العنوان «جزر القمر» بين خيارين أحلاهما مُر!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-2000
مشاهدات 75
نشر في العدد 1386
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 01-فبراير-2000
خلفيات التصويت لصالح استقلال أنجوان:
إبراهيم بوانا (*)
لا يذكر اسم «جزر القمر» عبر وسائل الإعلام -إن ذُكر- إلا وتتبادر إلى الذهن تلك المستعمرة الفرنسية البعيدة عن هموم العالم ومشكلاته.
لقد عُزلت الجزيرة جغرافيًّا بواسطة أيادي المحيط الهندي، ثم جاء معظم وسائل الإعلام - فأوقع على هذه الجزر وأهلها ما يشبه الحصار الإعلامي اقتفاء بآثار وسائل الإعلام الفرنسية وحلفائها.
«جزر القمر» ليست في شيء من هذا الذي نرى من حرص الأفراد على الأخوة، والمجتمعات على دولة المؤسسات، بل لا تزال تئن -من بين ما تئن منه- منذ استقلالها في 6 يوليو ١٩٧٥م من الكوارث الانقلابية والعسكرية والتي هي -على ما يبدو- أشد إيقاعًا من الكوارث الطبيعية، والتي كان آخرها الإعلان عن أن أكثرية سكان أنجوان قد صوتت لصالح الانفصال عن جزر القمر.
فما أسباب تلك الحروب وما الأيادي وراءها؟
الإجابة عن هذه التساؤلات ليست بسيطة وخصوصًا أن هنالك عوامل داخلية قبل الخارجية سعت - عن قصد أو غير قصد- في تأزم الأوضاع وتعقيدها، فقد عارض الاستقلال منذ يومه الأول طائفة تتمتع بنفوذ واسع في جزيرة «مايوت» المستعمرة إلى الآن، بل وعملت تلك الطائفة على إضفاء الشرعية على بقاء الاستعمار؛ مما أدى مؤخرًا إلى أن تكون هذه الجزيرة -بالنسبة لفرنسا- مسمار جحا في الأراضي القمرية.
تحليل أسباب الحروب
ثمة رأي يُرجع أسباب تلك الحروب إلى الاستفزازات التي أطلقها انضمام جزر القمر إلى جامعة الدول العربية، فقد شعرت الفرانكوفونية بأن البساط سيتم سحبه من تحت قدمها في مدة غير طويلة، فقد أعربت جزر القمر عن رغبتها في الانضمام إلى هذه الجامعة منذ وقت مبكر، ولعل مبادرات الانضمام تعود جذورها إلى العهد الثاني للرئيس أحمد عبدالله عبد الرحمن - أول رئيس لجزر القمر بعد الاستقلال والذي امتدت حكومته الثانية بين فترة ۱۹۷۸م و۱۹۸۹م وجاءت تصريحات مؤكدة من قبل السيد مزور عبد الله الذي عمل وزيرًا للخارجية في حكومة سابقة، ثم وزيرًا للتعليم والإعلام في العهد الثاني لحكومة أحمد عبد الله، وكذا احتل المنصب نفسه في حكومة الرئيس الراحل محمد تقي الدين عبد الكريم، صرح الوزير بأنه شخصيًا كان وراء محاولات طلب الانضمام للجامعة لحقيبة وزارة التعليم والإعلام في العهد الثاني لأحمد عبد الله، وأن موافقة الجامعة على انضمام جزر القمر إليها لم تكن إلا نتيجة طبيعية لجهود حكومته، إلا أن الأقدار شاءت أن تجني ثمار تلك الجهود حكومة لاحقة برئاسة السيد محمد جوهر، فتم الإعلان عن ميلاد الانضمام في ۲۰ سبتمبر ۱۹۹۳م.
اعتاد السياسيون التقليديون القمريون خصوصًا على إرجاع أصابع الاتهام إلى فرنسا فيما يتعلق بمعاناة جزر القمر وتدهور أوضاعها، وربما كان لهذا الرأي جانب من الصواب، فقد نجح الاستعمار الفرنسي في عزل جزر القمر عن عيون العالم، وإثارة الفتن الداخلية -شأنها في كل أرض وطئتها- على شكل صراع بين المعسكر العربي المتمثل في دارسي اللغة العربية والمعسكر الغربي المتمثل في دارسي اللغة الفرنسية- أو بالأحرى- صراع بين الأصالة الإسلامية والعلمنة الغربية.
ونجح الاستعمار كذلك في إخلاف -من بعده- خلف من القمريين أشد تعصبًا للفرانكوفونية وأحرص على نشرها مجانًا بين الأجيال الصاعدة، وكانت الحكومات المتلاحقة ما عدا حكومة علي صالح - تساند هذا التعصب للفرانكفونية -أو على أقل تقدير - تستمرئه ولا تستنكره، وأخيرًا توجت هذه الفتن الداخلية وهذا التعصب الفرانكوفوني بدعوة انفصالية تجندت لها جزيرة «أنجوان» «هانزوان» ثاني أكبر جزيرة، وجزيرة «موهيلي» كل على حدة، والتي أودت بحياة عدد كبير من الجنود، ومات على إثرها الرئيس الأخير محمد تقي الدين عبد الكريم نتيجة صدمة قلبية.
