; (القرن الأفريقي)إثيوبيا إريتريا ترجيح خيار الحرب.. لماذا؟ | مجلة المجتمع

العنوان (القرن الأفريقي)إثيوبيا إريتريا ترجيح خيار الحرب.. لماذا؟

الكاتب نور الدين بوشا

تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-2000

مشاهدات 85

نشر في العدد 1402

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 30-مايو-2000

تحالفات الأنظمة الثورية لم تعد تصلح في مرحلة الدولة.. ولذا وقع الخلاف البائن بين الطرفين.

حاولت إريتريا إشغال جارتها بحربين متزامنتين في الغرب والشرق.. فهل نجحت؟

تعتبر استراتيجية التمويه من أقدم استراتيجيات الحرب، ولها صور كثيرة، منها الحديث عن السلام والإعداد للحرب وهي صورة أتقن الغرب استخدامها في العصر الحديث وتعتبر من أهم استراتيجيات التعامل مع الأزمات الدولية والإقليمية، وخاصة تلك التي تمس بأمن الدولة. 

وبما أننا مجتمعات اتخذت الاستهلاكية شعارًا فلابد من استيراد كل شيء بما في ذلك جميع أنواع الأسلحة، سواء اقتضتها الضرورة الأمنية أو لم تقتض، أحسنا استخدامها أو لم نحسن ومع الأسلحة لابد من استيراد استراتيجيات الحرب سواء

استوعبنا مفهومها أو لم نستوعب أحسنا تطبيقها أو لم نحسن.

وفيما يتعلق بإثيوبيا وإريتريا فإن الأمر لا يختلف كثيرًا، فالبلدان كانا قبل الجولة الساخنة الأخيرة من الحرب بينهما يطلقان حمائم السلام، ويرفعان أغصان الزيتون عاليا، ويتنافسان في الفوز بكأس المحبين للسلام، هذا ما رأيناه في وسائل إعلام البلدين، أما في الواقع فقد كانت أصوات طبول الحرب تضم الآذان، وقرقعة جنازير المدرعات تقطع الأوتار الصوتية، والكتل البشرية تساق استعدادًا للحظة الإعدام الجماعي.

تفيد مصادر مقربة من وزارة الدفاع الإثيوبية بأن أمل حل الصراع الإثيوبي الإرتيري بالطرق السلمية أمل خادع، لذا فإن الاستعدادات كانت جارية من الطرفين على قدم وساق لجولة مصيرية انفجرت مؤخرًا، وتفيد المصادر نفسها بأن خبراء الطيران الفيتناميين كانوا ولايزالون منهمكين في إعادة تأهيل القوات الجوية الإرتيرية المنهكة، وهناك شائعات تفيد بوجود خبراء طيران أمريكيين بين صفوف القوات الجوية الإرتيرية بحجة البحث في سبل تنفيذ خطة السلام التي تقدمت بها منظمة الوحدة الأفريقية في مؤتمرها الأخير في الجزائر فيما إذا وافق عليها الطرفان. 

من جهة أخرى قالت مصادر ديبلوماسية إريترية إن الروس باعوا مقاتلات وطائرات هيلوكوبتر إلى إثيوبيا بالإضافة إلى وجود الخبراء الروس بين صفوف الجيش الإثيوبي. وتقول المصادر نفسها إن إثيوبيا اقتنت سربا من أحدث طائرات سوخوي وميج ٢٩.

لماذا خيار الحرب..

من المتفق عليه أن الحرب، وخاصة في العصر الحديث، مدمرة لكلا الطرفين المتحاربين وفيما يخص الصراع الإثيوبي الإريتري فإن المراقبين متفقون على أن الحرب الطويلة ستدمر اقتصاد البلدين وتبدد ثروتيهما الطبيعية والبشرية، وقد ظهرت بوادر ذلك في البلدين حيث أصيب اقتصادهما بالركود مما أدى إلى الهبوط في معدل النمو. 

وهنا يطرح سؤال.. ربما طرأ على ذهن الكثير من المراقبين للوضع وهو لماذا إذن اختار الطرفان مواصلة الحرب الخاسرة؟!

الموقف الإريتري

إريتريا من جانبها تعتقد أن الحرب وإن كانت ضد الطرفين المتحاربين إلا أنها ضد إثيوبيا أكثر مما هي ضدها، وذلك نظرا للتركيبة الاجتماعية والسياسية الإثيوبية الهشة، ووجود جبهات قومية، أورومية وصومالية تقاتل الحكومة الإثيوبية من الشرق من أجل الاستقلال أو السيطرة على الحكم.

