العنوان «حزب إسرائيل» والمعركة الإعلامية ضد «حماس»
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر السبت 17-يناير-2009
مشاهدات 56
نشر في العدد 1835
نشر في الصفحة 15
السبت 17-يناير-2009
صحيفة صهيونية: من يطالع الإعلام المصري يظن أن الحرب هي بين «مصر» و «غزة» (!!)
لم يعان الفلسطيني ما عاناه منذ سبعة عقود ولا يزال إلا بسبب تمسكه بأرضه وتراب وطنه.. فكيف يرضى بوطن بديل في «سيناء»؟! لو كان يقبل بوطن بديل لما قدم كل هذه التضحيات.
ماذا ينتظر هؤلاء الذين يرون أن السلاح الفلسطيني ضعيف ويعترفون في الوقت نفسه بحقه في المقاومة؟ لماذا لا يمدونه بالسلاح الأقوى بدلًا من المساهمة في منع وصول السلاح إليه؟
فيما تنهمر الصواريخ فوق «غزة»، أشد غزارة من أمطار الشتاء، وبينما تسيل أنهار الدماء هناك من أجساد الأطفال والنساء والمجاهدين وبينما تعتصر قلوب الملايين من العرب والمسلمين أسى لما يحدث، وألماً أشد بسبب العجز عن تقديم واجب النصرة والتأييد بعد أن كبلت أيدي الشعوب وأرجلها، وطوقت رقاب أبنائها بسلاسل القهر والاستبداد وحيل بينها وبين إخوانها في «فلسطين» بسور له باب، يقف عليه إخوان من ملتنا يقطعون ما أمر الله به أن يوصل.
فيما يحدث ذلك كله مما يحرك الصخر ويلين الحجر: ﴿وإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ منْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله﴾ (البقرة: ٧٤)
نرى آخرين من ملتنا أيضاً، يتحدثون بلغتنا ويسمون بأسمائنا قد سكتوا عن جرائم العدو الصهيوني لا بل راحوا يبررون جرائمه ويلتمسون له الأعذار، وتفرغوا للتنكيل بالمقاومة ورجالها والنيل منهم والصاق كل نقيصة بهم.. يحدث هذا في «مصر» على وجه الخصوص حتى قالت إحدى الصحف الصهيونية إن من يطالع الإعلام المصري يظن أن الحرب هي بين «مصر»، و«غزة»!!
وعلى سبيل المثال ومع بدء الهجوم البري الصهيوني على «غزة»، خصصت إحدى المجلات المعروفة بعدائها لكل ما يمت للإسلام بصلة عددا كاملا للهجوم على «حماس» والشعب الفلسطيني، وكل من تعاطف معه وكان عنوان الغلاف كلمة «العصابة»، أما رئيس هذه العصابة فهو «خالد مشعل» رئيس المكتب السياسي لحركة حماس!!
قبل قرابة عام ومع تدفق عدد من اللاجئين الفلسطينيين عبر الحدود مع «مصر» ثارت ثائرة الفئة ذاتها، وقالت وقتها في «حماس» والفلسطينيين جملة من الأكاذيب والافتراءات، وهي اليوم تعيد ترديدها وتزيد عليها وتنفخ في روح التعصب الوطني، و«حمية الجاهلية غير آبهة بما يمكن أن يحدث من تقطيع لروابط ووشائج تاريخية بين المصريين والفلسطينيين لا ينبغي أبدا أن تنفصم.
احتلال سيناء
من الأكاذيب المفضوحة التي يرددها حزب إسرائيل» في «مصر» أن الفلسطينيين الذين يرغبون في عبور الحدود نحو «مصر» يريدون الاستقرار في سيناء، وتحويلها إلى وطن بديل لهم. وهو ادعاء سخيف؛ لأن الفلسطيني لم يعان ما عاناه منذ سبعة عقود، ولا يزال إلا بسبب تمسكه بأرضه وتراب وطنه، ولو كان يقبل بوطن بديل لما قدم هذه التضحيات كلها، كما أن من يرغب في التخلي عن وطنه - إن وجد مثل هذا الفلسطيني - فبإمكانه أن يتوجه إلى أوروبا أو الولايات المتحدة وسيجد ألف منظمة تساعده في تحقيق الاستقرار هناك، بدلاً من الانتقال من قهر العدو الصهيوني إلى دولة يسود فيها القهر والاستبداد والفساد والفقر بحيث لا يلمس من ينتقل من «غزة» إلى «سيناء» أي تحسن في معيشته، بل ربما انتقل من سيئ إلى أسوأ.
«حماس» تزعزع الاستقرار في مصر!
ويزعم حزب إسرائيل في الإعلام المصري أن «حماس» تهدف إلى زعزعة الأمن والاستقرار في «مصر» وأنها تقوم بتهريب السلاح من «غزة» إلى «مصر» من خلال الأنفاق، ونتذكر كيف صدرت قبل عام بيانات تؤكد أن عملاء حماس» قد عبروا الحدود وتوغلوا في العمق المصري لتنفيذ عمليات إرهابية ومع مرور الوقت تبخرت تلك الدعاوى ولم نجد لها دليلا واحدا. والمعروف أن الأنفاق تستخدم لنقل السلاح من «مصر» إلى «غزة» وليس العكس، فالفلسطينيون في أمس الحاجة للسلاح الحرب عدوهم الأول وهو «إسرائيل»، وهم يضطرون لشراء السلاح ولو من الصهاينة أنفسهم الذين يبيعون السلاح للمقاومة، وهم يعلمون أنه سيستخدم ضد عشيرتهم من اليهود، ولكن حبهم للمال أشد من حبهم لبني جلدتهم.
وقد التزمت «حماس» خطاً صارماً في علاقتها بالدول العربية يقضي بالفصل بين علاقتها بأي دولة عربية وعلاقة هذه الدولة بمواطنيها من الإخوان المسلمين (الذين تشاركهم حماس نفس الانتماء الفكري) وذلك من منطلق أن قضيتها الأولى هي تحرير الوطن المحتل، وأنها تحتاج لفتح قنوات مع كل الدول العربية لتحقيق هذا الهدف ولا ينبغي لأي خلاف داخل أي دولة عربية أن يؤثر على هدف تحرير الوطن، وقد نشأت اتصالات بين «حماس» وجهات أمنية مصرية منذ بداية تسعينيات القرن الماضي ولم تتأثر - تقريبا بكل أعمال البطش والتنكيل التي مارسها النظام المصري ضد الإخوان في «مصر» كما أن قيادات «حماس» السياسية تقيم في سورية» بينما تقيم قيادات الإخوان السوريين في الخارج بسبب الملاحقات التي تنتظرهم. وقد استغل حزب إسرائيل، حادث مقتل ضابط مصري عند معبر رفح ليصب المزيد من الزيت على نار التعصب الأعمى وزعم أن «حماس» هي التي حرضت على قتله، وقد أكدت الروايات أن الضابط أطلق النار على أحد الفلسطينيين فأرداه قتيلا فأثار ذلك أهل القتيل فأطلقوا النار على الضابط. ونحن نأسف - بداية - لمقتل كل من الضابط المصري والمواطن الفلسطيني وندين سفك دماء المسلمين، أما بخصوص اتهام «حماس» فالمعلوم أن «حماس» حركة إسلامية تحرّم سفك الدم البريء بغير حق، كما أنه من الناحية السياسية ليس له حماس» أدنى مصلحة في تأليب الجانب المصري في وقت يشن فيه العدو الصهيوني حربا إجرامية ضدها، كما أنها تحتاج إلى دعم الشعب المصري وكل الشعوب الحرة في معركتها السياسية، مثلما تحتاج إلى فتح المعبر الذي تسيطر عليه «مصر» لإدخال المساعدات.
ومن السخافات أيضا أن يقال: إن «حماس» هي التي تغلق المعبر من الجهة الفلسطينية وأنها ترفض إجلاء الجرحى والمرضى إلى، مثلما سبق أن قيل: إن «حماس» هي التي منعت حجاج غزة من السفر، وهي أقوال لا تستقيم مع مبادئ «حماس» المعلنة، ولا مع ما تصرح به، ولا مع مصلحتها في تخفيف المعاناة عن سكان القطاع.
حماس تختطف القطاع
ويزعم حزب إسرائيل» أن «حماس» تتخذ من سكان قطاع غزة رهينة، وهي منذ توليها السلطة سببت لسكان القطاع المآسي وكانت سياساتها سبباً في إحكام الحصار على «غزة»، ولا يذكر هؤلاء أن «حماس» جاءت للسلطة بأغلبية شعبية، وأن شعبيتها لم تنحسر رغم الحصار بل ربما زادت - وهو ما نلمسه من المقابلات التي تذيعها القنوات الفضائية مع سكان غزة - لأن الفلسطينيين يعلمون جيداً أن الحرب على «حماس» سببها الأساس العقيدة والمبادئ التي تتمسك بها «حماس»، والتي تعكس ضمير الشعب الفلسطيني.
