; إثيوبيا وإريتريا .. أصدقاء الأمس.. أعداء اليوم | مجلة المجتمع

العنوان إثيوبيا وإريتريا .. أصدقاء الأمس.. أعداء اليوم

الكاتب نور الدين بوشا

تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1999

مشاهدات 103

نشر في العدد 1341

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 09-مارس-1999

شرق إفريقيا

حين تكون الحرب الخيار الوحيد للحكومتين الإثيوبية والإريترية لا نتوقع أن تنتهي الأزمة في وقت قريب

 

إثيوبيا وإريتريا.. اسمان ارتبطا في ذاكرة التاريخ وعلى خرائط الجغرافيا بأنواعها المختلفة، وكذا في أذهان القراء والسامعين، وإذا كان الارتباط التاريخي والجغرافي يعني أشياءً كثيرة، فإن الارتباط في أذهان القراء والسامعين اليوم لا يعني سوى شيء واحد.. الحرب.

تكونت إثيوبيا الحديثة عام 1886م على يد الإمبراطور منيلك الثاني «1844 - 1913م» بعد القضاء على الممالك الإسلامية في هرر وبالى وعروسي وجمه وغيرها من المناطق التي يقطنها المسلمون اليوم، والمجاورة للموطن الأصلي للأحباش وهي منطقتا تغراي وأمهرا.

أما إريتريا المستعمرة الإيطالية السابقة فقد أدخلت تحت سيطرة إثيوبيا ضمن ترتيبات فيدرالية في عام 1952م، ولكن الإمبراطور الإثيوبي هيلاسيلاسي ألغى تلك الترتيبات وضم إريتريا إلى إثيوبيا، عام 1962م معلنًا أنها جزء لا يتجزأ من إثيوبيا، مما أدى إلى انفجار الوضع وقيام الحركات الثورية في إريتريا بحثًا عن الاستقلال والحرية، وقد كان في طليعة هذه الحركات جبهة تحرير إريتريا ذات التوجه العربي القومي والتي تعتبر أم الحركات الثورية الإريترية، واستمرت الحرب منذ ذلك الحين، حتى انتهت بسقوط النظام الماركسي في إثيوبيا عام 1991م واستقلال إريتريا عام 1993م واستيلاء الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا - والتي تعتبر سارقة لجهد جبهة التحرير وناكرة للجميل العربي - على مقاليد الأمور في إريتريا. 

لا أحد يشكك في الصداقة الخاصة التي سادت العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا بعد استقلال الثانية، هذه العلاقة التي بنيت على أسس العلاقة بين الجبهة الشعبية التي تسيطر على الحكم في إريتريا والجبهة الشعبية لتحرير تغراي التي تسيطر على الحكم في إثيوبيا، وإن كان في شكل تحالفات صورية مع جبهات من قوميات أخرى في البلاد وخاصة الأوروميين ذوي الأغلبية المسلمة والأمهرا ذوي الأغلبية النصرانية.

وهناك سؤال مهم - الإجابة الصحيحة عنه هي مفتاح فهم مجريات الأحداث وتطورها بهذه السرعة والتعقيد - ما الأسس التي بنيت عليها تلك العلاقة؟ وما منطلقاتها؟ هل كانت مبنية على أساس المصلحة العامة الدائمة والمصير الموحد للبلدين وشعوب المنطقة عمومًا، أم كانت علاقة المصلحة الآنية وهي إسقاط نظام منجستو في إثيوبيا ثم السيطرة على الأوضاع؟ هل كانت علاقة أشخاص أكثر من كونها علاقة دولة ومؤسسات؟ إذ يذكر في هذا الصدد العلاقة الشخصية بين أسياس أفورقي رئيس إريتريا منذ الاستقلال وملس زيناوى رئيس الوزراء الإثيوبي، هل كانت تلك العلاقة من صنع كبار القوم موردي السلاح وصانعي السلام؟!

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ومثيلاتها، والتي تدور كلها حول طبيعة العلاقة بين الجبهتين قبل الوصول إلى السلطة، وبين الدولتين بعد وصولهما إليها ستخرجنا من الحيرة التي أصابت الجميع عندما انفجر الوضع دونما إنذار في الصيف الماضي «مايو  1998م».

نعم ظل معظم المراقبين وخاصة من داخل البلدين يعتقدون أن النظامين مرتبطان لدرجة البقاء، حتى أنه كان يروج لتقارير تفيد بأن الجبهة الحاكمة في إثيوبيا تبذل قصارى جهدها في بناء وتطوير منطقتها، حتى إذا ما أزيحت عن الحكم والذي لا ريب سيحصل وفق هذه التقارير - فإنها ستنفصل عن إثيوبيا وتنضم إلى إريتريا لتكوين قوة نصرانية في المنطقة مع الجبهة الشعبية الحاكمة في إريتريا، والتي هي بدورها متهمة بكونها جبهة مسيحية أكثر من كونها وطنية.

