العنوان المجتمع الثقافي (1520)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 28-سبتمبر-2002
مشاهدات 65
نشر في العدد 1520
نشر في الصفحة 50
السبت 28-سبتمبر-2002
«حب تحت المطر».. وإباحة الجنس!
إيمان سالم البهنساوي
يبيح نجيب محفوظ الزنى في روايته «حب تحت المطر»، إذا كان بدافع من الحب من دون زواج!.
لكن الكاتب يبتدع أخلاقًا ومبادئ لحماية هذا الزني، فيقدم لنا «منى زهران» على أنها شخصية صاحبة قيم وأخلاق سوية، ليست كمثيلاتها ممن مارسن الجنس من أجل أدوات الزينة أمثال رايشة وعليات، فيقول عنها: «هي لا تستسلم للجنس إلا بدافع الحب»، ويعتبر هذا من المبادئ والأخلاق إذ يقول على لسانها:
«لا يمكن أن أتهاون في مبادئي وأخلاقي، أجل فهي معروفة بأخلاقياتها، وهي لم تمارس الجنس إلا بدافع من الحب، ولم تضطر- مثلهما- إلى ممارسته في أحيان كثيرة لاقتناء ما يحتاجان إليه من ملابس وأدوات زينة».
حب تحت المطر – (ص ٤٦-٤٧).
كما كتب أيضًا:
«وقال لنفسه إنها الصديقة الوحيدة التي لم تستسلم لنزواته، والتي لا تستسلم إلا للحب»، ص 83.
فهو يجعل الحب كالزواج يبيح كل ما يبيحه الزواج، ويزعم أن هذه مبادئ وأخلاق لا تهاون فيها!
يقول نجيب محفوظ في الحكاية رقم (۷۳):-
«أريد أن أصور لك حقيقة لا شك فيها»...
لكن لم يوضح لنا الكاتب ما هي تلك الحقيقة التي لا شك فيها؟
ثم يسأله الأب ساخرًا
ألا تؤمن بالله؟
فيبتسم قائلًا:
بلى، لا حيلة لي في ذلك.
ثم يواصل حديثه:
«ولكنه لا يتصل بي وأنا عاجز عن الاتصال به بيننا صمت قاتل، وأرى في الحالة شرًا لا تفسير له، وأرى في الطبيعة عجزًا ونقصًا، ولا أفهم لذلك معنى فلم أشك في أنه- سبحانه- قرر أن يتركنا لأنفسنا بلا اتصال وبلا عناية» (ص ١٦٨).
الدهشوري كما وصفه الكاتب من القلة الراسخة في العلم، وها هو يقرر عنه:
«إن في الطبيعة عجزًا ونقصًا وإن الله قد قرر أن يتركنا بلا اتصال وبلا عناية، وكأن الكاتب يقول إن العلم يؤدي إلى الشك في وجود الله.
ثم يقول باسم الدهشوري:
«وإذن فلا تخش أن يأخذ الناس الحياة مأخذ اللهو إن وجدوا أنفسهم في عالم بلا إله، لا مفر من الجدية، ومن الإبداع، ومن الأخلاق ومن القانون ومن العقاب، وقد يستعينون أيضًا بالعقاقير الطبية لمقاومة الضعف في السلوك والتفكير، كما يستعينون بها في مقاومة الأمراض، وسيفعلون ذلك بإصرار، ولن تهون عزيمتهم بسبب أنهم يجدون أنفسهم في سفينة بلا مرشد في بحر بلا شطآن في زمن بلا بداية ولا نهاية». (ص ١٦٩ من الحكاية ۷۳).
فهذا من نجيب محفوظ تشكيك واضح في وجود الله تبارك وتعالى، وقدم لذلك بأنه يصور حقيقة لا شك فيها.