وإذا قلت: إن «حماس» فازت في انتخابات حرة لم تشهد بلادهم مثلها، قال البعض: إن الحزب النازي في ألمانيا، جاء للسلطة عبر الانتخابات الحرة، ثم ورط بلاده في حرب طاحنة أكلت الأخضر واليابس بالطبع لا وجه للمقارنة بين حزب عنصري توسعي أعلن الحرب على كل جيرانه وأراد التمدد في أوروبا والعالم وبين حركة مقاومة وتحرر وطني تسعى لإزاحة الاحتلال، فضلاً عما يحمله قولهم من تأويلات.. وكأن لسان حالهم يقول: إننا نقبل بالديمقراطية والانتخابات الحرة التي تأتي بمن نهوى فحسب!!
«حماس» صنيعة إسرائيل!
والأغرب أن البعض يردد قولا لا يمكن قبوله عقلاً ولا منطقاً، كان يقال: إن إسرائيل هي التي صنعت «حماس»!! فهل يعقل أن تلجأ «إسرائيل» إلى إنشاء جماعة يكون أحد أهم مبادئها عدم الاعتراف بالكيان الصهيوني والسعي لتخليص فلسطين منه؟
ويزعمون أن إسرائيل، فعلت ذلك للتخلص من منظمة التحرير الفلسطينية.
ونذكر بأن إعلان قيام «حماس» كان عقب الانتفاضة الأولى عام ۱۹۸۷م، ووقتها كانت منظمة التحرير قد بدأت منحنى الهبوط بعد إعلان قبولها بحل الدولتين والاكتفاء بإقامة دولة فلسطينية على الضفة والقطاع.
إن من يردد هذا القول هو نفس الفصيل الذي يزعم أن الإنجليز هم الذين أنشؤوا جماعة الإخوان المسلمين في «مصر»، ولا أحسب أن «إسرائيل» ولا الإنجليز يتمتعون بنفس القدر من البلاهة الذي يتمتع به من يردد هذه الأقوال؛ إذ لا مصلحة للإنجليز في نشوء جماعة تدعو لجمع كلمة المسلمين وترفع شعار «الله غايتنا والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا»، وقد حارب الإخوان ضد الإنجليز في منطقة قناة السويس ولهم في ذلك مواقف مشهودة.
ضعف الإمكانيات
وهناك من يلقي باللائمة على «حماس»؛ لأنها دخلت في مواجهة مع خصم أقوى في العدة والعتاد وأكثر في العدد، وهي لا تملك سوى القليل جدا من آلة الحرب، ويستهزئ ب صواريخ الصفيح التي تطلقها المقاومة ويزيد بالقول: إننا لا ننكر حق الشعب الفلسطيني في المقاومة، ولكن على فصائل المقاومة أن تتحلى ببعد النظر ودقة البصر والبصيرة لتدرك الظروف الإقليمية والدولية غير المواتية.
ولا ندري متى ولا كيف يمكن أن يمارس الشعب الفلسطيني حقه المشروع في المقاومة طالما بقيت الظروف الإقليمية والدولية غير مواتية؛ بل تتحول من سيئ إلى أسوا، وطالما بقي السلاح الذي في يديه ضعيفا مقارنة بسلاح العدو؟ إن دروس التاريخ الإسلامي التي تستذكرها المقاومة الإسلامية جيدا تقول بأنه في كل المعارك التي خاضها المسلمون وانتصروا فيها كانوا هم الفئة الأقل من حيث العدد والعتاد وتستيقن المقاومة من سنة كونية جاءت في القرآن الكريم ﴿كم من فئة قليلة غَلَبَتْ فيه كثيرة بإذن الله وَاللَّهُ مَعَ الصابرين (113)﴾ (البقرة). ثم ماذا ينتظر هؤلاء الذين يرون أن السلاح الفلسطيني ضعيف ويعترفون في الوقت نفسه بحقه في المقاومة؟ لماذا لا يمدونه بالسلاح الأقوى بدلا من أن يساهموا في منع وصول السلاح إليه؟ إن هذا السلاح الضعيف يقض مضاجع الصهاينة ولطالما أصابهم الرعب من انتظار المجهول الذي لا يعلمون متى وأين سيقع.. وقد تسببت ثلاث قذائف سقطت من جنوب لبنان مؤخراً في إصابة عدد كبير من السكان بالهلع واللجوء للملاجئ وإغلاق المدارس فهم أحرص الناس على حياة».