ومما نجحت فيه فرنسا إبقاء الإدارة في البلاد مفرنسة، وإطلاق العنان للمتفرنسين من أهل الجزر يلعبون بمقدرات الشعب، وتمتد أياديهم لتعبث بثروة البلاد -البشرية منها وغير البشرية، وقد سعى بعض المؤسسات الحكومية- لا سيما وزارتا الخارجية منها والتعليم إلى عرقلة لتدفق المد العربي وذلك عن طريق إخفاء المنح الدراسية القادمة من البلاد العربية، والحد من فرص العمل لدارسي اللغة العربية والعمل على إحباط كل محاولة لتعريب البلاد رغم انضمامها إلى جامعة الدول العربية.
ومن أهم ما يشهد لذلك السعي الكريه من قبل المؤسسات الحكومية - ثلاث حوادث وقعت على مرأى ومسمع منها:
الحادث الأول: أنه بعد المؤتمر الدولي للثقافة الإسلامية بجزر القمر الذي عقدته المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة «إيسيسكو» في مدينة مروني عاصمة البلاد سنة ١٩٩٢م، والذي حظي بمشاركة دولية، بعد هذا المؤتمر، زودت المنظمة «إيسيسكو» جزر القمر بطاقم من آلات كاتبة بالعربية تمهيدًا لإنجاز ما توصلوا إليه في المؤتمر من توصيات ومنها تعريب لغة جزر القمر، وهذا بالطبع ما لم يهدأ له بال الفرانكوفونية وزعموا أن الآلات بحاجة إلى الإصلاح فأرسلت - لا إلى منظمة «الإيسيسكو» صاحبة الشأن.. ولكن إلى فرنسا ليتم إصلاحها هناك (!!) ويبدو أن عملية الإصلاح ما زالت جارية إلى اليوم بعد مضي أكثر من خمس سنوات على إرسالها!!.
الحادث الثاني: أنه بعد إعلان انضمام جزر القمر لجامعة الدول العربية في ۱۹۹۳م، لم تمض سنتان حتى أطيح بحكومة السيد محمد جوهر على يد المرتزق الفرنسي بوب دينار، بمعاونة الموالين للفرانكوفونية من أركان الجيش القمري ولم تنبس أي مؤسسة حكومية ببنت شفة، أو تبدي انزعاجًا إزاء الحادث.
أما الحادث الثالث: فقد تبرعت دولة الكويت لجزر القمر – كعادتها- بأربع مولدات كهربائية في ظل حكومة الرئيس الراحل محمد تقي، وذلك بعدما كانت الشركة الفرنسية المشرفة على الكهرباء في البلاد «EDCE» تتلاعب بأمرها، لكن المفاجأة تأتي بأن عصابة ما قامت بشحن المولدات بالرمل - الأمر الذي أدى إلى تعطلها منذ شهر يناير ۱۹۹۷م لتعقد الحكومة بعدها اتفاقية مع شركة فرنسية «SOGEA» تنص على أن تتولى الأخيرة إدارة شركة الكهرباء القمرية على مدى ثلاثين عامًا مقبلة، ولم تأخذ الحكومة بكل مؤسساتها أي إجراءات تذكر بصدد تلك الحادثة، بل لم نسمع حتى محاولة البحث والقبض على العصابة!!
هذا كله غيض من فيض من نشاط الفرانكوفونية على الساحة القمرية هل انتهت فصول القصة؟! وهل حلت شفرتها؟!
هناك قول ثان - غير منحاز- يرى أن على الشعب القمري أن يتحمل جزءًا من المسؤولية في مسلسل التدهورات التي تشهدها البلاد، ولا يقبل منه أن يسند جميع التهم إلى الاستعمار، فقد انقسم الشعب القمري ذاته إلى قسمين منذ اليوم الأول من الاستقلال؛ قسم يطالب بالاستقلال ويتمثل في الأغلبية الساحقة للشعب بما فيهم أهل الجزر الثلاث، وقسم آخر يدعو إلى البقاء تحت الاستعمار، وكان له نفوذ واسع النطاق في جزيرة «مايوت» كما سبق - وهذه الجزيرة تحولت فيما بعد إلى قاعدة عسكرية فرنسية بحتة، وقد لعبت دورًا في الحروب الانفصالية التي اندلعت مؤخرًا بين حكومة جزر القمر والانفصاليين.
كما أن السياسيين التقليديين ليسوا بمنجاة من اللوم، ذلك لأنهم لم يستغلوا شعبيتهم لما فيه مصلحة للبلاد -شأن الأحزاب المعارضة في البلاد النامية- بل راحوا يلوثون أفكار الشعب بإثارة الخلافات وتوسيع الأزمات فيما يصدرونه من قرارات وما يدلون به من تصريحات.
وليس لجزر القمر الآن سوى خيارين أحلاهما مر: إما الذوبان في الفرانكوفونية لتنجو من مكائد فرنسا وتحصل على عطاياها مقابل هويتها ودينها كما حصل لجزيرة لارينيو المجاورة لجزيرة موريشس.
وإما الذوبان في العروبة حفاظًا على هويتها ودينها مقابل التعرض لمكائد فرنسا وأفاعيلها.
فهل - حقًّا - وعى الشعب القمري هذا الدرس الأليم؟ وهل ينبذ أهله الفرقة ويقفون صفًّا واحدًا متينًا لبناء جزر قمر جديدة؟
الجواب ما ستراه منهم.. لا ما تسمعه مني.
(*) باحث قمري.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل