العنوان «تيبس».. مشروع لتجنيد ١١ مليون مخبر أمريكي
الكاتب أسامة أبو رشيد
تاريخ النشر السبت 27-يوليو-2002
مشاهدات 65
نشر في العدد 1511
نشر في الصفحة 28
السبت 27-يوليو-2002
الحاجة ماسة إلى مواجهة الزحف على الحريات المدنية والدستورية للجالية العربية والإسلامية الأمريكية
الأجهزة الأمنية يساندها أعضاء في الكونجرس يطلقون حملة لتشريع «الاستهداف» على أسس عرقية ودينية
هل يُعقل أن يقوم عمال الغاز أو الكهرباء أو التدفئة غير المدربين بالعمل التجسسي؟
مرة أخرى تعود قضية الحريات المدنية والدستورية للجالية الأمريكية العربية والمسلمة إلى الواجهة، وهي التي لم تغب أصلًا عنها منذ سنوات تسبق الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر الماضي.
وكي نكون واقعيين فإن الخطة الجديدة التي أعلنتها وزارة العدل الأمريكية على موقعها على الإنترنت تحت اسم «تيبس»- وهي اختصار لعبارة «نظام تقديم المعلومات ومنع الإرهاب» والهادفة إلى تحويل تدريجي لنحو ۱۱ مليون أمريكي إلى مخبرين وجواسيس داخليين، يبلغون فورًا عن أي شيء يريبهم بواسطة رقم هاتف مجاني – ستكون الجالية العربية والمسلمة الأمريكية أولى ضحاياها، فهذه الخطة تقضي بتجنيد سائقي الشاحنات، وعمال الكهرباء والغاز والبريد، وغيرهم كمخبرين للحكومة؛ حيث إنهم الأكثر تماسًا مع الناس، وحيث إن أغلبهم لديه ميزة الدخول إلى المنازل تلقائيًّا لإصلاح أي عمل طبيعي وروتيني من الممكن أن يحدث، فإنهم حسب وزارة العدل سيكونون الأكثر قدرة على التبليغ من أي شيء يعتبرونه مريبًا.
المشكلة في القانون الجديد، ليس أنه يحوِّل «دولة حماية الديمقراطية» عالميًّا، فضلًا عن حمايتها داخليًّا، إلى دولة من المخبرين كما كانت ألمانيا الشرقية أو الدول السوفييتية الاشتراكية البائدة، أو بعض دولنا، بل إن آثارها تذهب إلى أبعد من ذلك؛ إذ إن العرب والمسلمين الأمريكيين محل استهداف واضح بعد أحداث سبتمبر، بحيث يصبح من المشروع الاعتقاد أن المستهدف الرئيس من مثل هذه التغييرات «البوليسية»، ستكون هي هذه الجالية.
وإذا كان عمال الغاز أو الكهرباء أو التدفئة أو البريد، الذين هم أصلًا غير مدربين على العمل التجسسي، فضلًا عن أنهم قد يكونون ضحايا الصورة النمطية السلبية التي يبثُّها الإعلام الأمريكي عن الإسلام والمسلمين في هذه المرحلة سيدخلون منزل أي إنسان، فإنه من غير المستبعد في ظل جهل معظمهم بالإسلام، أن يعتبر صورة للكعبة أو القدس معلقة على الحائط، أو نسخة من القرآن الكريم، أو امرأة محجبة، أو رجلًا يرتدي الثوب الثوب العربي أو الهندي، أو شخصًا يصلي، أمرًا مريبًا ومثيرًا للشكوك.
صحيح أن هذا العامل لن يكون هو الحكم في تحديد ما هو مثير للشك أم لا ولكن مجرد أن يعيش الإنسان الخوف من كل زائر – لا مجال للاستغناء عنه –أمر مثير للتحسس، فضلًا عن أن أي زيارة من قِبل الأجهزة الأمنية بناءً على أي شكوك غير ذات قيمة ستكون أمرًا مزعجًا، خصوصًا وأن أغلبنا جاء لهذه البلد طلبًا للأمن والأمان والحرية.
