; إخراج زكاة المال والفطر إلى الصومال | مجلة المجتمع

العنوان إخراج زكاة المال والفطر إلى الصومال

الكاتب د. مسعود صبري

تاريخ النشر السبت 20-أغسطس-2011

مشاهدات 66

نشر في العدد 1966

نشر في الصفحة 40

السبت 20-أغسطس-2011

ابتلى الله إخواننا بجفاف شديد ومجاعة عظمى.. والحفاظ على حياتهم أولى من إطعام غيرهم طعاما يكفيهم

البلاء من سنن الله تعالى في كونه وقد يبتلي الله تعالى العباد بالخير والشر، وذلك لحكمة الله في خلقه وإجراء لسنته فيهم، كما قال سبحانه: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥) ﴾ (الأنبياء). وقد ابتلى الله تعالى إخواننا في الصومال بمجاعة عظمى، وجفاف جارف مات من أثره آلاف من النفوس ومازالت النفوس تسرع إلى الموت، ومن عجب أن إنقاذها إنما يكون بشيء من الطعام والشراب، مما يتوجب على المسلمين وجوبا شرعيا، وفرضا واجبا أن يغيثوا إخوانهم بكل طريقة ممكنة، سواء أكان ذلك بإخراج زكاة أموالهم، وكذلك من الصدقات، ونحن في شهر رمضان قد يجيء تساؤل : هل يجوز إخراج زكاة الفطر إلى إخواننا في الصومال ؛ إغاثة وعونا لهم؟ وأصل هذه المسألة ما تحدث عنه الفقهاء من حكم نقل الزكاة من بلد المزكي إلى بلد آخر.

تصرف جائز

وقد أفتى عدد من المجامع الفقهية وكبار الفقهاء بجواز نقل الزكاة من بلد المزكي إلى بلد آخر إن دعت الحاجة إلى ذلك، أو كان هناك سبب يجعل إرسال الزكاة لبلد آخر أولى.  فقد أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء والبحوث بالمملكة العربية السعودية، برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز يرحمه الله بأن الزكاة تعطى لمن فرضها الله لهم بقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سبيل الله وابن السبيل فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حكيم﴾ (التوبة)، ولا تعطى إلا لمن تحقق إسلامه ظاهرا ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم، وكلما كان المعطى من الفقراء والمساكين أتقى وأكثر طاعة؛ فهو أولى من غيره». ويرى العلامة د. يوسف القرضاوي أن الأولى توزيعها على البلد، إلا إذا وجدت ضرورة، فتوزع على غير فقراء البلد بإذن الإمام، أو الحاكم.

مصلحة المسلمين

يقول د. القرضاوي والذي يلوح لي أن الأصل في الزكاة أن تفرق حيث جمعت رعاية لحرمة الجوار، وتنظيما لمحاربة الفقر ومطاردته، وتدريبا لكل إقليم على الاكتفاء الذاتي، وعلاج مشكلاته في داخله، ولأن فقراء البلد قد تعلقت أنظارهم وقلوبهم بهذا المال فكان حقهم فيه مقدما على حق غيرهم.

ومع ذلك كله، لا أرى مانعا من الخروج على هذا الأصل، إذا رأى الإمام العادل - بمشورة أهل الشورى - في ذلك مصلحة للمسلمين وخيراً للإسلام. ويعجبني ما قاله الإمام مالك في هذا :« لا يجوز نقل الزكاة إلا أن يقع بأهل بلد حاجة فينقلها الإمام إليهم على سبيل النظر والاجتهاد»( تفسير القرطبي : ١٧٥/٨). وقال ابن القاسم من أصحابه: «إن نقل بعضها لضرورة رأيته صوابا» .

أحوج وأفقر

ويميل د. عجيل النشمي عميد كلية الشريعة الأسبق بالكويت إلى القول بجواز نقل الزكاة من بلد المزكي إلى بلد آخر عند الحاجة، ويستشهد بما نص عليه فقهاء المالكية والحنفية وغيرهم على أولوية نقل الزكاة، حيث قالوا : «إن كان المنقولة إليهم أحوج وأفقر فيندب نقل أكثرها لهم، وإن نقلها كلها أجزأ».

كما يستشهد بما ورد أن الخلفاء كانوا ينقلون الزكوات إلى البلاد الإسلامية الأحوج فالأشد حاجة، كذلك فعل أبو بكر وعمر وعمر بن عبد العزيز وغيرهم - رضي الله عنهم - تأسيا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد كان ينقل الزكاة من الأعراب إلى المدينة، ويصرفها في فقراء المهاجرين والأنصار، قال الإمام مالك: لا يجوز نقل الزكاة إلا أن يقع بأهل بلد حاجة فينقلها الإمام إليهم، وعلل سحنون من أئمة المالكية جواز النقل أن «الحاجة إذا نزلت وجب تقديمها على من ليس بمحتاج»، وبمثل هذا قال كثير من الفقهاء، منهم ابن تيمية قال: يجوز نقل الزكاة وما في حكمها أي الصدقات لمصلحة شرعية.

د. محمد سعيد حوى أستاذ الشريعة في جامعة مؤتة بالأردن لا يرى مانعاً من نقل الزكاة إذ يجوز قطعاً نقل الزكاة إلى غير بلدها ؛ فإنه قد ثبت أن الصدقات كانت ترسل إلى المدينة من الأطراف والمدن، ويتصرف بها النبي صلى الله عليه وسلم  على الوجه الذي يراه مناسبا، والمسلمون أمة واحدة تتكافأ دماؤهم وأموالهم.