علاقة شخصيات .. أم دولة ومؤسسات؟

معلوم أن العلاقات في دول ومؤسسات ما يسمى بالعالم الثالث مبنية على أساس شخصي أكثر مما هي مبنية على أساس مؤسسي، لذا تجدنا نعول دائمًا على تغير الشخصيات حتى تتغير السياسات، وليست العلاقة بين النظامين في إثيوبيا وإريتريا ببعيدة عن هذا المنطق، ويذكر في هذا السياق العلاقة الشخصية الحميمة بين شخصي ملس زيناوي رئيس الوزراء الإثيوبي والرئيس الإريتري أسياس أفورقي ويقال إنهما أبناء عمومة، وهذا ما يدفع البعض إلى إعطاء شيء من المصداقية للتقارير التي تدعي أن رئيس الوزراء الإثيوبي أجبر على اتباع هذا المنحى في التعامل مع إريتريا تحت الضغط الداخلي.

وعلى المستوى الخارجي فإن مصلحة الدول الغربية وخاصة فرنسا والولايات المتحدة وحليفتها الاستراتيجية «إسرائيل»، تقتضي وجود علاقة سلم وصداقة بين إريتريا وإثيوبيا. 

«إسرائيل» والولايات المتحدة تتمتعان بعلاقات جيدة وقديمة مع إثيوبيا ومع إريتريا بعد استقلالها، وفي الحقيقة إن الأنظمة الحاكمة في الدولتين لم تصل إلى الحكم وترسخ أقدامها فيه إلا بمساعدة من أمريكا ومباركة من الدول الغربية الأخرى، فرنسا من جهتها لها قوة عسكرية في جيبوتي ولا تتحمل مشاكسات النظام الإريتري وتنافس - بلا شك - أمريكا في إدخال إثيوبيا في معسكرها، لذا فإنه إذا أريد النجاح للمشروع الأمريكي لإعادة رسم الخارطة السياسية في شرق ووسط أفريقيا وإيجاد أنظمة تدور في فلكها كان لزامًا على إريتريا وإثيوبيا أن يصطنعا علاقة الصداقة والتعاون وبهذا يمكن تفسير القلق الشديد الذي أصاب الإدارة الأمريكية من تطور الأحداث ومحاولتها اليائسة لاحتواء الموقف، ولكن يبدو أن الساسة الأمريكان لا يجيدون صناعة السلام كما يجيد مهندسوهم صناعة الأسلحة.

أعتقد وبشدة بأن العلاقة بين الجبهتين الحاكمتين في البلدين قبل وبعد الوصول إلى الحكم لم تكن أكثر من علاقة مصلحة آنية تزول بزوال سببها، الجبهة الشعبية الحاكمة مع التحالف القائم في إثيوبيا أسست في عام 1986م ودرب أعضاؤها بمساعدة كاملة من الجبهة الشعبية الحاكمة في إريتريا - والتي كانت تقاتل لنيل الاستقلال - وذلك لضمان فتح جبهة جديدة على نظام منجستو الماركسي في ذلك الحين، ومنذ البداية وبرغم علاقة الأب والابن بين الجبهتين لم تكن العلاقة بينهما مستقرة إذ دخلوا في عدة مناوشات وصراعات، ولكنه وفي كل الأحوال كان الهدف الأكبر يوحدهم وهو مواجهة النظام الماركسي، هذا بالإضافة إلى مواجهة الحركات الأخرى القومية منها كالأمهرا والأوروميين، والإسلامية كالأوروميين والصوماليين، والتي كانت بدورها تقاتل – وما زال بعضها - من أجل الاستقلال عن إثيوبيا أو السيطرة على السلطة.

بعد سقوط النظام الماركسي وسيطرة الإريتريين على بلدهم والتغراويين على إثيوبيا كان لزامًا على الجبهتين التعاون، حتى ترسخ أقدامهم في الحكم وخاصة فيما يخص إثيوبيا إذ كان التغراويون في حاجة ماسة إلى مساعدة الإريتريين حتى يتمكنوا من بسط نفوذهم على البلاد ومواجهة الجبهات الأخرى والتي كانت تسعى إلى استغلال الوضع والسيطرة على الحكم في إثيوبيا أو الاستقلال عنها، فكان لابد للجبهة التغراوية من الحصول على مساعدة عسكرية من الإريتريين، وكان لزامًا على الإريتريين مساعدتهم حتى يضمنوا عدم تعثر مساعيهم ليس للاستقلال فحسب وإنما للاحتفاظ بجنسيتهم الإثيوبية ومراكزهم في الدوائر الحكومية، وهذا ما حصل بالضبط، وبطبيعة الحال لم ترض بعض القوميات الإثيوبية كالأمهرا باستقلال إريتريا وحتى الذين لم يعارضوا استقلالها لم يرضوا بالمعاملة الخاصة للإريتريين برغم استقلالهم عن إثيوبيا، والبعض الآخر يلوم التغراويين على عدم الاحتفاظ ولو بمدينة واحدة على الساحل، لا سيما مدينة عصب إحدى جبهات القتال في المواجهة الحالية والتابعة لقبيلة عفر إحدى القبائل المسلمة، وذلك حتى لا تبقى إثيوبيا حبيسة القلق الدائم الناتج عن كونها دولة داخلية بعد استقلال إريتريا.

ولكن المتتبع للأحداث في ذلك الحين يدرك تمامًا أنه لم يكن أمام الجبهة التغراوية إلا خياران لا ثالث لهما، الرضوخ لمطالب الإريتريين مع ضمان مساعدتهم، أو مواجهة الجبهات القومية في إثيوبيا وحدها وفي هذه الحالة كانت تعلم يقينًا أنها ستخسر المعركة، فما كان منها إلا الرضوخ، ولو لحين للمطالب الإريترية.

