; إحياء فقه الدعوة | مجلة المجتمع

العنوان إحياء فقه الدعوة

الكاتب محمد أحمد

تاريخ النشر الثلاثاء 06-نوفمبر-1973

مشاهدات 0

نشر في العدد 174

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 06-نوفمبر-1973

رياض المؤمنين

إحياء فقه الدعوة

الراشد يكتبها: محمد أحمد

سلاسل العيوب

الفرض الإيماني في الأدب العربي غرض زاخر بالمعاني الدقيقة التي تأسر ذا القلب العامر أسرًا إلى جميل ما تصاغ به من تشبیه وجناس يكشفان العلاقة بين المقدمات ونتائجها، وما يزال المرء يستلطف الشيء بعد الشيء من بلاغة الصالحين وهم يجرون في هذا المضمار.

• علياء مقدمة عليين

ومن ألطف ما أتوا به: رؤيتهم- رحمهم الله علاقة ارتهان كتاب الفجار في سجين بما حبسوا أنفسهم فيه في الدنيا من «سجن» المطامع والأهوية ومكافأة الأبرار برفع كتابهم إلى عليين بما كان منهم من التسامي إلى «علياء» الروح والقلب.

 

• ذو العيب يحتاج الدعاية

ثم استطردوا في بديعهم وشبهوا المستكمل النقي ببدر تمام في ليلته الرابعة بعد العاشرة، كيف أنه استدار، لم يتربع ولم يتطاول.

فالبدر تمدحه خاصة الشعراء حتى امتلأت دواوينهم بوصف بهائه، وهو صامت ساکت، يعلوه وقار الاطمئنان أنه لن يغفل عن روعته أحد، فمن ملتذ برؤيته في صمت أيضًا، ومنبه باللسان، قالوا: أما الناقص، المفضوح بفتوق لأرتق لها، فهو كالقمر حين يخسف، يخرج عن سكينته وصمته ويحتاج لضجيج الطبول، ومدائح الأطفال، ويستجيش حماس العجائز، يهيب بهن أن ينكرن على حوت ابتلعه واعتدى على حقه وجماله.

 

الإتمام الصامت

ولذلك كانت قصة وصية السلف أن: التمام التمام.

أرسلها أبو بكر رضي الله عنه من وراء الصحراء إلى خالد بعد انتصاراته في العراق أن: ليهنك أبا سليمان النية والخطوة، فأتمم يتمم الله لك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل، فإن الله له المن، وهو ولي الجزاء «1» يطلب منه الإتمام الصامت في غير وقوف عن السير حتى يكون كذلك البدر.

ثم ورثها عن خالد أحمد بن حنبل، فما وقف، حتى قال صاحبه المحدث إبراهيم الحربي: «لقد صحبته عشرين سنة، صيفًا وشتاء، وحرًا وبردًا، وليلًا ونهارًا، فما لقيته في يوم إلا وهو زائد عليه بالأمس» «2»

لم يعرف الوقوف فضلًا عن التخلف ورجوع القهقري إنما هو المرتقي المتعجل المتم.

• تثبيت وتثبيط

ولبثوا في التقدم الجريء حتى دخلوا السباق، كل يحب أن يقرب من الكمال أدنى، حتى ليأتي أحدهم الديار البكر، ويرتاد كل يوم منزل فضل لم يعرف لأحد قبله، ويأتي في التنافس بجديد، لم يكن له ولا لغيره بالأمس، وحتى راح الشاعر يتساءل ويبدي دهشته مخاطبًا أحدهم.

عجبًا بأنك سالم من وحشة

في غاية مازلت فيها مفردًا

يتعجب كيف لم يرجف فؤاده وهو المتوحد بلا أنيس.. معه يشاركه خلقه الذي هو فيه، كأنه طليعة جيش.

فأنا الموفق فيمضي قدمًا، ملتذًا بتفرده هذا، ثابتًا بتثبيت الله تعالى.

﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا    (الأنفال:12)

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ(البقرة: 193)

وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا. (الإسراء :74). «فالخلق كلهم قسمان: موفق بالتثبيت، ومخذول بترك التثبيت»

وأما الراجف فيعلن برجفته للشيطان عن ضعفه فيأتيه في صورة الأنيس، يحاوره ويساوره، حتى يجد فرصة إلقاء كلمة التثبيط.

إنها رجفة المتوغل الضعيف، توقف ولا تؤخر.

والعاصم منها إنما هو الصدق.

فأثبت الناس قلبًا أثبتهم قولًا، والقول الثابت هو القول الحق والصدق، وهو ضد القول الباطل الكذب.

فالقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له، وأثبت القول: كلمة التوحيد ولوازمها، فهي أعظم ما يثبت الله بها عبده في الدنيا والآخرة، ولهذا ترى الصادق من أثبت الناس وأشجعهم قلبًا، والكاذب من أمهن الناس وأخبثهم وأكثرهم تلونًا وأقلهم ثباتًا، وأهل الفراسة يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت الأخبار وشجاعته ومهابته، ويعرفون كذب الكاذب بضد ذلك، ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة. «4».

ولهذا كان دواء الضعيف إن أراد الوقاية من هذه الرجفة أن يكون صادقًا، وهو الدواء الذي عصم به أبو ذر رضي الله عنه نفسه منها لما عرف ما هو عليه من الضعف فقال: يا رسول الله: أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل! قال: تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك. «5»

فكف شره ولم يفتتن زمن الفتنة، يعينه صدقه، إذ لم تقل الغبراء ولم تظل الخضراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

لكن المفتقر إلى درجة أبي ذر في الصدق يدخل في الشر بمقدار فقره، فلا تری ضعيفًا بعده إلا وهو بخيل في التصدق على نفسه يلفه الشح الشديد المفضوح، أو يحرمها من الطيبات فحسب، بمقدار قربه من الكذب أو بعده عنه.

 للعيوب نقاط انطلاق

ولو سلم بعد هذا البخل لهان خطبه، ولكن العيب من شأنه أن يتتابع بشكلين مزدوجين: عدوى وتنوعًا، فيكون عيوبًا كثيرة تقعد بصاحبها وتسري إلى غيره كعدوى المرض.

أما العدوى فإن وحشته الأولى قد أوقفته عن التقدم بما رجف فؤاده لتفرده في خصلة خير قد زهد فيها غيره، ثم يخطئ ويأتي عيبًا، ومن شأن البشر الخطأ فيربأ بنفسه ثانية عن التفرد في الخطأ ويعتاد طلب الأنيس، وينسى طريق التوبة القريب، فيكون داعية للخطأ، كما قال زهير ابن نعيم:

«يخطئ، فيحب أن الناس قد أخطأوا» «6»

فيصيح بالفتنة في كل واد ينشرها أفقيًا، ويصير راجفًا مرجفًا.

وأما التتابع النوعي فلأن العيوب مترابطة، بعضها يستلزم البعض، مثل ترابط أخلاق الإيمان، وهو ما قرره الفضيل بن عياض حين قال: «من أراد أن يسلم من الغيبة فليسدد على نفسه باب الظنون، فمن سلم من الظن: سلم من التجسس ومن سلم من التجسس: سلم من الغيبة». «7»

ولا شك أن الفضيل قطع ذكر التوالي استفزازًا لنباهتك فإن العيوب تترى، بعضها يردف بعضًا فآخر ما ذكره الفضيل، وهي الغيبة: هي أول سلسلة أخرى، فإن الغيبة تقود إلى الحسد، والحسد يقود إلى النميمة، والنميمة تقود إلى الكذب، ومن استجاز الكذب لم يتورع عن النزاع، إلى مائة عيب.