وصلت إريتريا إلى قناعة تامة بأن شهر العسل مع التحالف الحاكم في إثيوبيا قد انتهى وبلا عودة، وبأنها فقدت جميع الامتيازات التي كانت تتمتع بها هي ومواطنوها في إثيوبيا، وبأن الوعود التي قطعتها الجبهة الشعبية لتحرير تجراي - التي لها اليد العليا في التحالف الحاكم في إثيوبيا - على نفسها مقابل نيل مساعدة الإريتريين لتثبيت سلطتها في بدايات حكمهم هذه الوعود ذهبت أدراج الرياح مع تمكن التجراويين من تثبيت حكمهم، والبدء في التصرف مع الإريتريين بمنطق الحزب الحاكم لا بمنطق الثوار المناضلين. وعليه فإن إريتريا دخلت

الحرب وفي مخيلتها هدف واحد، وهو إزالة النظام الحاكم في إثيوبيا والذي ترى أنه لا يمكن التعايش معه بأي صورة بعدما وصلت العلاقة بين الطرفين إلى طريق مسدود، وأن تستبدل به الجبهات القومية الأورومية والصومالية التي تقاتل من أجل الاستقلال أو السيطرة على الحكم، وعليه فإن رهان الإريتريين هو دعم هذه الجبهات ماديًا ومعنويًا لضمان فتح جبهة ثانية وقوية على إثيوبيا من الشرق بينما الصراع الحدودي على أشده في الغرب. 

وهذا - حسب السيناريو الإريتري - سيؤدي إلى إنهاك القوات الإثيوبية وفقدانها السيطرة على الموقف في نهاية المطاف، وخاصة إذا تزامنت الحرب الحدودية في الغرب مع الحرب على الجبهات الشرقية وهكذا يبدو أن الإريتريين دخلوا هذه الحرب ولهم هدف محدد ومعلوم، وهم على علم بأنها لن تكون حربا سهلة أو قصيرة، ولكنهم على استعداد لمواصلتها حتى النهاية، على الرغم مما يظهر في الجولة الأخيرة من عدم رجحان كفتهم، لذا لم يكن قبولهم لخطة السلام أكثر من مناورة سياسية للظهور بمظهر المحب للسلام، والتوريط إثيوبيا التي تعلم إريتريا أنها لا تستطيع القبول بالخطة في صورتها الحالية نظرا لما فيها من انتهاك للسيادة الوطنية، واعتراف ضمني بأن منطقة الصراع متنازع عليها، بينما كانت تحت السيادة الإثيوبية.

الموقف الإثيوبي

أما على الجانب الإثيوبي فلا يبدو الأمر بذلك الوضوح، فقد ظلت الجبهة الشعبية لتحرير تجراي والتي تعتبر الحاكم الفعلي في إثيوبيا تعتمد اعتمادا كليا منذ تأسيسها في منتصف الثمانينيات، وسيطرتها على الحكم وحتى منتصف التسعينيات على الدعم العسكري من الجبهة الشعبية الحاكمة في إريتريا لتثبيت حكمها في إثيوبيا، ومحاولتها القضاء على الجبهات القومية المعارضة، وخاصة الأوروميين والصوماليين، وقد كان ذلك مقابل تيسير وإسراع عملية استقلال إريتريا، ومنحها امتيازات اقتصادية في إثيوبيا. وبطبيعة الحال لم ترض الأوساط الشعبية والسياسية في إثيوبيا بهذه الوضعية الغريبة للعلاقات مع إريتريا، ومع الأيام تمكنت الجبهة الشعبية لتحرير تجراي والتحالف الحاكم معها في إثيوبيا من تعضيد موقفها في الداخل بتفتيت المعارضة السياسية منها والمسلحة، فبدؤوا يفكرون بعقلية الحزب الحاكم الذي يحرص على مصالحه ومصالح بلده، بدلًا من العقلية الثورية التي تحرص على الوصول إلى سدة الحكم باصطناع الولاءات والتحالفات الوقتية هذا التغير في التفكير رافقته مراجعة لطبيعة العلاقات مع إريتريا، وخاصة مع ازدیاد الضغوط الشعبية والرسمية لإعادة النظر في الموضوع. ولكن، وفي كل الأحوال لم يرغب أبدا التجراويون في توتير العلاقات مع إريتريا فضلًا عن إيصالها إلى ما هي عليه الآن من المواجهة المسلحة، وذلك لأن أية مواجهة مع إريتريا تعني فقد الجبهة الشعبية لتحرير تجراي لحليفها الاستراتيجي، وانشغال الحكومة الإثيوبية عن برامجها السياسية والاقتصادية إضافة إلى خلخلة الوضع الأمني والسياسي الهش غير أن الإريتريين فطنوا لذلك ورأوا أن من مصلحتهم تصعيد الأمور، وخلق مشكلة حدودية لابتزاز التجراويين حتى يستجيبوا لمطالبهم وهم صاغرون، فكان ما كان من إشعال الحرب الحدودية. 