كل هذه المعطيات إضافة إلى العقدة التاريخية بين القوميتين التغراوية والإريترية جعلت الإريتريين ينظرون إلى الجبهة الحاكمة في إثيوبيا نظرة الدون - كما يقول موظف في الخارجية الإثيوبية - ويريدون فرض شروطهم كلما ظهر خلاف بين الطرفين.

إذن ما الذي تغير؟

بعد استقلال إريتريا وتهميش القوميات الأخرى المطالبة بالاستقلال ركزت إثيوبيا جهودها على شيئين هما:

أولًا: البناء الاقتصادي: وذلك بتحرير الاقتصاد وفتح باب الاستثمار على مصراعيه للشركات الوطنية والأجنبية، وهذا أدى إلى نمو اقتصادي سريع بمعدل 8% خلال السبع سنوات الماضية وبلغ 12% في بعض الأحيان.

 ثانيًا: البناء السياسي: وذلك بإعادة بناء المؤسسات السياسية للدولة فكان دستور عام 94م الذي جعل الدولة فيدرالية مكونة من تسع ولايات كل ولاية لها دستورها وقوانينها ولها حق تقرير المصير، وأصبح هناك قدر لا بأس به من الحقوق والحريات العامة. 

هذا بدوره أدى إلى انخفاض الأصوات المطالبة بالاستقلال من القوميات الأخرى وبدأت العملية الطويلة للم الشمل ودمج الجميع في النظام السياسي القائم، مما أدى إلى وصول بعض الرموز من القوميات المهمشة كالأوروميين مثلًا إلى مواضع صنع القرار في البلاد. 

كل هذا أدى إلى تعالي الأصوات المنادية بالمعاملة الطبيعية لإريتريا من غير امتيازات، وزادت هذه الأصوات مع فرض إريتريا ضرائب باهظة على البضائع الإثيوبية القادمة عن طريقها، ووجدت هذه الأصوات من يصغي إليها مع طبع إريتريا لعملتها الخاصة، وهنا وقف الإثيوبيون موقف مراجعة العلاقة مع إريتريا وقرروا أن يكون التعامل التجاري مع إريتريا بالعملة الصعبة مثلها مثل أي دولة وهنا وكما يقول الساسة الإثيوبيون جن جنون إريتريا، ذلك لأن معظم الاحتياجات الإريترية من المواد الغذائية تأتي من إثيوبيا هذا بالإضافة إلى الارتباط الاقتصادي بإثيوبيا منذ أن كانت جزءًا منها، لذا فإن التعامل بالعملة الصعبة بين البلدين يعني اختناقًا اقتصاديًا بالنسبة لإريتريا .

 أدرك الإريتريون أن إثيوبيا ليست مستعدة للدخول في أي حرب أو حتى مناوشات مع أي جهة كانت وذلك لسببين أساسيين:

أولًا : هشاشة الوضع الداخلي في إثيوبيا: حيث توجد حركات قومية تقاتل من أجل الاستقلال التام، والدولة مشغولة سياسيا وعسكريًا بإخماد هذه الحركات.

ثانيًا: التركيز على التنمية الاقتصادية: وإهمال الجيش الإثيوبي الرسمي الذي سرح مع سقوط النظام الماركسي، واستبدل به ميليشيات معظمها تغراوية، وبالرغم من وضع نواة لجيش رسمي يكون ولاؤه للدستور فإن هذا المشروع لم يبلغ المستوى المطلوب، لذا رأى الإريتريون دفع إثيوبيا إلى الحرب ليتمكنوا من انتزاع التنازلات، وفعلًا كانت الهجمة الأولى التي قام بها الإريتريون في الصيف الماضي والتي كانت مفاجأة للإثيوبيين بمعنى الكلمة، ولكن يبدو أن الإثيوبيين، وبعد فترة الاستعداد التي حرصوا على اغتنامها خلال وقف إطلاق النار، حزموا أمرهم وحسموا موقفهم وقرروا المنازلة.

ما الهدف؟

إن قطعة الأرض التي يتقاتل عليها الطرفان ليست ذات قيمة اقتصادية أو استراتيجية تذكر، لذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو ما الهدف من الصراع على هذه القطعة من الأرض؟ هل هو التراب الوطني الذي يتبجح كثير من حكام العالم الثالث بالحفاظ عليه، لأن هذا التراب هو طعام

شعبه.. أم أن هناك أهدافًا أخرى من وراء هذا الصراع.

إريتريا مقتنعة بما لا يدع مجالًا للشك بأن شهر العسل مع إثيوبيا قد انتهى وبلا عودة، وتعتقد أن إثيوبيا القوية وخاصة بقيادة التغراويين - عدوهم التقليدي - تهديد لبقائها، وتهديد للأمن القومي العربي، إذا كان هناك أمن عربي أو كانت هي تعتقد بعروبتها، وتجد هذه البضاعة رواجًا لدى بعض الدول العربية ويعزز هذا الرواج العامل التاريخي والجفاء الحالي في العلاقات العربية الإثيوبية، وعليه فإن رهان الإريتريين هو زعزعة الوضع الهش في إثيوبيا وإدخال الوهن والضعف في صفوف الجيش الإثيوبي وذلك بالإيحاء للقوميات الإثيوبية الأخرى، بأن الموضوع لا يخصهم وبأن الحرب بينهم وبين التغراويين الذين يعتبرهم الكثيرون من الشعب الإثيوبي مستبدين بالحكم والاقتصاد.

