العنوان «حماس» في ذكرى انطلاقتها العشرين
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 15-ديسمبر-2007
مشاهدات 62
نشر في العدد 1781
نشر في الصفحة 13
السبت 15-ديسمبر-2007
بين الثالث عشر من ديسمبر عام ۱۹۸۷ م وعام ٢٠٠٧م مسيرة عشرين عامًا .. وهي مسيرة مفعمة بالأحداث ومليئة بالتضحيات والبطولات التي سطرها أبناء حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في سجل القضية الفلسطينية.
حماس كفكرة.. ولدت من رحم المحنة، ونبتت في التربة الفلسطينية كضرورة وطنية أصيلة، ولهدف واحد هو تحرير كامل التراب الفلسطيني.. فحماس الفكرة والتنظيم والأيديولوجية فداء لفلسطين.
ومنذ انطلاقتها وهذه الحركة تخوض ملحمة جهادية استشهادية على كل الساحات، يفخر بها كل مسلم ويقف كل من يرقبها - من الأعداء والأصدقاء - مشدوها أمام عبقرية الأداء والإنجاز معًا.
وتستمد حماس عبقريتها وحيويتها المتجددة من كونها شجرة طيبة، يشكل الإخلاص المكون الحيوي لبذرتها، فكان أصلها ثابت، يستعصي على محاولات العدو وأزلامه اجتثاثها أو بترها ... وكان فرعها في السماء، يصيب المنبطحين والمفرطين المهرولين بالرهق والأرق كلما حاولوا أن يطاولوها، وقد روت حماس تلك الشجرة دوما بأزكى الدماء.. دماء قادتها ومؤسسيها وشبابها الطاهر، ولذا فإن ظلها لا ينقطع وثمارها: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (إبراهيم :٢٥).
والحركة الفتية لم تتوقف يومًا عن العمل والإنجاز داخل أتون الصراع، ولم تخلد منذ بزوغ فجرها إلى الراحة أو تتزحزح عن ساحة الوغى قيد أنملة ولذا فقد اكتسبت خبرة واسعة، وأثبتت نضوجًا مذهلًا عند تعاطيها مع الأحداث العسكرية والسياسية.
أولاً: على الصعيد العسكري.. تمكنت حماس – مع شقيقاتها من منظمات الجهاد والمقاومة - من إبداع معادلة توازن القوى، بل توازن الرعب مع العدو الصهيوني، وقد تجلت تلك المعادلة بوضوح للمرة الأولى في تاريخ القضية الفلسطينية مع دخول حماس ساحة الجهاد، ومنذ نشأة القضية واحتدام الصراع العربي الصهيوني تم الترويج لما عرف بنظرية التفوق الإسرائيلي .. ونظرية الجيش الذي لا يقهر على أوسع نطاق، حتى كاد الطرف العربي يقتنع بها كقدر واقع، لكن انتصار الجيش المصري في العاشر من رمضان (أكتوبر ۱۹۷۳م) ضرب تلك النظرية ضربة قاصمة، إلا أنه عندما خرج الجميع من المواجهة كان لابد من ضرب النظرية العسكرية الصهيونية التي أخذت تطل بقرنيها على الساحة مرة أخرى، محاولة إشاعة اليأس في جنبات عالمنا العربي، وزاعمة أن الحل لن يكون إلا على طاولات الاستسلام.
وقد خاضت حماس ومعها منظمات المقاومة من القوى الوطنية والإسلامية - معارك حريبة حقيقية - ومازالت - ضد العدو، وألحقت به من الخسائر البشرية والمادية والاقتصادية والمجتمعية ما لم تلحقه به الجيوش العربية مجتمعة عبر حروبها مع الكيان الصهيوني.
ثانيًا: على الصعيد السياسي استطاعت حماس بناء جهاز سياسي، لا يقل قوة ووعيًا وبصيرة بالواقع والتحديات المحيطة بالقضية عن الجهاز العسكري، وقد خاض ذلك الجهاز معارك سياسية عديدة حقق فيها نجاحات باهرة، وحافظ من خلالها على ثوابت الحركة ومبادئها، فقد تمكن ذلك الجهاز بحسه السياسي الراقي وقراءته الصحيحة الموازين القوى، ومواقف الأطراف تمكن بالتعاون مع الفصائل الوطنية الأخرى من تقويت الفرصة على قادة العدو ، لجرهم إلى مستنقع المفاوضات، كما فوتت حماس على السلطة. المهرولة نحو سراب المفاوضات فرصا مماثلة، وآخرها الموقف الواضح والرافض لمؤتمر أنابوليس، الذي ترى نتائجه تترى على رؤوس الشعب الفلسطيني المبتلى، والمعركة التي تخوض غمارها حركة حماس منذ نزولها إلى ميدان السياسة بكثافة عقب تشكيلها للحكومة الفلسطينية في الخامس والعشرين من مارس ٢٠٠٦م حتى اليوم تؤكد أن المسألة ليست فوز حركة في الانتخابات ولا هي عملية تشكيل حكومة.. وإنما جوهر المسألة صراع بين مشروعين تاريخيين ومصيريين.. مشروع صهيوني يسعى للاستفحال والتوسع وابتلاع القضية الفلسطينية وإنهائها من الوجود.. ومشروع صمود فلسطيني يقاوم من أجل البقاء والوجود تقوده حماس مع كل القوى الحية والمجاهدة على الساحة الفلسطينية والإسلامية، وليس غريبًا أن تتنادى قوى الجبروت الاستعماري من كل حدب وصوب، لإحكام الحصار على غزة، ليس لإبادة شعب يقاوم من أجل تحرير وطنه فقط، وإنما لإفشال مشروع المقاومة والصمود الفلسطيني، حتى لا يبقى في الساحة إلا فريق أوسلو.. فريق التطبيع والهرولة والانبطاح.. ولكن هيهات.. والتاريخ خير شاهد، فعندما قدم العالم المجاهد عز الدين القسام، من سورية إلى فلسطين استطاع بدروسه اليومية في ساحات المساجد أن يحيي فريضة الجهاد في قلوب الشباب المتحرق لتحرير وطنه.. وقاد بنفسه أول انتفاضة استشهادية في فلسطين، حتى استشهد في معركته الشهيرة وسط غابة يعبد، بمنطقة جنين يوم ٢٥ نوفمبر ١٩٣٥م، وذهب القسام البطل المجاهد إلى ربه شهيدا، فجدد في النفوس معنى التضحية والاعتزاز بالبطولة .. (جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن صالح مسعود أبو يصير، ص ١٧٦).
وبعد.. هل تم القضاء على تيار المقاومة بقتل عز الدين وإبادة قواته؟! العكس هو الذي حدث، فقد اشتعلت الأرض جهادًا واستشهادًا .. ومازالت مشتعلة حتى اليوم.