في الحقيقة فوجئ الإثيوبيون بالحرب التي لم يستعدوا لها، وذلك لأن إثيوبيا وبعد وصول النجراويين إلى الحكم، واستقلال إريتريا وتهميش القوميات الأخرى المطالبة بالاستقلال ركزت جهودها على شيئين اثنين - هما أولًا: البناء الاقتصادي وذلك بتحرير الاقتصاد وفتح باب الاستثمار على مصراعيه للشركات الوطنية والأجنبية. وهذا أدى إلى نمو اقتصادي سريع بمعدل 8% خلال السنوات السبع الماضية وبلغ 12%في بعض الأحيان، ثانيًا: البناء السياسي وذلك بإعادة هيكلة المؤسسات السياسية للدولة على أسس ديمقراطية نظريًا، فكان دستور عام 94 الذي جعل الدولة فدرالية مكونة من تسع ولايات كل ولاية لها دستورها وقوانينها ولها حق تقرير المصير، وأصبح هناك قدر لا بأس به من الحقوق والحريات، وبطبيعة الحال مع ضمان عدم استقلال القوميات أو وصولها إلى سدة الحكم.

وأمام مفاجأة الحرب بدأ الإثيوبيون بدراسة الخيارات المفتوحة أمامهم لاحتواء الأزمة، وأمسكوا كثيرا على الوساطات الدولية للتوصل إلى حل سلمي، وخاصة مع ارتفاع صوت إريتريا المنادي بالسلام بعد ما حققت انتصارات مهمة على أرض المعركة في بداية الصراع. ولكن يبدو أنهم وصلوا إلى قناعة بأن الدعاوى الإريترية للسلام مع دعمها للجبهات القومية التي تعارض الحكومة الإثيوبية، وادعائها بأن المناطق التي سيطرت عليها جزء لا يتجزأ من إريتريا، هذه الدعاوى ما هي إلا سراب وذر للرماد في أعين المجتمع الدولي ومن ثم دفعه إلى الضغط على إثيوبيا للقبول بخطة السلام التي تعتبر تكريسا للأمر الواقع «اعتبار المناطق الحدودية مناطق نزاع مع بقاء سيطرة إريتريا عليها» وهذا يعني انتهاكًا للسيادة الإثيوبية مما سيضطرها «وهذا ما حصل تمامًا» إلى عدم القبول بالخطة مما يعنى ظهورها بمظهر المعتدي، وأدركت إثيوبيا أيضا بأن الوساطات الدولية إما أنها جادة ولكنها غير قادرة على ضمان المطلب الإثيوبي القاضي بانسحاب القوات الإريترية من الأراضي التي سيطرت عليها وعودة الإدارة الإثيوبية المدنية «عودة الأمور على ما كانت عليه قبل الصراع»، أو أن هذه الوساطات - وهذه هي القناعة الإثيوبية - غير محايدة، وهكذا أدركت الجبهة الحاكمة في إثيوبيا الهدف الاستراتيجي لإريتريا والمتمثل في إزالة النظام الحالي في إثيوبيا ومساعدة المعارضين له على الوصول إلى الحكم فبدؤوا بلملمة صفوفهم استعدادا للمنازلة، بدلًا من الانخداع بالآمال الزائفة، أو الظهور بموقف الضعيف الذي لا يستطيع حماية سيادة البلد. وهذا ما دفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن إثيوبيا ستأخذ بزمام المبادرة وتبدأ المعركة حتى تتمكن من إحراز انتصارات - ولو كانت متواضعة - لتكون حصان طروادة لانتصار الحزب الحاكم في معركة الانتخابات وتبريرا لاستمراره في حكم البلد.

قالت هيئة الإذاعة البريطانية في أحد برامجها التلفزيونية تعليقًا على هذه الحرب عند ما كانت في أوجها: «أكثر الحروب التقليدية شراسة في الوقت الحاضر».

ويبدو أن القوم أعدوا العدة لحرب ضروس ستأتي على الأخضر واليابس اللهم إلا إذا عاد الطرفان إلى رشدهم ووجدا من يأخذ على أيديهم من المجتمع الدولي. وخاصة دول الجوار.

إن هذه الحرب ما هي إلا حرب بين نظامين تعاونا في الوصول إلي الحكم، وتفرقا عند تقاسم الشركة والضحية الأولى والأخيرة هي الشعوب البائسة الفقيرة المغلوبة على أمرها والتي تدفع ثمن هذه الحرب من أغلى ما تملكه دماء أبنائها..

الرابط المختصر :