إثيوبيا من جانبها لا يمكن لها التنازل عن شبر واحد من أراضيها حتى لو أدركت أن الحرب ليست في صالحها على الأقل في المدى البعيد، ذلك لأن الحكومة متهمة منذ البداية بالتساهل مع إريتريا وبالتفريط في حقوق إثيوبيا بعدم الاحتفاظ ولو بمرفأ على الشاطئ، ومع إقرار الدستور الجديد الذي فتح باب المشاركة في السلطة لكل القوميات دون النظر إلى الانتماء الديني ومنح حق تقرير المصير لكل القوميات، فإن القوميات الصغيرة التي لا تملك مقومات الدولة حتى تستقل والقومية الأمهرية النصرانية والتي تعتبر الحكم في إثيوبيا ملكًا لها ومحرمًا على غيرها وخاصة المسلمين، تتهم الحكومة بفتح الباب رسميًا لتجزئة إثيوبيا، لذا فإن أي تنازل من الحكومة يفسر فورًا بأنه تساهل مع إريتريا وتفريط في حق إثيوبيا، هذا بالإضافة إلى أن الجبهة التغراوية الحاكمة في إثيوبيا ترى من الإريتريين تهديدًا مباشرًا لموطنها الأصلي، وهو إقليم تغراي الذي يشكل معظم الشريط الحدودي بين البلدين وعليه، فإن القضية بالنسبة لهم قضية مصيرية، لذا يسعون وبكل الجهود لإيقاف الإريتريين أو تدميرهم إن أمكن.

حرب خاطفة.. أم..؟

الجهود الدبلوماسية التي تبذلها الولايات المتحدة والمنظمات الدولية لاحتواء الموقف قد تبعث الأمل على توقف الحرب.

ولكن تطور الأحداث وتعقدها بهذه السرعة وخاصة إذا ما أخذنا في الحسبان الاستعدادات الجارية على قدم وساق وما يقال عن الدعم الإريتري للحركات القومية التي تقاتل من أجل الاستقلال عن إثيوبيا، والتي كانت في يوم من الأيام من ألد أعداء الإريتريين وما يروج من أن إثيوبيا تخطط للسيطرة على ميناء عصب، فإن المرء قد يقتنع بأن المنطقة دخلت نفقًا مظلمًا لا يعرف أحد طوله ولا عرضه.

نيجيريا

لماذا اختار المسلمون في نيجيريا رئيسًا نصرانيًا ؟

فاز أولو أوبا سانجو بانتخابات الرئاسة في نيجيريا متقدمًا على منافسه أولو فلاي بفارق أصوات يقدر بنحو ثمانية ملايين صوت حسبما أعلن، مع الأخذ في الاعتبار الشكوى من عمليات تزوير وقعت لصالح المرشح الفائز، وقد كان للمتنفذين من الشماليين المسلمين ضد الهوسا والفلاني الدور الأكبر في دعم وتأييد الرئيس المنتخب وإيصاله إلى السلطة برغم كونه نصرانيًا ومن مناطق الجنوب الغربي «اليوربا»، ويعتقد الكثيرون أن الحملة الانتخابية لأوبا سانجو قد مولها أثرياء شماليون على رأسهم الرئيس العسكري السابق إبراهيم بابا نجيدًا. 

وبغض النظر عن إمكان نجاح أو فشل التجربة الديمقراطية في أكبر دولة في القارة الإفريقية «120» مليون نسمة، فإن هذه الانتخابات أفرزت مجموعة من الحقائق والمعطيات الأساسية تساعد في فهم واستيعاب المشكلات والقضايا الإفريقية المعقدة، ولعل من أبرزها كون العامل الديني لا يمثل بعدًا رئيسًا في الصراعات القائمة، وأن المسلمين أكثر تسامحًا مما يزعم الغرب حين يفسر كل الصراعات بأنها ناتجة عن تعصب المسلمين.

 وهذا ما برهنت عليه الأرقام، ففي مدينة «كانو» عاصمة الشمال النيجيري المدينة الإسلامية العريقة، حصد أوبا سانجو ما يقارب 800 ألف صوت، وهو أكبر رقم سجل من المدن النيجيرية، وحتى تلك التي تسكنها أغلبية نصرانية، وبالمقابل فإن وفاة رجل الأعمال المسلم مسعود أبيولا الذي فاز في انتخابات يونيو 1993م دون أن يستلم السلطة تسببت في أعمال احتجاج واسعة في المناطق ذات الأغلبية النصرانية التي كان يتلقى منها الدعم والتأييد وبخاصة بعد رفض المؤسسة العسكرية في نيجيريا لنتائج الانتخابات التي فاز فيها.

 وهكذا تظهر الانتخابات النيجيرية الجديدة طبيعة التعايش الديني في إفريقيا وعدم ارتباطه بالصراعات العديدة التي يقحم العامل الديني فيها، كما هو الحال في مشكلة جنوب السودان، أو البحيرات العظمى، أو في ليبيريا أو سراليون أو غينيا بيساو، فبرغم كونها مناطق ساخنة كلها وتشهد حروبًا دامية، إلا أن العامل الديني غير ظاهر في تلك الحروب مقارنة بالأسباب والعوامل الحقيقية المتعلقة باقتسام السلطة والثروة أو بالظلم والحرمان والتطرف الإثني.