ثم تساءل مباشرة بعد هذه العبارة بقوله:
«ألا تؤمن بالله؟»
وفي الحكاية رقم ٧٨ يقول:
«الشيخ عمر فكري كاتب محامي متقاعد وقد فتح مكتبًا لمعاونة أهل الحارة في شؤون الحياة. يسأله الراوي عن الشيخ الأكبر إذا كان رآه أو كيفية رؤية شيخ التكية الأكبر فيقص عليه قصته بأنه كان منذ الصغر مولعًا مثله برؤية الشيخ الأكبر ولكنه لم يستطع.
سأله الراوي:
توجد وسائل أخرى- لا شك؟
فقال باسمًا:
يوجد العقل، هو الذي خلصني من رغبتي المحمومة، قال لي إننا نرى التكية والدراويش ولا نرى الشيخ الأكبر!
فسأله أبي:
هل يصلح هذا دليلًا على عدم وجوده؟
إنه لا يقول ذلك. إنه يقرر حقيقة نعرفها جميعًا وهي أننا نرى التكية والدراويش ولا نرى الشيخ الأكبر».
فهو يرمز بالشيخ الأكبر بأنه «الله»، ويقول هذه الأقوال كدليل على عدم وجوده (ص۱۸۱) وفي الحكاية رقم ٤٦ يقول:
«سعد الجبلي كاتب حسابات بدكان الروهنات بحارتنا.
كل ليلة يدعو إلى بيته نخبة من الصحاب يقدم الطعام والشراب، يلعب بأوتار العود يغني من له صوت مقبول تمتد السهرة إلى منتصف الليل».
(ص ۹۹) هذا الشخص سكير حيث يقول عنه:
«أجل يشرب كثيرًا، لا يلتزم بالفرائض ولكنه مؤمن حقًا، يعتقد بأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له وأنه لا مفر من المكتوب»!
إن نجيب محفوظ لا يجهل أن المؤمن حقَا من كان كامل الإيمان الذي هو إيمان بالقلب ويصدقه العمل أي الالتزام بالعبادات والفرائض، فلا يوصف شخص بأنه مؤمن حقًا إلا إذا كان يلتزم بأوامر الله تعالى، وبالتالي بالفرائض ولا يشرب الخمر.
لكن نجيب محفوظ هنا يشكك في الدين على النحو سالف الذكر.
قصة قصيرة
وهلل المطر!
د. عبد المطلب بن أحمد السح
كان يروح جيئة وذهابًا كالديك المزهو بريشه أمام غرفة الولادة، وعلى رأسه طاقية صغيرة، وكان سرواله السكري العريض الذي لا يعكس حال صدره يرفرف على جسده، وكان هناك جيب واسع مطرز الفم على جانب السروال تدخل إليه يد تحسين باشا لتخرج السيجارة تلو السيجارة، وفجأة سمع صراخ المولود. وضع يديه على الباب بقوة ليسمع الخبر الفاجعة: مبروك.. بنت مثل القمر ما شاء الله الله يخليها لك ولأمها ويجعلها قرة عين لكما، يمسك السيجارة ويدوسها تحت قدميه، ويدير ظهره دون أن تنبس شفتاه بكلمة، يذهب إلى المقهى، يطلب النارجيلة، ويلعب الورق مع فتيان قد هربوا من مدارسهم، ويطلب لهم القهوة يحاول أن يضحك ويقهقه وفي مخيلته صورة تلك الأنثى التي أتته وهو رجل الرجال، كيف يحدث ذلك؟ لا يمكن هذا!! إنه حلم فظيع.. لا بل كابوس، ماذا أفعل؟ أنا أريد رجلًا يحفظ اسم العائلة.
