; «حسنات» التطبيع | مجلة المجتمع

العنوان «حسنات» التطبيع

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-2000

مشاهدات 83

نشر في العدد 1399

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 09-مايو-2000

التطبيع مع العدو الصهيوني ليس كله «لعنات» وإنما له وجه آخر، ربما يكون خافيًا بعض الشيء ولكنه وجه مشرق ومشرف!! 

فمع التسليم بكل ما يمكن أن يقال عن أخطاره السياسية والثقافية والحضارية يظل محسوبًا لهذا التطبيع أنه كان الشرارة التي فجرت طاقات المقاومة الكامنة في الغالبية من جماهير الأمة، فانطلقت دون تنسيق مسبق في شكل لجان ومنشآت وتجمعات شعبية لم تشكلها القرارات أو الشعارات السياسية العنترية، وإنما أفرزها رصيد قرنين من العداء والصراع استقر في قلوب الأجيال منذ وعد نابليون اليهود بالوطن القومي في أواخر القرن الثامن عشر حتى اليوم. 

ومنذ بروز «التطبيع» كإستراتيجية ومصطلح في أواخر الثمانينيات وهدفه البعيد هو تقريب هذا الرصيد وتبخيره من الوجدان العربي الإسلامي وإجراء عملية تغيير في النفسية العربية «الشعبية» وتعديلها لتتواءم وتنسجم في العيش مع الكيان الصهيوني كجزء طبيعي وتتقبل الصهاينة بمشروعهم العدواني الاحتوائي كأمر واقع مثلما تم قبولهم ككيان على أرض مغتصبة.

بالطبع فإن الترويج الدعائي لتسويق هذا «التطبيع» أخذه طابعًا براقًا على أنه المفتاح السحري للاستقرار والأمن والرخاء، لكن لم ينخدع به إلا «المسطحون» المنهزمون نفسيًّا وهم شريحة غثائية جرفها التيار الأصيل وألقى بها على جانبي الشاطئ وفي الوقت نفسه فإن الذين تبنوا هذا المشروع بين ظهرانينا من بنِي جلدتنا ليسوا إلا أصحاب نزوات نحو الشهرة أو المال أو الاثنين معًا تعرف إسرائيل تفاصيل خريطتهم النفسية جيدًا فاصطادتهم وأطلقتهم على شعوبهم ظنًّا منها أن الشعوب ستهيم على وجوهها خلفهم، لكن الذي حدث أن رصيد الوعي والإيمان بالقضية الفلسطينية وبطبيعة اليهود جذب التيار الأكبر من هؤلاء فأصبحوا في غربة وعزلة، بل ومأزق.. وذلك يمثل انتصارًا كبيرًا للتيار الشعبي لمقاومة التطبيع وهزيمة المشروعة وخزي لأنصاره وتجاره. 

صحيح أن اتفاقات ما يسمى بالسلام أعطت الطرف الصهيوني صكًا رسميًّا من الحكومات بإقرار اغتصاب فلسطين، وبقي الأهم لدى إسرائيل وهو حصولها على هذا الصك من الشعوب وبالتطبيع، فالحكومات والأنظمة تتغير وتزول، وذلك سنة من السنن الإلهية أما الشعوب فباقية ما بقيت الحياة. ولذلك فإن بروز حركات شعبية في الأقطار العربية ضد التطبيع ليس بالحدث الهين وليست بالكيانات الهشة، وإن صغر حجمها، وإنما تمثل حركة مقاومة ذاتية عند المشروع الصهيوني كله، وفي الوقت نفسه تضرب في شرعية اتفاقات السلام تلك التي لا يمكن أن تصمد دون سند شرعي من الشعوب.

واللافت للانتباه أن ولادة كل لجنة شعبية جديدة يصاحبها دائمًا حملة مكلفة عن أخطار التطبيع وأخطار المشروع الصهيوني وطبيعة اليهود الدموية والعدوانية، وهو ما يسهم بلا شك في تجديد وهي الجماهير وهذا ما حدث بالضبط مع ولادة أحدث لجنة من هذا النوع في موريتانيا الأسبوع الماضي وهناك زاوية جديرة بالملاحظة في هذا الصدد وهي أن لجان مقاومة التطبيع أصبحت ملتقى الفرقاء على صعيد الفكر جمع بينهم رفض التطبيع وربما تكون لقاءاتهم مناسبة للتفاهم وصولًا لمزيد من القواسم المشتركة على صعيد العمل العالم وهذا يسهم في صناعة جبهة قوية ومتينة لصالح الأوطان. الحاصل أن لجان المقاومة ضد التطبيع لم تعد تقل في إنجازاتها على صعيد السياسة عما تنجزه المقاومة الشعبية المسلحة في ميادين المعارك والمقاومة الشعبية المسلحة هزمت العدو ومرغت أنفه في التراب والمقاومة السياسية الشعبية تفشل التطبيع وتبدد المشروع الصهيوني..  

تفجر الطاقات... ترص الصفوف وتخلص من حالة الانهزام النفسي والانبطاح أرضًا.

كل ذلك من حسنات التطبيع.

 

الرابط المختصر :