة كلنتون إزاء العراق لأنها لم تسفر عن إسقاط صدام، كما أنه غير راض عن أداء الإدارة الأمريكية الحالية إزاء مفاوضات التسوية مهما بدا كلنتون متعاطفًا مع اليهود. ولذا فإن اللوبي الصهيوني يطمح إلى أن يدفع بهذين، بيرل وولفويتز إلى داخل مواقع حساسة داخل الإدارة الأمريكية لمعادلة أي توجهات سياسية معاكسة. لكن في المحصلة، لن تظهر طبيعة الإدارة الأمريكية الجديدة على حقيقتها إلا بعد اكتمال طاقم الفريق الذي سوف يصوغ سياسة واشنطن إزاء المنطقة.

الرابط المختصر :