وهذا ما يقره الأستاذ المرشد الهضيبي أيضًا، فإنه يرى أن أكثر الشرور تبدأ بالغيبة ويقول:

-وليعلم المسلم أنه لا يكون مسلمًا حقًا إلا إذا أصبحت عقيدته جزءًا لا يتجزأ من أخلاقه وسلوكه فيكون عادلًا مع الناس جميعًا ويحذر نوازع الهوى أن تمیل به عن هذا العدل مع أقرب الناس إليه، فلا يذكر أخوانه بسوء ولا يغتابهم، ولا يلمزهم فإن أكثر الشرور إنما تنشأ عن مثل ذلك. «8»

ورأس هذه الشرور في مشاهدات الفضيل: ارتفاع الأخوة.

يقول رحمه الله: «إذا ظهرت الغيبة: ارتفعت الأخوة في الله. إنما مثلكم في ذلك الزمان مثل شيء مطلي بالذهب والفضة، داخله خشب، وخارجه حسن». «9»

هي سلسلة طويلة من العيوب، كل يكشف بعض الحلقات المتقاربة منها، وكما وصف الفضيل بعضها، كشف الرجل الصالح أبو بكر الحكيم الوراق بعضًا آخر منها، فقال:

«إذا غلب الهوى: أظلم القلب، وإذا أظلم القلب ضاق الصدر، وإذا ضاق الصدر: ساء الخلق، وإذا ساء الخلق: أبغضه الخلق» «10»

توالد مستمر

وكما كانت الغيبة وكان الهوى نقاط انطلاق لعيوب كثيرة يكون الانتصار للنفس نقطة تنطلق منها أيضًا جملة وسائل ملتوية.

«ويظهر أن النفس الإنسانية إذا ألح عليها معنى الانتصار ولو بغير الحق لم تعد تفكر فيما عداه وإن ساقتها وسائلها الملتوية إلى الهزيمة المتكررة حتى تصل إلى الهزيمة التامة». «11»

بل يظل الهوى، أو سوء الفهم، أو الفقه الأعرج، أو اختلال الموازين، ينتكس بصاحبه وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، حتى يبعث بمثل عبد الرحمن ابن ملجم مثلًا الحماس لقتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه تقربًا إلى الله تعالى، و يقتاد منه أبناء علي فيقطعون يده ورجليه ولا يجزع، بل يقرأ القرآن، فلما أرادوا قطع لسانه جزع فقال: «أكره أن أكون في الدنيا فواقًا لا أذكر الله»

كأنه ما درى أنه أستحق كل الشقاء بفعلته القبيحة إذ سفك دم خليفة المسلمين.

وكل ذلك يصيب مجتمع الدعاة الصغير كما يصيب مجتمع المسلمين الكبير إذا اعترتهم الغفلة ومن مرت أمام نظره فتنة سلمه الله منها عرف مقدار صواب الفضيل والوراق والهضيبي، والمجادل ينكر احتمال تعرض الدعاة لغيبة، يسميها النقد الذاتي، وينكر تلبس الداعية بالهوى، يسميه الاجتهاد والوعي الجديد وما شاء من الأسماء وما درى أنه من جهله في أغواء ومن هواه في إغراء.

«۱» تاريخ الطبري ٣ - ٣٨٥

«۲» مناقب أحمد لابن الجوزي - ١٤٠

 «۳» و «٤» إعلام الموقعين ۱ - ١٧٧ طبعة محمد محيي الدين

 «٥» صحيح مسلم ١ - ٦٢

 «٦» حلية الأولياء ١٠ - ١٤٩

 «۷» طبقات السلمي - ٢٠٨

«٨» «مجلة المسلمون» ۱ - ۲۰ ٤

 «٩» حلية الأولياء ٨ - ٩٦

 «۱۰» طبقات الشعراني ۱ - ۷۸

«۱١» مذكرات الدعوة والداعية - ١١٢

«۱۲» طبقات ابن سعد ٣ - ٤٠

الرابط المختصر :