يعود إلى المنزل وقد بدأت خيوط الفجر الأولى تغزل ثياب الصباح، يدخل غرفة نوم باردة غردت بها أصوات مولودة تلتقط الدفء من صدر أمها، يرمي نفسه على السرير مديرًا ظهره لشريكة عمره وينام تحاول المسكينة أن تلطف الأجواء، ولكن الصفعة تسبق بيانها، وعندما تبكي الصغيرة يصرخ بأمها آمراً إياها بالخروج مع طفلتها من الغرفة لأنه يريد أن يستريح وينام. تتوسل الأم البائسة إليه أن يرحمها وطفلتها من عذاب لا ذنب لهما فيه، ولكنه يصر على صوابه الذي لا يناقش وتخرج ريحانة الحياة متدثرة بغطاء ممزق وجسم الصغيرة الضعيف ملتصق بها، وتهب رياح الشمال الثلجية القارسة تلفح الجسدين الهزيلين ناخرة العظام.
يراها الجد العائد من صلاة الفجر ويسألها: ماذا هنالك يا ابنتي؟ الجو بارد ادخلي حرام عليك يا بنت الناس من أجل الطفلة، وتأبى عليها عزتها أن تصرح بالحقيقة، وتجيب: لقد ضاق نفسي في الغرفة والطفلة لا تزال ترضع، فخرجت قليلًا أستنشق الهواء، ويقول الجد هيا ادخلي، فأنت حديثة الولادة والمولودة ضعيفة، وتدخل على مهل خشية أن يسمع سلطان الزمان خطواتها، وتنام وابنتها بهدوء.
لقد كان للرياح الباردة تأثيرها الظالم بعد بضعة أيام، حيث كانت الطفلة ترقد في غرفة العناية المركزة بسبب التهاب في صدرها، والأب تمنعه كرامته أن يذهب ويستفسر عنها، وفي يوم تماثلها للشفاء أخبره الطبيب أن لديها خلعًا ولاديًا في مفصل الورك وأن عليه أن يتابع معالجتها. تذكر الأب على الفور ابنة الجيران التي تعرج في مشيتها، تذكر سخريته منها، تذكر كم كان يكره منظرها تذكر.. تذكر.. وأدار ظهره كعادته ومشى.
حاول أن يستمع لبعض ما يقوله مقدم أحد البرامج الصحية في التلفزيون حول ذلك الخلع ولكنه لم يستطع أن يكمل لم يكن ليتحمل أن تكون عنده ابنة أنثى ومعاقة أيضًا، أفهمه أحد الأقارب أن القضية بسيطة ولا تعتبر خطرًا إذا عولجت، ولكن صورًا سوداء في مخيلته ترفض أن تتنحى، تتابع الأم قدرها راضية بصبر غير مصطنع مع ابنتها وتعالجها عند طبيب من غير زمان.
كان يومًا من أواخر أيام الشتاء عندما أخبروها أن زوجها في المستشفى بسبب كسر في ساقه، لقد كان تائهًا في أفكاره العمياء عندما صدمته سيارة صبي مراهق حملت ابنتها وأسرعت باكية إلى المستشفى لتجده راقدًا على السرير والجبس على ساقه، كانت له أكثر من خادمة دون أن يتوقف الخير المتدفق من صدرها لابنتها، وبعد شهر راح يمشي بمساعدة عكازته ويأتي إليه عمه والد زوجته مع أسرته في زيارة من المدينة البعيدة. لقد كان ذلك العم يعشق الهواء الطلق والأشجار. ذهب الجميع إلى الحديقة وكانت هناك أسرة سعيدة ومعها طفل معاق أعمى لقد كان الفرح يملأ وجوه جميع أفراد تلك الأسرة، ويسمع تحسين باشا أذان العصر ويذهب مع العم الهرم إلى الصلاة يؤديها على كرسيه الخاص، وبعد الصلاة كان هناك حديث حول الإعاقة.. ينتظر، يسمع، تتناثر الصور المختلفة في ذهنه يتذكر ابنته ويقارن حاله مع ما يقوله الشيخ ومن ثم تختال أمامه صورة أسرة الأعمى السعيدة، يستعيد ذكرياته التي شعر أنها مريرة الآن تدمع عيناه.. يبكي بسخاء يتذكر زوجته وهي تساعده في قضاء حاجته، ينهي الشيخ كلامه يهرول على عكازته مسرعًا والدموع على وجنتيه.. ينسى الدنيا، يحاول أن يركض ما استطاع نحو زوجته وطفلته ذات الأشهر الستة ينظر إليها وهي تضحك مع أمها تضحك له، يسرع نحوها، ينسى العالم، يحملها، يقبلها، تبكي الأم والجد يقول: ما شاء الله هكذا الآباء وإلا فلا.