وفي إطار العوامل المؤثرة والتي أوصلت أوبا سانجو إلى سدة الحكم النيجيري لا يمكن إهمال دور المؤسسة العسكرية وذلك من أوجه عديدة، فالانتخابات نفسها غالبًا ما تأتي بقرارات ومراسيم عسكرية، وليست بقوة دستورية طبيعية، ومن جانب آخر، لا يجد المرشح الرئاسي الذي يدعمه الجيش كبير عناء في توفير الشروط التأهيلية للترشح ولا حتى في كسب أرقام قياسية في الاقتراع.

وهذا ما حدث في نيجيريا وفي الجزائر «وقد يتكرر» في العديد من الدول الإفريقية الأخرى.

ولكن ما دور النصارى في الانتخابات النيجيرية، وما درجة التأثير الدولي فيها و مستوى ضغط القوى الأجنبية؟ 

أغلب النصارى في نيجيريا هم من قبائل الإيبو، وقد هزموا في حرب أهلية ضروس في نهاية الستينيات، مما جعلهم يحجمون عن المبالغة في دخول المعترك السياسي، وأصبحوا متفرجين على صراع بين الغرب والشمال «اليوريا» و«الهوسا».

وبرغم أن نسبة معتبرة من اليوربا هم نصارى، إلا أن أغلبيتهم المسلمة تلعب دورًا حيويًا يغطي على النصارى في مجال الأعمال والمال والإدارات والسياسة.

أما عن دور القوى الأجنبية في نيجيريا، فيؤكد الباحثون والمراقبون أن نيجيريا من الدول المستهدفة بالتقسيم على نحو ما حدث في يوغسلافيا، وذلك حتى لا تلعب دورًا في المنطقة، بما تملكه من إمكانات ومؤهلات، سواء بالنسبة للإمكانات البشرية «أكثر من مائة مليون نسمة»، أو الإمكانات الاقتصادية حيث تعتبر خامس مصدر للنفط إلى الولايات المتحدة «مليونا برميل يوميًا»، بالإضافة إلى الإنتاج الزراعي الهائل والطاقة المائية والكهربائية والموارد المعدنية.

كما يشير المراقبون إلى توسع الجهود الصهيونية في نيجيريا ضمن الدور الإسرائيلي المشبوه، والذي برزت ملامحه في أكثر من موقع وكانت له صلة مباشرة بالقلاقل التي حدثت بين المسلمين والنصارى في بداية التسعينيات في مدينة «لاجوس» و«أبادات» في غرب البلاد.

وإلى أن يستلم أوبا سانجو الحكم في نهاية شهر مايو القادم - ليتضح دوره وإمكاناته في معالجة إرث ضخم من الفساد والانهيار على كل المستويات - فستبقى كل الاحتمالات واردة مع غياب وعي استراتيجي ناضج لدي المسلمين في بلاد هيمنوا على قيادتها قرونًا متتالية .

محمد سالم الصوفي

 

شرق إفريقيا

حين تكون الحرب الخيار الوحيد للحكومتين الإثيوبية والإريترية لا نتوقع أن تنتهي الأزمة في وقت قريب

إثيوبيا وإريتريا .. أصدقاء الأمس.. أعداء اليوم

نور الدين بوشا (باحث إثيوبي)

إثيوبيا وإريتريا.. اسمان ارتبطا في ذاكرة التاريخ وعلى خرائط الجغرافيا بأنواعها المختلفة، وكذا في أذهان القراء والسامعين، وإذا كان الارتباط التاريخي والجغرافي يعني أشياءً كثيرة، فإن الارتباط في أذهان القراء والسامعين اليوم لا يعني سوى شيء واحد.. الحرب.

تكونت إثيوبيا الحديثة عام 1886م على يد الإمبراطور منيلك الثاني «1844 - 1913م» بعد القضاء على الممالك الإسلامية في هرر وبالى وعروسي وجمه وغيرها من المناطق التي يقطنها المسلمون اليوم، والمجاورة للموطن الأصلي للأحباش وهي منطقتا تغراي وأمهرا.

أما إريتريا المستعمرة الإيطالية السابقة فقد أدخلت تحت سيطرة إثيوبيا ضمن ترتيبات فيدرالية في عام 1952م، ولكن الإمبراطور الإثيوبي هيلاسيلاسي ألغى تلك الترتيبات وضم إريتريا إلى إثيوبيا، عام 1962م معلنًا أنها جزء لا يتجزأ من إثيوبيا، مما أدى إلى انفجار الوضع وقيام الحركات الثورية في إريتريا بحثًا عن الاستقلال والحرية، وقد كان في طليعة هذه الحركات جبهة تحرير إريتريا ذات التوجه العربي القومي والتي تعتبر أم الحركات الثورية الإريترية، واستمرت الحرب منذ ذلك الحين، حتى انتهت بسقوط النظام الماركسي في إثيوبيا عام 1991م واستقلال إريتريا عام 1993م واستيلاء الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا - والتي تعتبر سارقة لجهد جبهة التحرير وناكرة للجميل العربي - على مقاليد الأمور في إريتريا. 