أما حديث: تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فيرى د. حوى أن الذي ورد في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم  لمعاذ اة لما ذهب إلى اليمن، لم يفهم منه الحصر في فقراء اليمن إذ ثبت أن معاذا قد أرسل إلى رسول الله بعض هذه الزكوات. ويفصل د. عبدالله الفقيه مشرف مركز الفتوى بقطر المسألة، فيقول: «الأصل المتفق عليه هو أن الزكاة تفرق في بلد المال الذي وجبت فيه». واتفق الفقهاء على أن أهل البلد إذا استغنوا عن الزكاة - كلها أو بعضها - لانعدام الأصناف المستحقة أو لقلة عدد أصحابها، وكثرة مال الزكاة، جاز نقلها إلى غيرهم.

وقال أكثر العلماء بالإجزاء، وسقوط الوجوب عمن نقلها ولم يكن أهل البلد قد استغنوا عنها وحكاه بعضهم إجماعا، قال القاري في شرح المشكاة نقلا عن الطيبي: واتفقوا على أنه إذا نقلت وأديت يسقط الفرض إلا عمر بن عبد العزير فإنه رد صدقة نقلت من خراسان إلى الشام إلى مكانها، قال القاري: «وفيه، أن فعله هذا لا يدل على مخالفته للإجماع، بل فعله إظهاراً لكمال العدل، وقطعاً للأطماع» (ا. هـ). والصحيح: أن في المسألة خلافاً، فالمعتمد عند الشافعية ورواية عند الحنابلة عدم الإجزاء، وسقوط الواجب عمن نقلها مع وجود مستحقيها .

أما إن نقلها إلى غير أعدم وأحوج فذلك له صورتان: 

الأولى: أن ينقلها إلى مساو في الحاجة لمن هو في موضع الوجوب فهذا لا يجوز وتجزئ الزكاة أي ليس عليه إعادتها .

الثانية: أن ينقلها إلى من هو أقل حاجة ففيها قولان:

الأول: ما نص عليه خليل في مختصره أنها لا تجزئ.

الثاني: ما نقله ابن رشد وصاحب الكافي وهو الإجزاء لأنها لم تخرج عن مصارفها .

زكاة الفطر

وإذا كان هذا القول في نقل الزكاة إلى بلد آخر، فإن الحكم نفسه ينسحب على زكاة الفطر، فيقول د. حسام الدين عفانة من علماء فلسطين وأما بالنسبة لنقل صدقة الفطر فالحال فيها كنقل زكاة المال من بلد إلى بلد فإن الأصل أن توزع الزكاة في البلد الذي جمعت منه، ويجوز نقلها من بلد إلى آخر إذا كان هنالك مصلحة في نقلها، كأن يكتفي أهل البلد الذي وجبت فيه الزكاة فيجوز نقلها إلى بلد آخر، وأن ينقلها ليعطيها للأرحام والأقارب فهذا نقل جائز ولا بأس به، وكذلك إذا كان فقراء البلدان الأخرى أشد حاجة من فقراء بلده فيجوز نقل الزكاة إليهم ولا بأس في ذلك إن شاء الله.

ويقول د. صلاح الصاوي الأمين العام المجمع فقهاء أمريكا الشمالية: «إن الأصل أن تنفق صدقة الفطر حيث يوجد المزكون ولكن يجوز نقلها للحاجة والمصلحة الظاهرة كنقلها لذي قرابة محتاج، أو نقلها إلى المناطق المنكوبة في الأمة، كما هي الحال بالنسبة المنكوبي الصومال، نسأل الله جل وعلا أن يفرج كربهم، وأن يبدل عسرهم يسرا، فلا حرج في نقل صدقة الفطر وغيرها من الصدقات الواجبة والتطوعية لإغاثة هؤلاء المنكوبين من المسلمين». كما أفتى رئيس اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بالكويت الشيخ د. خالد المذكور بجواز تخصيص الجزء الأكبر من زكاة الأموال وزكاة الفطر لإغاثة شعب الصومال من المجاعة التي يعاني منها .

خلاصة القول

إن الواجب على المسلمين إغاثة إخوانهم المسلمين في الصومال وغيرها من البلاد التي حلت فيها المجاعة والجفاف، ويجوز إخراج زكاة أموالهم إليهم، كما يجوز إخراج زكاة الفطر - أيضا - لأنهم أحق من غيرهم، ولأنها صرفت في مصارف وضحها ربنا بقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملينَ عَلَيْهَا وَالمؤلفة قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنَ السبيل فريضة منَ الله وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ (التوبة)، والذي يرجح هذا الرأي ما يلي:

أولا: إن كانت الزكاة شرعت لسد حاجة الفقير والمسكين، فالفقر في المسلمين درجات وليس هناك الآن أفقر من أهل الصومال أما الفقراء في بلاد المسلمين، فعندهم ما يكفيهم من زكوات إخوانهم، وليس كل المسلمين يخرجون زكاتهم لأهل الصومال.

ثانيا: إن إخواننا المسلمين بالصومال معرضون للموت، بل يموتون كل دقيقة، ومن المعلوم أن الحفاظ على النفس من مقاصد الشريعة، وإذا وازنا بين سد جوع وحاجة المسلم، وبين الحفاظ على حياته، فإن كفة حفظ النفس أولى من أن يطعم المسلم طعاما يكفيه، بل الواجب يحتم أن يشارك المسلم أخاه ما عنده من مال الله تعالى.

ثالثا: القول بعدم إخراجها إن تساوت الحاجة بين البلد الذي يعيش فيه المزكي وبين البلد الذي يريد أن يخرجه له من غير بلده، ولكن عند عدم التساوي يرجح الأكثر حاجة ..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 99

134

الثلاثاء 09-مايو-1972

تبسيط الفقه.. الزكاة (99)

نشر في العدد 2000

102

الجمعة 04-مايو-2012

فتاوي المجتمع - العدد 2000