وتتجمع غيوم ربيعية في كبد السماء، وينهمر مطر يغسل الطبيعة والأشجار، وتفوح رائحة منعشة من أرض ليست جدباء.
الصبح موعدكم
شعر: د. حيدر الغدير
برقية إلى شارون بعد جرائمه المخزية.. التي يمطر فيها غزة بوابل من أسلحته وأحقاده:
الصبح موعدكم فأين المهرب *** والشرق نحن يحيطكم والمغرب
أدمنتم الآثام وهي سخائم *** تعدو بكم وهي الضلال الأكذب
في أسرها أنتم وفي غمراتها *** أنّى اتجهتم حاضرون وغيب
أعمت خطاكم فالجهالة دينكم *** تملي عليكم ما تشاء وتكتب
أنتم خلاصة سمها وزيوفها *** وأذل من رأت القرون وأعجب
والبطش في نفس الذليل سجية *** شوهاء كالنار التي تتلهب
وأشد ما يأتي الذليل من الأذى *** إن يأمن السوأى التي يتهيب
يسطو إذا أمن العقاب وينزوي *** إن خافه ودموعه تتصبب
وظنونه سجن له وضلوعه *** سجانه وبخوفه يتعذب
إن نام فالرعب المحيط مهاده *** والصل بين وساده والعقرب
وإذا صحا فعداه حيث توجهت *** عيناه والنطع الذي يترقب
شارون كل نقيصة أشربتها *** وأتيتها فرحًا بها تتوثب
وتظن نفسك بين قومك سيدًا *** وبأنك البطل الذي لا يغلب
هي بعض ما أوصی به حاخامكم *** والأم لما أرضعتكم والأب
أزرت بكم فعقولكم ممسوخة *** كنفوسكم وكأنهن الغيهب
فأعزكم فيما ترون أخسكم *** وشجاعكم يوم التباهي الثعلب
شارون إن الظلم يقتل أهله *** فاستقبلوا يوم الردى وتأهبوا
لمصيركم إذ تنطوون كقرية ***رعناء أغراها سراب خلب
والقدس مصيدة الطغاة وقبرهم *** تبقى لنا ولها الجلال الأرحب
والخالد الإسلام في أعراسه **** وجنوده من كل صوب موكب
وجهان في القضية
د. عبد الله بن سليم الرشيد
الوجه الأول:
أغروه باليسرى فما إقتربا *** ورموه بالعسرى فما اضطربا
ماج السنا برؤاه فاحتدمت *** أشواقه فتجاوز الحقبا
شغفـاته للمجد- وارية- *** جذبت مدى التاريخ فانجذبا
مختصَّر بالموت فزعته *** في قلبه تدني له السحبا
ستوقد نار الإباء، وإذ *** ساموه كيدًا أصبح اللهبا
في كفه روح يقطعها *** ويشنها من فوقهم شهبا
عزماته الأمواج- هادرة- *** لو لم يثر لتعلم الغضبا
قد أثخنوه فما وهي لهم *** وتعاوروا آماله فأبی
مروا على أشلائه، ضحكوا *** فإذا هو الإعصار قد وثبا
الوجه الآخر:
متمرغ عيناه شاخصة *** للغاصبيه الأرض والنشبا
أكوابهم بمعينه امتلأت *** ومناه أن يتجرع الحببا
أعطاهم فـوق الذي طلبوا *** ورموا له دون الذي طلبا
وأباحهم بستانه فعَلَوا *** نخلاته واستمرؤوا الرطبا
فجثا وأهرق قطرة هربت *** من وجهه، فرموا له الكربا
فاهتاج مبتهجًا بمنتهم *** وهفا لهم متنزيًا طربا
منعوه من تقبيل أعينهم *** فاحتال حتى قبل الذنبا
يناقشها المجلس العربي للطفولة والتنمية.. عولمة الثقافة تسعى إلى تفكيك الأسرة وتمييع التربية واختزال الأخلاق
د. محمود خليل
أنهى مؤتمر المجلس العربي للطفولة والتنمية أعماله التي مثلت «ورشة عمل» لمدارسة «ثقافة الطفل العربي في الألفية الثالثة».