لا أحد يشكك في الصداقة الخاصة التي سادت العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا بعد استقلال الثانية، هذه العلاقة التي بنيت على أسس العلاقة بين الجبهة الشعبية التي تسيطر على الحكم في إريتريا والجبهة الشعبية لتحرير تغراي التي تسيطر على الحكم في إثيوبيا، وإن كان في شكل تحالفات صورية مع جبهات من قوميات أخرى في البلاد وخاصة الأوروميين ذوي الأغلبية المسلمة والأمهرا ذوي الأغلبية النصرانية.

وهناك سؤال مهم - الإجابة الصحيحة عنه هي مفتاح فهم مجريات الأحداث وتطورها بهذه السرعة والتعقيد - ما الأسس التي بنيت عليها تلك العلاقة؟ وما منطلقاتها؟ هل كانت مبنية على أساس المصلحة العامة الدائمة والمصير الموحد للبلدين وشعوب المنطقة عمومًا، أم كانت علاقة المصلحة الآنية وهي إسقاط نظام منجستو في إثيوبيا ثم السيطرة على الأوضاع؟ هل كانت علاقة أشخاص أكثر من كونها علاقة دولة ومؤسسات؟ إذ يذكر في هذا الصدد العلاقة الشخصية بين أسياس أفورقي رئيس إريتريا منذ الاستقلال وملس زيناوى رئيس الوزراء الإثيوبي، هل كانت تلك العلاقة من صنع كبار القوم موردي السلاح وصانعي السلام؟!

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ومثيلاتها، والتي تدور كلها حول طبيعة العلاقة بين الجبهتين قبل الوصول إلى السلطة، وبين الدولتين بعد وصولهما إليها ستخرجنا من الحيرة التي أصابت الجميع عندما انفجر الوضع دونما إنذار في الصيف الماضي «مايو  1998م».

نعم ظل معظم المراقبين وخاصة من داخل البلدين يعتقدون أن النظامين مرتبطان لدرجة البقاء، حتى أنه كان يروج لتقارير تفيد بأن الجبهة الحاكمة في إثيوبيا تبذل قصارى جهدها في بناء وتطوير منطقتها، حتى إذا ما أزيحت عن الحكم والذي لا ريب سيحصل وفق هذه التقارير - فإنها ستنفصل عن إثيوبيا وتنضم إلى إريتريا لتكوين قوة نصرانية في المنطقة مع الجبهة الشعبية الحاكمة في إريتريا، والتي هي بدورها متهمة بكونها جبهة مسيحية أكثر من كونها وطنية.

علاقة شخصيات .. أم دولة ومؤسسات؟

معلوم أن العلاقات في دول ومؤسسات ما يسمى بالعالم الثالث مبنية على أساس شخصي أكثر مما هي مبنية على أساس مؤسسي، لذا تجدنا نعول دائمًا على تغير الشخصيات حتى تتغير السياسات، وليست العلاقة بين النظامين في إثيوبيا وإريتريا ببعيدة عن هذا المنطق، ويذكر في هذا السياق العلاقة الشخصية الحميمة بين شخصي ملس زيناوي رئيس الوزراء الإثيوبي والرئيس الإريتري أسياس أفورقي ويقال إنهما أبناء عمومة، وهذا ما يدفع البعض إلى إعطاء شيء من المصداقية للتقارير التي تدعي أن رئيس الوزراء الإثيوبي أجبر على اتباع هذا المنحى في التعامل مع إريتريا تحت الضغط الداخلي.

وعلى المستوى الخارجي فإن مصلحة الدول الغربية وخاصة فرنسا والولايات المتحدة وحليفتها الاستراتيجية «إسرائيل»، تقتضي وجود علاقة سلم وصداقة بين إريتريا وإثيوبيا. 

«إسرائيل» والولايات المتحدة تتمتعان بعلاقات جيدة وقديمة مع إثيوبيا ومع إريتريا بعد استقلالها، وفي الحقيقة إن الأنظمة الحاكمة في الدولتين لم تصل إلى الحكم وترسخ أقدامها فيه إلا بمساعدة من أمريكا ومباركة من الدول الغربية الأخرى، فرنسا من جهتها لها قوة عسكرية في جيبوتي ولا تتحمل مشاكسات النظام الإريتري وتنافس - بلا شك - أمريكا في إدخال إثيوبيا في معسكرها، لذا فإنه إذا أريد النجاح للمشروع الأمريكي لإعادة رسم الخارطة السياسية في شرق ووسط أفريقيا وإيجاد أنظمة تدور في فلكها كان لزامًا على إريتريا وإثيوبيا أن يصطنعا علاقة الصداقة والتعاون وبهذا يمكن تفسير القلق الشديد الذي أصاب الإدارة الأمريكية من تطور الأحداث ومحاولتها اليائسة لاحتواء الموقف، ولكن يبدو أن الساسة الأمريكان لا يجيدون صناعة السلام كما يجيد مهندسوهم صناعة الأسلحة.

أعتقد وبشدة بأن العلاقة بين الجبهتين الحاكمتين في البلدين قبل وبعد الوصول إلى الحكم لم تكن أكثر من علاقة مصلحة آنية تزول بزوال سببها، الجبهة الشعبية الحاكمة مع التحالف القائم في إثيوبيا أسست في عام 1986م ودرب أعضاؤها بمساعدة كاملة من الجبهة الشعبية الحاكمة في إريتريا - والتي كانت تقاتل لنيل الاستقلال - وذلك لضمان فتح جبهة جديدة على نظام منجستو الماركسي في ذلك الحين، ومنذ البداية وبرغم علاقة الأب والابن بين الجبهتين لم تكن العلاقة بينهما مستقرة إذ دخلوا في عدة مناوشات وصراعات، ولكنه وفي كل الأحوال كان الهدف الأكبر يوحدهم وهو مواجهة النظام الماركسي، هذا بالإضافة إلى مواجهة الحركات الأخرى القومية منها كالأمهرا والأوروميين، والإسلامية كالأوروميين والصوماليين، والتي كانت بدورها تقاتل – وما زال بعضها - من أجل الاستقلال عن إثيوبيا أو السيطرة على السلطة.

بعد سقوط النظام الماركسي وسيطرة الإريتريين على بلدهم والتغراويين على إثيوبيا كان لزامًا على الجبهتين التعاون، حتى ترسخ أقدامهم في الحكم وخاصة فيما يخص إثيوبيا إذ كان التغراويون في حاجة ماسة إلى مساعدة الإريتريين حتى يتمكنوا من بسط نفوذهم على البلاد ومواجهة الجبهات الأخرى والتي كانت تسعى إلى استغلال الوضع والسيطرة على الحكم في إثيوبيا أو الاستقلال عنها، فكان لابد للجبهة التغراوية من الحصول على مساعدة عسكرية من الإريتريين، وكان لزامًا على الإريتريين مساعدتهم حتى يضمنوا عدم تعثر مساعيهم ليس للاستقلال فحسب وإنما للاحتفاظ بجنسيتهم الإثيوبية ومراكزهم في الدوائر الحكومية، وهذا ما حصل بالضبط، وبطبيعة الحال لم ترض بعض القوميات الإثيوبية كالأمهرا باستقلال إريتريا وحتى الذين لم يعارضوا استقلالها لم يرضوا بالمعاملة الخاصة للإريتريين برغم استقلالهم عن إثيوبيا، والبعض الآخر يلوم التغراويين على عدم الاحتفاظ ولو بمدينة واحدة على الساحل، لا سيما مدينة عصب إحدى جبهات القتال في المواجهة الحالية والتابعة لقبيلة عفر إحدى القبائل المسلمة، وذلك حتى لا تبقى إثيوبيا حبيسة القلق الدائم الناتج عن كونها دولة داخلية بعد استقلال إريتريا.

ولكن المتتبع للأحداث في ذلك الحين يدرك تمامًا أنه لم يكن أمام الجبهة التغراوية إلا خياران لا ثالث لهما، الرضوخ لمطالب الإريتريين مع ضمان مساعدتهم، أو مواجهة الجبهات القومية في إثيوبيا وحدها وفي هذه الحالة كانت تعلم يقينًا أنها ستخسر المعركة، فما كان منها إلا الرضوخ، ولو لحين للمطالب الإريترية.

كل هذه المعطيات إضافة إلى العقدة التاريخية بين القوميتين التغراوية والإريترية جعلت الإريتريين ينظرون إلى الجبهة الحاكمة في إثيوبيا نظرة الدون - كما يقول موظف في الخارجية الإثيوبية - ويريدون فرض شروطهم كلما ظهر خلاف بين الطرفين.

إذن ما الذي تغير؟

بعد استقلال إريتريا وتهميش القوميات الأخرى المطالبة بالاستقلال ركزت إثيوبيا جهودها على شيئين هما:

أولًا: البناء الاقتصادي: وذلك بتحرير الاقتصاد وفتح باب الاستثمار على مصراعيه للشركات الوطنية والأجنبية، وهذا أدى إلى نمو اقتصادي سريع بمعدل 8% خلال السبع سنوات الماضية وبلغ 12% في بعض الأحيان.

 ثانيًا: البناء السياسي: وذلك بإعادة بناء المؤسسات السياسية للدولة فكان دستور عام 94م الذي جعل الدولة فيدرالية مكونة من تسع ولايات كل ولاية لها دستورها وقوانينها ولها حق تقرير المصير، وأصبح هناك قدر لا بأس به من الحقوق والحريات العامة. 

هذا بدوره أدى إلى انخفاض الأصوات المطالبة بالاستقلال من القوميات الأخرى وبدأت العملية الطويلة للم الشمل ودمج الجميع في النظام السياسي القائم، مما أدى إلى وصول بعض الرموز من القوميات المهمشة كالأوروميين مثلًا إلى مواضع صنع القرار في البلاد. 

كل هذا أدى إلى تعالي الأصوات المنادية بالمعاملة الطبيعية لإريتريا من غير امتيازات، وزادت هذه الأصوات مع فرض إريتريا ضرائب باهظة على البضائع الإثيوبية القادمة عن طريقها، ووجدت هذه الأصوات من يصغي إليها مع طبع إريتريا لعملتها الخاصة، وهنا وقف الإثيوبيون موقف مراجعة العلاقة مع إريتريا وقرروا أن يكون التعامل التجاري مع إريتريا بالعملة الصعبة مثلها مثل أي دولة وهنا وكما يقول الساسة الإثيوبيون جن جنون إريتريا، ذلك لأن معظم الاحتياجات الإريترية من المواد الغذائية تأتي من إثيوبيا هذا بالإضافة إلى الارتباط الاقتصادي بإثيوبيا منذ أن كانت جزءًا منها، لذا فإن التعامل بالعملة الصعبة بين البلدين يعني اختناقًا اقتصاديًا بالنسبة لإريتريا .

