العنوان إثيوبيا تبتلع الصومال.. لحساب أمريكا.. وتفهم مصري!
الكاتب بدر حسن شافعي
تاريخ النشر السبت 13-يناير-2007
مشاهدات 79
نشر في العدد 1734
نشر في الصفحة 22
السبت 13-يناير-2007
- تحالف صهيو - مسيحي يضم كلا من الولايات المتحدة وإثيوبيا وكينيا و«إسرائيل» خاض الحرب ضد المحاكم.
- ترتيبات التسوية تتم في إطار أمريكي- أوروبي بهدف إضعاف جهود الجامعة العربية التي توقفت!
لماذا سقطت المحاكم الإسلامية في الصومال بهذه الصورة الدراماتيكية والسريعة في آن واحد؟ وماذا عساها أن تفعل في الفترة الراهنة بعدما اختفت قواتها داخل الصومال وليس خارجها بسبب الحصار الإقليمي والدولي الذي يسعى للقبض على هؤلاء ووضعهم في غيابات الجب؟ وهل تنسحب القوات الإثيوبية من البلاد أم أنها ستبقى فترة طويلة على اعتبار أن انسحابها سيؤدي إلى حالة من الفراغ الأمني كتلك التي تتعلل بها واشنطن لتبرير وجودها في العراق لأطول فترة ممكنة؟ وهل ما جرى يعد سقوطاً أم انسحابا تكتيكيا تعقبه حرب عصابات من قبل المحاكم؟
لنترك الأيام القادمة تجيب عن السؤال الأخير ولنتناول ما جرى على الأرض وما هو ماثل على الساحة الآن.
فسقوط المحاكم يرجع لعدة أسباب بعضها داخلي وبعضها خارجي، كما أن الأسباب الخارجية تنقسم بدورها لأسباب إقليمية وأخرى دولية..
الأسباب الداخلية للسقوط
أرجع المحللون والمراقبون السياسيونذلك لعدة عوامل:
- وجود حالة من الانقسام الداخلي بشأن التعامل مع إثيوبيا، وقد حسم الأمر التيار السلفي الجهادي الذي يعد التيار الأقوى نفوذاً داخل المحاكم، وهو ما أدى إلى إغلاق الطرق الدبلوماسية في التعامل مع الأزمة، والدخول في المواجهة العسكرية التي لم تكن بأي حال من الأحوال في صالح المحاكم.
- تباين الاتجاهات الفكرية والسياسية بين التيارات التي تتكون منها المحاكم الإسلامية، فالمحاكم تضم ١٢ تياراً فكرياً يتراوح ما بين أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فضلاً عن التيار الإسلامي بتوجهاته المختلفة وقد يكون هذا التنوع ظاهرة صحية ودليلاً على شرعية المحاكم التي تضم كافة ألوان الطيف السياسي لكنه قد يكون مشكلة في حد ذاته وذلك عندما يتحول الخلاف في المواقف من القضايا المهمة مثل الخلاف حول التعامل مع إثيوبيا، وحدود دولة الصومال، وهل تتمثل في الحدود الراهنة أم أنها تمتد لتشمل إقليمي «أوجادين» المحتل من قبل إثيوبيا، وكذلك إقليم «النقد» المحتل من قبل كينيا. ولعل عدم توضيح هذه الأمور كان أحد العوامل التي ساهمت في التأمر الإثيوبي- الكيني ضدها.
- عدم التكافؤ العسكري بين الطرفين، حيث إن قوات المحاكم كانت مكشوفة أمام السلاح الجوي والدبابات الإثيوبية، ويبدو أن قيادات المحاكم لم تضع في حسبانها هذا السلاح الخطير ولم تتهيأ له مسبقاً.
الأسباب الإقليمية
لعبت القوى الإقليمية دوراً مهماً في حسم الأمر- على الأقل في الوقت الراهن لصالح الحكومة الانتقالية، ولولا الجهود الإثيوبية تحديداً ما كان لهذه القوات أن تحافظ حتى على وجودها في مقرها الانتقالي في «بیدأوا». ولكانت الأمور انقلبت رأساً على عقب لصالح المحاكم التي كانت قاب قوسين أو أدنى من «بیدأوا»... هذا التدخل الإقليمي تم بتنسيق تام بين إثيوبيا والولايات المتحدة من ناحية، وبين إثيوبيا وكينيا من ناحية ثانية، وبالطبع فإن الكيان الصهيوني لم يكنبعيداً عن مجريات الأحداث.
فإثيوبيا كانت حريصة دائماً على إبقاء الصومال ضعيفُا حتى لا يطالب بإقليم أوجادين المسلم من ناحية، وثانياً لرغبتها في الاستمرار في ممارسة دور الدولة المهيمنة في المنطقة هذا الدور الذي يتطلب أن تكون كل قوى الجوار ضعيفة، كما أنها ترغب ثالثاً في إيجاد منفذ بحري لها على البحر الأحمر على اعتبار أنها دولة حبيسة.