وإضافة إلى المجلس الأعلى للثقافة، شارك أكثر من مائة عالم وباحث يمثلون خمسًا وعشرين دولة أسهمت وفودها في رسم معالم خريطة ثقافية للطفل العربي والمسلم في عالم متغير تزداد فيه أخطار العنف ويقف على عتبة انهيار القيم.
ولمناقشة مضمون ثقافة الطفل في عالم متغير ألقى عالم النفس الدكتور قدري حفني بحثه لطرح تصور مبدئي للملامح الأساسية لمنظومة القيم التي تقوم عليها تنشئة أطفالنا في المرحلة القادمة.
وعلى المحور نفسه قدم الدكتور أحمد صدقي الدجاني «تأملات في الطفل والأسرة في عصر العولمة» محذرًا من محاولات «التنميط» التي تستهدف تعميم ثقافة العولمة وفق «برمجة» معينة تضعها قوى اقتصادية وسياسية وفق رؤيتها ومصلحتها، لإخضاع سلوك الأفراد في مختلف المجتمعات وثقافتهم لمركزية نظام المفاهيم والقيم والأنماط السلوكية السائدة في الغرب الرأسمالي بغية الاستهلاك للمنتجات الغربية، وتحقيق انتصار ناجز ونهائي للرأسمالية الغربية، وذلك في طرح محموم لصراع الأفكار والعقائد التي يقوم بها الغربيون لبرمجة الإنسان على طريقتهم، مما يجعل من تشريح العولمة وتفكيكها والتعامل معها بوعي وعمق وثبات ضرورة حياة، وقارب نجاة.
وطالب الدجاني باستذكار مقررات الطفولة من تنشئة وتربية وتثقيف في ضوء هذا الواقع، ورسم الخطوط الرئيسة للأسرة الممتدة من البيت إلى المسجد إلى الجامعة، لتأمين السبل وتطوير الوسائل المؤدية إلى الإفادة من هذه الثورة الاتصالية المعلوماتية.
ويحيلنا الدكتور عثمان بن صالح العامر- من السعودية- إلى ضرورة اتخاذ تدابير جديدة وتفعيل الأساليب والآليات الموجودة فعلًا لملء الفراغ التربوي في الوقت الراهن، وتراجعه أمام المتغيرات المستجدة والتحديات العالمية، مؤكدًا ضرورة تشكيل الوعي وصياغة شخصية الطفل العربي والمسلم من جديد، وفق دلائل وأصول التنشئة الأخلاقية، بعيدًا عن النمطية وحشو الأذهان، لمواجهة الخطر الداهم الرامي إلى تفكيك الأسس التربوية واختزال الأخلاق وتجاوز الخصوصيات السلوكية والثقافية.
وفي مراجعة أمينة لمضامين كتب ومكتبات الأطفال في الوطن العربي، تناولت الدكتورة كافية رمضان في بحثها واقع الأزمة المتمثلة في لجوء معظم الباحثين إلى المعالجة النظرية، حيث تمثل ندرة البيانات وعدم دقتها، أزمة مضافة إلى أزمة الواقع المحاط بالأزمات المالية أو السياسية أو الإبداعية، حيث لا يعيش الطفل العربي أو المسلم في ظروف متشابهة، لذا فإنه من الصعوبة بمكان تعميم النتائج أو التوصل إلى خطة مطردة لعلاج أزمة علاقة الأسرة بالكتاب ومن ثم علاقة الطفل بالكتاب، مما يحتم تحفيز الإبداع والكتابة والنشر للأطفال عن طريق الدعم ورصد الجوائز وتسهيل طريق النشر وتوفير المكتبات الحديثة المتطورة في أشكال متنقلة وميسرة.