 أدرك الإريتريون أن إثيوبيا ليست مستعدة للدخول في أي حرب أو حتى مناوشات مع أي جهة كانت وذلك لسببين أساسيين:

أولًا : هشاشة الوضع الداخلي في إثيوبيا: حيث توجد حركات قومية تقاتل من أجل الاستقلال التام، والدولة مشغولة سياسيا وعسكريًا بإخماد هذه الحركات.

ثانيًا: التركيز على التنمية الاقتصادية: وإهمال الجيش الإثيوبي الرسمي الذي سرح مع سقوط النظام الماركسي، واستبدل به ميليشيات معظمها تغراوية، وبالرغم من وضع نواة لجيش رسمي يكون ولاؤه للدستور فإن هذا المشروع لم يبلغ المستوى المطلوب، لذا رأى الإريتريون دفع إثيوبيا إلى الحرب ليتمكنوا من انتزاع التنازلات، وفعلًا كانت الهجمة الأولى التي قام بها الإريتريون في الصيف الماضي والتي كانت مفاجأة للإثيوبيين بمعنى الكلمة، ولكن يبدو أن الإثيوبيين، وبعد فترة الاستعداد التي حرصوا على اغتنامها خلال وقف إطلاق النار، حزموا أمرهم وحسموا موقفهم وقرروا المنازلة.

ما الهدف؟

إن قطعة الأرض التي يتقاتل عليها الطرفان ليست ذات قيمة اقتصادية أو استراتيجية تذكر، لذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو ما الهدف من الصراع على هذه القطعة من الأرض؟ هل هو التراب الوطني الذي يتبجح كثير من حكام العالم الثالث بالحفاظ عليه، لأن هذا التراب هو طعام

شعبه.. أم أن هناك أهدافًا أخرى من وراء هذا الصراع.

إريتريا مقتنعة بما لا يدع مجالًا للشك بأن شهر العسل مع إثيوبيا قد انتهى وبلا عودة، وتعتقد أن إثيوبيا القوية وخاصة بقيادة التغراويين - عدوهم التقليدي - تهديد لبقائها، وتهديد للأمن القومي العربي، إذا كان هناك أمن عربي أو كانت هي تعتقد بعروبتها، وتجد هذه البضاعة رواجًا لدى بعض الدول العربية ويعزز هذا الرواج العامل التاريخي والجفاء الحالي في العلاقات العربية الإثيوبية، وعليه فإن رهان الإريتريين هو زعزعة الوضع الهش في إثيوبيا وإدخال الوهن والضعف في صفوف الجيش الإثيوبي وذلك بالإيحاء للقوميات الإثيوبية الأخرى، بأن الموضوع لا يخصهم وبأن الحرب بينهم وبين التغراويين الذين يعتبرهم الكثيرون من الشعب الإثيوبي مستبدين بالحكم والاقتصاد.

إثيوبيا من جانبها لا يمكن لها التنازل عن شبر واحد من أراضيها حتى لو أدركت أن الحرب ليست في صالحها على الأقل في المدى البعيد، ذلك لأن الحكومة متهمة منذ البداية بالتساهل مع إريتريا وبالتفريط في حقوق إثيوبيا بعدم الاحتفاظ ولو بمرفأ على الشاطئ، ومع إقرار الدستور الجديد الذي فتح باب المشاركة في السلطة لكل القوميات دون النظر إلى الانتماء الديني ومنح حق تقرير المصير لكل القوميات، فإن القوميات الصغيرة التي لا تملك مقومات الدولة حتى تستقل والقومية الأمهرية النصرانية والتي تعتبر الحكم في إثيوبيا ملكًا لها ومحرمًا على غيرها وخاصة المسلمين، تتهم الحكومة بفتح الباب رسميًا لتجزئة إثيوبيا، لذا فإن أي تنازل من الحكومة يفسر فورًا بأنه تساهل مع إريتريا وتفريط في حق إثيوبيا، هذا بالإضافة إلى أن الجبهة التغراوية الحاكمة في إثيوبيا ترى من الإريتريين تهديدًا مباشرًا لموطنها الأصلي، وهو إقليم تغراي الذي يشكل معظم الشريط الحدودي بين البلدين وعليه، فإن القضية بالنسبة لهم قضية مصيرية، لذا يسعون وبكل الجهود لإيقاف الإريتريين أو تدميرهم إن أمكن.

حرب خاطفة.. أم..؟

الجهود الدبلوماسية التي تبذلها الولايات المتحدة والمنظمات الدولية لاحتواء الموقف قد تبعث الأمل على توقف الحرب.

ولكن تطور الأحداث وتعقدها بهذه السرعة وخاصة إذا ما أخذنا في الحسبان الاستعدادات الجارية على قدم وساق وما يقال عن الدعم الإريتري للحركات القومية التي تقاتل من أجل الاستقلال عن إثيوبيا، والتي كانت في يوم من الأيام من ألد أعداء الإريتريين وما يروج من أن إثيوبيا تخطط للسيطرة على ميناء عصب، فإن المرء قد يقتنع بأن المنطقة دخلت نفقًا مظلمًا لا يعرف أحد طوله ولا عرضه.

 

 

 

الرابط المختصر :