لكن كانت المشكلة بالنسبة لإثيوبيا تتمثلفي الحصول على الدعم الدولي والأمريكي تحديداً لتبرير هذا التدخل، لذا فمنذ أحداث سبتمبر ۲۰۰۱م أظهرت استعدادها للتدخل بالوكالة عن واشنطن لشن حرب ضد من سمتهم بـ«الإرهابيين»، وعندما أرجأت واشنطن الفكرة بسبب توجهها صوب العراق، لم تيأس أديس أبابا، وعملت على تحين الفرصة للتدخل ولما شارفت المحاكم على إحكام السيطرة على كل الصومال حصلت إثيوبيا على الضوء الأخضر بالتدخل، فضلاً عن الدعم اللوجيستي والعسكري في هذا الشأن، بل أكثر من ذلك فقد عارضت واشنطن كما تابعنا صدور قرار من مجلس الأمن يطالب بانسحاب القوات الإثيوبية بالرغم من أنها من وجهة نظر القانون الدولي تعتبر قوات غازية تماماً مثل القوات الأمريكية في العراق، والسبب في ذلك أن البرلمان الصومالي وافق على وصول قوات حفظ سلام إفريقية للبلاد من غير دول الجوار أي إثيوبيا تحديداً، وهو نفس ما ذهب إليه قرار مجلس الأمن رقم (1725)، ومعنى ذلك أنه لا يجوز لإثيوبيا التدخل، وحتى بفرض تدخلها كقوات حفظ سلام، فإن التفويض الممنوح لهذه القوات يتمثل في الإشراف على وقف إطلاق النار وكذلك المفاوضات السياسية بين طرفي النزاع وليس حسم الصراع لطرف على حساب الطرف الآخر، لذا فإن هذا التدخل لا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال بأنه تدخل في إطار قرار مجلس الأمن أو حتى الاتحاد الإفريقي.
ولكي يكتمل مسلسل الحصار الإقليمي للمحاكم قررت كينيا إغلاق حدودها مع الصومال وذلك لمنع تسلل أو هرب قوات المحاكم من أرض المعركة والمشكلة أن المتضرر الأكبر من هذا الإجراء هو المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ الذين فروا مننيران المعارك، وهو ما حدا بمفوضية شؤون اللاجئين إلى انتقاد مثل هذا التصرف.
الأسباب الدولية
أما الأسباب الدولية فتكمن تحديداً في الدعم الأمريكي الواضح لإثيوبيا التي قامت بهذه الحرب نيابة عن واشنطن صاحبة التجربة المريرة في الصومال إبان عقد التسعينيات.
لذا فقد غضت واشنطن الطرف عن التدخل العسكري الإثيوبي، ولم تسع لاستصدار قرار من مجلس الأمن يطالب أديس أبابا بالانسحاب أو التعرض لعقوبات دولية وفق أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والتي تبدأ بالعقوبات الاقتصادية وتنتهي بالتدخل العسكري إذا لزم الأمر، بل إن واشنطن أعلنت أن قواتها المرابطة في جيبوتي المجاورة تقوم بعمليات مرور دورية قبالة السواحل الصومالية لمنعتسلل قوات المحاكم إلى الخارج، وكعادتها في العراق، أعلنت واشنطن أن هناك قيادات من المحاكم مطلوبون نظراً لصلتهم بتنظيم القاعدة وفي مقدمة هؤلاء الشيخ ضاهر عويس رئيس مجلس شورى المحاكم.
الحل لن يكون عربياً ولا إسلامياً
لقد كان أحد أسباب التدخل الإثيوبي وأد الجهود العربية في احتواء المشكلة، تلك الجهود التي نجحت خلال جولتين من المفاوضات في التوصل لاعتراف متبادل بين الجانبين ووقف العدائيات، فضلاً عن الاتفاق بشأن بعض الترتيبات الأمنية، وكان يفترض أن تناقش الجولة الثالثة ترتيبات تقاسم السلطة والثروة، وهو ما لم يتم إلى الآن. وبمجرد دخول إثيوبيا انهارت فعلياًالجهود العربية والإسلامية، وهو ما أكده بعض قادة الحكومة عقب سقوط مقديشو، حيث أكدوا أنه ليست هناك حاجة لمفاوضات الخرطوم على اعتبار أن الأمر استتب لهم. وقد أعلن الرئيس المصري حسني مبارك خلال استقباله لمسؤول إثيوبي مؤخراً تفهم مصر للتدخل الإثيوبي في الصومال!
والآن صار الحديث عن مبادرة أمريكية لوضع الترتيبات السياسية في البلاد على غرار ما تم في العراق، هذه المبادرة ستعمل على تسليم البلاد ثانية للفريق التابع لواشنطن وأديس أبابا مع إحداث تغيير طفيف في بعض الشخصيات التي ستكون في الحكومة الجديدة.
كما أن مجموعة الاتصال الدولية بشأن الصومال والتي تضم كلاً من السويد والترويج وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا (الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوربية باتت تتحدث هي الأخرى عن شكل أو آخر من أشكال التسوية، وبالطبع سوف يتم استبعاد قادة المحاكم من أي مواقع سياسية مهمة.
والسؤال هو: ماذا سيكون موقف المحاكم؟
يمكن القول إن هناك عدة عوامل قدتساهم في زيادة أو إضعاف دور المحاكم خلال الفترة القادمة، لعل أبرزها ما يلي:
- انسحاب القوات الإثيوبية من البلاد، وانتشار قوات محايدة بهدف استعادة الأمن والاستقرار في البلاد.
- تمثيل الحكومة لكل ألوان الطيف السياسي وعدم اقتصارها على التابعين لواشنطن وأديس أبابا.
- قيام الحكومة بمحاربة الفساد وتحسين الأوضاع المعيشية للشعب الصومالي.
لا شك أن توافر هذه الشروط قد لا تجعل هناك حاجة لبروز المحاكم من جديد أو عودة العنف مرة أخرى في البلاد، أما إذا أعطت الحكومة ظهرها مرة أخرى للشعب وارتمت في أحضان واشنطن وأديس أبابا، فإن ذلك سوف يجر البلاد إلى حرب عصابات طويلة الأمد.