ورشة الثقافة العلمية للأطفال
وهدفت ورقة الباحثة منى يونس إلى تقييم ۱۰ مواقع عربية على الإنترنت. ومن خلال اللغة والمضمون والإخراج الفني والتقني قامت الباحثة برصد هذه المواقع، وقد تكشف لها مدى القصور الموجود في تكامل الرؤية التربوية والتسلية وتنمية الجانب العلمي والثقافي لدى الصغار، كما افتقرت المواقع العربية إلى استراتيجية واضحة في مخاطبة الأطفال، حيث خلت المواقع العشرة من المعايير الضابطة التي تحكم الهدف والتصميم والمحتوى إلى جانب الغموض الكامل حول الفئات العمرية المخاطبة ولكن هناك نقطة إيجابية، ألا وهي التزام اللغة العربية الفصحى البسيطة. ثم عرض المهندس على يوسف دراسة حالته مع طفلتيه سارة (٦سنوات)، ومريم (4 سنوات) واستخدامهما للأقراص المدمجة CD بناء على محاور التدريب على استخدام الحاسوب مما يتيح مهارة التحكم والدقة والثقة في التعامل مع التقنية الحديثة وجهاز الحاسوب وذلك وصولًا إلى تأسيس ومعايير لإيجاد تقنية علمية، بناء على قواعد تربوية ونفسية ملائمة لطبيعة الأطفال.
ثم تتابعت أبحاث ومداخلات د. عبد الحليم جوخدار حول الثقافة الصحية لدى الطفل، ثم بحث الدكتورة فاطمة هانم طه حول «تثقيف الطفل بيئيًا لكي نريح المستقبل»، حيث تتوارى الاهتمامات البيئية على جداول أعمال السلطات السياسية.
مراكز ثقافة الأطفال.. نماذج وتجارب
في إطلالة عملية.. عرض المؤتمر لبعض النماذج المقترحة لمراكز وتجارب ثقافة الأطفال مثل مركز ثقافة «هيا» في عمان بالأردن، ومركز «الملك فيصل» بالمملكة العربية السعودية ونوادي الأطفال في البحرين وقطر والكويت والإمارات وتجربة ثقافة الطفل في إمارة الشارقة وتجارب مصر في هيئة قصور الثقافة وبيوت الثقافة، ونوادي الطلائع ومهرجان القراءة للجميع، وذلك في مبادرة عربية تتطلع إلى مركز عربي نموذجي يرتاده أطفالنا وطلائعنا، ويكون مصنعًا لشباب الغد ورجاله المؤمنين بمستقبل أمتهم في أرضها ودينها وترابها وانتهى عدد من البحوث التجريبية إلى وجوب الاعتماد على الأطفال أنفسهم في تحمل مسؤولية إدارة العمل، دون تدخل كبير من جانب المشرفين والمسؤولين، حتى لا تتم التجارب بمحاولة فرض ظلنا- نحن الكبار- على الأطفال.
كما أسفرت التجارب عن أن نصيب الطفل العربي من الكتاب العربي يتراوح بين سطر في صفحة إلى صفحة واحدة في أحسن الأحوال.
ثم طرحت هذه الأوراق التصور الواجب للمركز النموذجي لثقافة الطفل من حيث المكان والمضمون والإعداد.