وكأني أسمع المجاهد الفلسطيني حين يطلق صاروخه يقول: ربنا هذا الجهد وعليك التكلان.. قد بذلنا جهدنا، وأنت القائل: ﴿وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ (الأنفال: ١٧).
مصر ضحت كثيراً
منذ أن توجه الرئيس المصري السابق أنور السادات إلى الصلح مع العدو الصهيوني بدأت نبرة الحديث عن التضحيات المصرية من أجل «فلسطين»، وأنه قد حان للمصريين أن يستريحوا من الحروب ويستمتعوا بالحياة. وتتعالى هذه النبرة الآن لتبرير الموقف المصري المتخاذل عن نصرة غزة. لقد ضحت مصر كثيراً.. هذا صحيح.. ولكن ضحت من أجل من؟ وهل كان يمكن ألا تضحي؟ لقد ضحت «مصر»؛ لأن المشروع الصهيوني لا يستهدف «فلسطين» وحدها بل يستهدف «مصر» وسائر المنطقة العربية والإسلامية، بل يمكن القول إن «فلسطين» هي التي ضحت من أجل المنطقة؛ لأنها كانت ميدان المعركة المستمرة منذ عقود، مثلما كان شعبها وقود هذه المعركة. وما كان من الممكن أن تمتنع «مصر» عن مواجهة المشروع الصهيوني، ولو فعل ذلك أي نظام مصري لكان ذلك تفريطاً في الأمن القومي المصري قبل أن يكون تفريطا في حق فلسطين.
لقد فهم صلاح الدين الأيوبي»، و«سيف الدين قطز» و«الظاهر بيبرس»، و«قلاوون» وغيرهم معنى الأمن القومي أفضل مما يفهمه البعض الآن، وحاربوا الصليبيين والمغول على بعد مئات الكيلومترات عن حدود «مصر»، واليوم تضع «إسرائيل» لنفسها مفهوماً للأمن القومي يجعلها تبادر بضرب المشروع النووي العراقي، وتسعى لضرب المشروع الإيراني، وتشعر بالقلق من المشروع الباكستاني.
ومن منظور إسلامي - لا يضعه كثيرون في اعتبارهم هذه الأيام - فإن على «مصر» وغيرها من الدول الإسلامية مسؤولية تحرير المسجد الأقصى الأسير.
ثم أي متعة يمكن أن تتحقق مع حياة الذل والاستكانة؟ وهل تحقق من هذه المتع شيء وقد تركنا الحرب منذ أكثر من ثلث قرن أم زادت المعاناة؟
تصفية القضية
إن ما نراه على أرض فلسطين يشير إلى رغبة مشتركة لعدد من الأطراف - بعضها عربي لتصفية القضية الفلسطينية لا تصفية «حماس» وحدها، أو إنهاء حكمها في «غزة»، وقد تم تجنيد جيوش من الأقلام والألسنة المرتزقة للترويج لهذا الحل، ومحاولة إقناع الناس به وقد وجد الكارهون للإسلام وللكرامة الفرصة سانحة لينالوا من «حماس» التي نحسب أنها تجسد العمل للإسلام في فلسطين، وتسعى لاسترداد الكرامة السليبة. إن البعض يذرف دموع التماسيح على ضحايا الإجرام الصهيوني في «غزة»، ونحن وإن كنا نتألم أكثر منهم لهؤلاء الضحايا، إلا أننا نرى أن تلك الدماء الطاهرة التي سفكت ستكون بمثابة الشعلة المضيئة التي تنير ليل الأمة الدامس.
إن الصهاينة يبذلون قصارى جهدهم لتنسى قضية فلسطين وليفرضوا على الشعوب التطبيع معهم، وقد جاءت الأحداث الأخيرة لتعيد تلك المساعي عشرات السنين إلى الوراء، ولتذكر من غفل بجرائم الصهيونية وبقى أن نعمل من أجل الخلاص من ذلك الوباء الذي يفتك بالإنسانية كلها، ولا ننسى... فنحتاج إلى مذبحة أخرى لتذكرنا!!