صحيح أن وزارة العدل الأمريكية أعلنت تراجعها عن مراقبة المنازل والأماكن الخاصة، مؤكدة أن هذه الخطة ستشمل فقط الأماكن العامة، وذلك بعد انتقادات حادة من جمعية الدفاع عن الحقوق المدنية الأمريكية، لكن المشكلة تبقى في تعريف وزارة العدل للأماكن العامة، فضلًا عن أن الخطة تنص على تعيين خط مجاني يمكن الاتصال عليه، وترك المعلومات التي يعتبرها صاحبها محل شك، ومن ثم فإن أي عامل يدخل منزل تبقى له القدرة على التبليغ على ما اعتبره مثيرًا للشكوك.
يجب أن نقولها بصراحة: نحن كجالية بحاجة إلى أن نفرز مؤسسة تعنى بالحقوق والحريات المدنية للمسلمين، التحديات المطروحة الآن على الجالية أكبر من أن تحملها مؤسسة واحدة أو مؤسسات عدة، نعم، نحن لدينا مؤسسات تعنى بالحقوق المدنية للمسلمين، وهي تقوم بدور مشكور ومقدر وتستحق الدعم عليه، لكنها لم تستطع إلى الآن مجاراة حجم التحديات المطروحة، والأخطار التي تتهددها حقوقنا المدنية والدستورية منذ سنوات، ونحن نعيش حملة إعلامية شرسة علينا وعلى ديننا، ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر ونحن نعيش نمطًا جديدًا من التشويه، لا نملك له دفعًا، وللأسف أقول: إننا لم نحاول أن نقدم له دفعًا جديًا.
قبل أكثر من شهر أطلق عدد من أعضاء الكونجرس الأمريكي والأجهزة الأمنية وبعض وسائل الإعلام الأمريكية حملة تطالب بتشريع الاستهداف (PROFILING) على أسس عرقية ودينية، ولا يزال هؤلاء يطالبون بأن يتم علنًا استهداف كل من يحمل ملامح شرق أوسطية بالتفتيش والتدقيق في المطارات والأماكن العامة، بل وحتى في المخالفات المرورية البسيطة.
منذ سنوات ونحن نعاني من قانون الأدلة السرية، وبعد أن استبشرنا خيرًا بقرب إلغائه إذا به يطل علينا من جديد، ولكن هذه المرة بشكل أكثر قساوة؛ حيث لا حاجة للأدلة اليوم إذا كان المستهدف عربيًّا أو مسلمًا، أيضًا نشهد عمليات تشويه لنا ولديننا وقيمنا ومعاييرنا، كما أننا لا نزال نعاني من سجن المئات من أبناء الجالية، ولا تستطيع حتى أن نتحصل على حُكم واحد لنعرف من هم هؤلاء المحتجزون، وعلى أي خلفية تم احتجازهم؟ وحتى الآن لا أحد يعرف لماذا تصر الحكومة على الإبقاء على الدكتور مازن النجار في سجونها، والرجل قد تعاون مع الحكومة إلى أقصى حد، وهو يبحث عن بلد يستضيفه مبعدًا إليه، ولكنه لم يجده بعد، والحكومة تصر على إبقائه في السجن حتى يجد البلد الذي يستضيفه، ضاربة عرض الحائط بكل القوانين والتشريعات المعمول بها في مثل هذه الحالات، كذلك لا أحد يعرف سبب الحملة على شخص كالدكتور سامي العريان أو عبد الرحمن العامودي، وما يظهر إلى الآن أن دوافع الحملة عليهما تعود إلى إيمانهما بأن من حقهما التعبير القانوني الذي يضمنه لهما الدستور، كل ذلك يحدث وغيره الكثير، بل إن الخوف الحقيقي الآن هو من القادم الأسوأ – لا سمح الله – الذي تتولد إرهاصاته كل يوم.
باختصار نحن بحاجة إلى مؤسسة تعنى بالحريات المدنية والدستورية للجالية الأمريكية العربية والمسلمة، مؤسسة تفرز لها كل الإمكانات التي تحتاجها، سواء المادية أو البشرية، ويعمل بها محامون متخصصون ومتخصصو علاقات عامة، مؤسسة تعمل إلى جانب شقيقاتها من مؤسساتنا الأخرى القائمة التي تعمل بجهد وفاعلية كبيرة في مثل هذا الحقل، ولكنها محاصرة بكثرة الأعباء وتشعباتها، مؤسسة لا تنشغل إلا بهذه الحقوق والحريات، وتنسق مع المؤسسات الأخرى والمؤسسات الأمريكية العاملة لذات الهدف.