وقد تبين من هذه التجارب جميعًا ضعف إلمام الأطفال العرب باللغة العربية والمعاناة من ثنائية اللغة (Diglossia) المتمثلة بوجود اللغة المحكية (العامية أو الدارجة) واللغة المكتوبة، إلى جانب أن تثقيف الأطفال اللغوي يعاني واقعًا معقدًا، مع قلة فاعلية المؤسسات العربية العاملة في مجال الثقافة والفكر الخاص بالأطفال.
كما استعرضت الكاتبة نتيلة راشد صحافة الأطفال في عصر ثورة المعلومات والاتصالات التي ما زالت تعاني من سياسية ملء الفراغ واستعرضت هالة الأتاسي برامج الأطفال في الإذاعة والتليفزيون في العالم العربي، وموقعها من الخارطة البرامجية وقنوات البث، وكيف يمكن أن تجعل من أصحاب القرار شركاء فعليين في وضع إعلام الطفل وثقافته بين الأولويات المهمة والملحة.
وانتهى المؤتمر إلى عدد من التوصيات الخاصة بضرورة مشاركة كل الجمعيات والهيئات الأهلية والحكومية في تثقيف الأطفال، وإنتاج أفلام سينمائية لتوثيق تاريخ الأمة العربية والإسلامية، وتأسيس نوادي القراءة والمشاهدة والمكتبات العامة بالأحياء و اعتماد ثقافة الأطفال كأحد الروافد المهمة في نسيج الحياة وبناء المجتمع، ورفع مستوى المنتج الثقافي الخاص بالطفل، ورعاية المواهب واكتشافها في كل مجالات الثقافة وضرورة رعاية اللغة العربية في كل المنتجات الثقافية لأطفالنا، والتأكيد على دور الأسرة في التنشئة السليمة للطفل وحمايته من الجوانب السلبية في الثقافات الأجنبية التي يتعرض لها.
كما طالب المؤتمر بضرورة رفع المعاناة عن الأطفال الفلسطينيين في كل جوانب الحياة إلى جانب حق الطفل العراقي في رفع الحصار الاقتصادي عنه، وحصوله على حقه في التعليم والثقافة والمعرفة والدواء، كما أوصى بضرورة العمل المتكامل لتأسيس ثقافة جهادية لدى الأطفال العرب والمسلمين.
خصائص الأدب الإسلامي (۲)
الواقعية
د. وجيه يعقوب[*]
تحدثنا عن أهم خصائص الأدب الإسلامي في الحلقة السابقة حيث يجب أن يلتحم الأدب بالدين والعقيدة، ولا يصطدم بثوابت الأمة ومقدساتها، ويترتب على ارتباط الأدب بالعقيدة أن الأدب الإسلامي أدب واقعي، غير أن ما تعنيه الواقعية هنا، مختلف عما تعنيه الواقعية الغربية والواقعية الاشتراكية التي تتأسس على أن الإنسان يعيش عصر أزمة، وأنه مسير بصراعاته المادية وحاجاته البدنية، وهذا يخالف المنظور الإسلامي، الذي يبدأ ببراءة الفطرة الإنسانية، وأنها بيضاء نقية، وأن التجارب المنبعثة عن إرادة حرة هي التي تمنح أعمالها ما تتصف به.
ولذلك فإن الواقعية بمفهومها الإسلامي تختلف عن الواقعية الغربية في نقطتين أساسيتين:
أولاهما: طريقة تصورها للإنسان وموقفه من الله والكون والحياة.
ثانيتهما: طريقة تسجيلها للأحداث البشرية التي تختارها للتعبير الفني، فالإنسان في نظر الإسلام إنسان يحمل في داخله الخير والشر، ولديه الاستعداد والقابلية لأن يسير في هذا الطريق أو ذاك، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 7-10). فإذا كانت الواقعية الغربية تسرف في تصوير لحظات الضعف والشذوذ البشري سواء عن طريق التعبير اللغوي أو سرد الأحداث، فإن الواقعية الإسلامية، حين تلتقط لحظة الهبوط والضعف، تلتقطها على أنها لحظة ضعف يقع فيها الإنسان، وليست صفة غالبة عليه في كل الأحوال.
الواقعية بمفهومها الإسلامي هي التي يصدق عليها هذا الوصف، فهي تعترف بلحظات الضعف البشري، لكنها في الوقت ذاته تؤمن بقدرة الإنسان على تجاوز لحظات ضعفه كما أنها لا تنظر إلى البشر باعتبارهم ملائكة أطهارًا أصفياء، ولا باعتبارهم شياطين الأصل فيهم هو الشر.
إنها تتعامل مع الإنسان على أنه مزيج من ذلك، وتسعى لإحداث انسجام بين حاجات الجسد وأشواق الروح، دون أن يطغى جانب على آخر.
ومن أهم ما يميز الواقعية الإسلامية إلى جانب ما ذكرناه أنها تدفع الإنسان للتغيير وتمده بأسباب هذا التغيير، وبهذه النظرة الشاملة والمستوعبة لطبيعة الإنسان تعد نظرة الإسلام للواقع نظرة عملية، حيث لا تكتفي بقبول الواقع، كما هو كائن، ولكنها تتطلع إلى ما ينبغي أن يكون، وهو الوصول بالإنسان والحياة إلى مرتبة الجمال والكمال.
كما أن الواقعية بمفهومها الإسلامي تكتسب معنى جديدًا يميزها عن كل أشكال الواقعية المعروفة فهي لا تجعل بؤرة اهتمامها منصبة على الواقع الأرضي، ولكنها تتجاوز هذه الحدود وتحلق في آفاق أسمى وأرحب، وتسعى لربط واقع الإنسان ومصيره بوحي السماء، ولا تحصر قضايا الإنسان في حاجات جسده، مغفلة حاجات روحه، وتطلعاتها وأشواقها.
ولذلك فإن مفهوم الواقعية في التصور الإسلامي، يختلف عن مفهوم الواقعية الغربية الذي لا يرى إلا الواقع الأرضي الذي يعيشه الإنسان منفصلًا عن سائر العلاقات الأخرى كالدين والأخلاق، وبذلك فإن رؤيته تكاد هذا الواقع الضيق الذي يشهد آلام الإنسان ومعاناته دون أن تلتفت إلى هذه اليد، التي تمتد للإنسان لترفعه من وهدة انحطاطه، وتصعد به إلى الرفعة والسمو.
إن الواقع الأرضي- في المنظور الإسلامي- ما هو إلا جزء يسير من الواقع الكبير الذي يشهد على عظمة الخالق، كما أن هذا الواقع لا ينفصل عن الواقع السماوي بحقيقته العليا وروحانيته وإعجازه وقدره، إنه الواقع الإسلامي الشامل لكل عناصر الواقع القائم واحتمالاته غير المنظورة أو المدركة.
ولهذا الفهم الجديد للواقع يكون لدى الأديب الإسلامي، فرصة نادرة وخصبة لارتياد آفاق جديدة يمتزج فيها الواقع بالتطلع إلى المثال ويلتحم فيها الواقع الأرضي بالتطلع إلي المثال ويلتحم فيها المشاهد بالغيبي، في منظومة فنية بديعة.
وبهذه المناسبة أرجو أن ينهض النقاد والأدباء في عالمنا العربي والإسلامي بمسؤوليتهم تجاه تحرير المصطلحات وضبطها، بحيث تصبح لدينا آليات خاصة بالإبداع والفن، نابعة من قيمنا، ومنسجمة مع بيئتنا، فلا ينبغي أن تبقى النظريات الأدبية الغربية متحكمة في نظرتنا إلى الإبداع وطبيعة الفن، خاصة أن هناك اختلافات جوهرية بين نظرة مجتمعنا إلى كثير من القضايا ونظرة المجتمعات الأخرى، وقد أشرنا إلى بعض الأمثلة، ومن بينها مفهوم الواقع.
[*] جامعة الكويت.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل