العنوان «تشيت» عاصمة التجارة الصحراوية
الكاتب يحيي بن محمد بن أحريمو
تاريخ النشر السبت 21-مارس-2009
مشاهدات 66
نشر في العدد 1844
نشر في الصفحة 48
السبت 21-مارس-2009
المجتمع الثقافي
مدن القوافل
دراسة في التاريخ الحضاري والنظم العمرانية للمدن التاريخية الموريتانية (٥)
(●) باحث بالمركز الشنقيطي للبحوث.
تقع مدينة «تشيت» بولاية «تكانت» في أواسط موريتانيا على مسافة حوالي ٧٠٠ كم شرقي نواكشوط في سفح جبل «الظهر» المتصل بهضبة «تكانت» الذي يمتد إلى «ولاتة والنعمة»، ويعرف هذا الجبل لدى الجغرافيين العرب باسم جبل «الكاف» (1).
تأسست المدينة حسب الرواية (۲) المشهورة سنة ٥٣٦هـ على يد «الشريف عبد المؤمن بن صالح بن عبد العلي الحسني الإدريسي» الذي نشأ بالمغرب وتتلمذ على القاضي «عياض بن موسى اليحصبي» الفقيه المالكي والعالم المشهور، ثم خرج إلى الصحراء ونزل موضع «تشيت» وفيه يومئذ سكان مستقرون في أكواخ وعشش
بدائية من قبيلة «مسوفة الصنهاجية».
لقد كانت الحياة في قرية «تشيت» شأنها في ذلك شأن جميع المدن والحواضر الصحراوية مرتبطة بتجارة القوافل والتبادل مع المناطق السودانية والحواضر المغربية.
وقد ورد أول ذِكر «لتشيت» في القرن الثامن الهجري في سياق الحديث عن هجرة بعض سكانها من قبيلة «ماسنة» إلى «تنبكت» ضمن وقود التجار الذين وفدوا إليها في تلك الحقبة (3).
كما تحدث عنها بعد ذلك الرحالة المغربي «الحسن الوزان» في القرن العاشر فذكر أن أهلها لا يكاد يقيم منهم بالمدينة إلا نحو النصف إذ ينفرون في القوافل
إبتغاًء للرزق وتحصيل العيش (4).
ومن المعروف أن مدينة «تنبكت» كانت في القرون الهجرية الوسطى هي عاصمة التجارة الصحراوية حتى سقطت في يد الجيش المغربي سنة ٩٩٨هـ فتراجع دورها، ومن يومئذ بدأت تشيت تأخذ منزلتها وأضحت أهم مركز تجاري في القسم الغربي من الصحراء الذي يشمل الأراضي الموريتانية الحالية.
القافلة الصحراوية: جرت العادة أن تتجه القوافل إلى الشمال للتزود بالملح من «سبخة الجل» الواقعة بولاية «تيرس» أقصى شمال موريتانيا، ثم تتجه إلى المناطق الأفريقية آخر فصل الشتاء حين يحصد الزرع، وتجف الأودية والمستنقعات المائية التي تتكاثر بها أنواع البعوض وذباب التونسي المسبب لمرض «تابريت» القاتل للإبل.
لقد كانت قافلة «تشيت» تجوب نحو ٨٠٠ كم إلى «سبخة الجل» شمال البلاد لحمل الملح، ولا يوجد منهل في هذه المسافة إلا في موضعين متباعدين هما «قرية ودان» و«بئر الغلاوية»، ثم تسير من «تشيت» إلى مالي، مخترقة منطقة أوكار الصحراوية القاحلة التي تندر فيها نقاط المياه ثم تمر متجهة جنوبًا، ولا يمكن الإقامة دون «تشيت» بسبب الخوف من الهلاك عطشًا (٥).
تقع في وسط موريتانيا تأسست عام ٥٣٦ هـ على يد «الشريف الإدريسي» وأرتبطت فيها الحياة بتبادل التجارة مع المناطق السودانية والحواضر المغربية.
تأمين القوافل
كان مسيّرو القوافل وأعيان القبائل الزاوية يرتبطون بمعاهدات وإتفاقيات مع رؤساء القبائل المحاربة، يقوم بموجبها هؤلاء بحماية القوافل وخفارتها في المناطق التابعة لهم مقابل مبلغ مالي زهيد يدفعه لهم أرباب القوافل.
وقد ساعدت قيم المروءة وإحترام العهد والميثاق التي كانت دينًا وشيمة للعرب والبدو الموريتانيين على إحترام هذه المعاهدات وتفعيلها.
مواد التبادل في التجارة الصحراوية
ان تجار الشمال يجلبون إلى المنطقة ما تحتاجه من المصنوعات المعدنية والنسيجية: كالسيوف، والأواني، والمصابيح، والثياب، والبرانس، وبعض المزروعات كالتبغ والسكر، ويعودون إلى أوطانهم بصادرات الصحراء، وأهمها الرقيق والذهب والإبل والجلود وقديد الوحش.
أما أهم المواد التي كانت تجلب من الصحراء إلى الساحل الأفريقي فهو الملح المعدني الذي يستخرج من معدنين أساسيين هما معدن سبخة الجل «سبخة الحديد الواقع بشمال موريتانيا»، وسبخة «تغازة أو تأودني» الواقعة في الجزء الشمالي من الصحراء «الشنجيطية» والتابعة اليوم لجمهورية «مالي».
إن سبب كثرة طلب الملح ورواجه في المناطق الأفريقية راجع إلى كثرة إستخدامه
من لدن سكان تلك المناطق.
وترتفع قيمة الملح كلما أتجهت القافلة جنوبًا، فقيمته في «تشيت» ضعف قيمته في «ودان» وقيمته في مالي، أضعاف ذلك كله.
أما الصادرات الأفريقية إلى الصحراء فهي الحبوب، والرقيق، والذهب، وبعض
المنسوجات مثل، الأنصاف «العمائم»، وأفراويل «ثوب يشبه الجبة».
مكانة تشيت في التجارة الصحراوية
لقد كانت «تشيت» منذ القرن الحادي عشر الهجري عاصمة التجارة الصحراوية في موريتانيا وأهم مراكزها.
وكانت قوافلها تتولى تموين مناطق شاسعة من البلاد بالحبوب، إذ يفد إليها كل سنة أهل «ولاتة» و«النعمة»، و«شنجيطي» و«ودّان» للحصول على أقواتهم وأقوات البدو المجاورين لهم من الحبوب (٦)، كما يقد إليها كل سنة تجار «تفلالت» «ووادي درعة» و«وادي نون» وتجار «تنبكت» و «أروان» إضافة إلى تجار «غدامس» و «فزّان» «ليبيا» و«توات» في بعض الأحيان، ويحمل هؤلاء التجار الواردون من الأقاليم المغاربية الثياب والتبغ والسكر والتمر والمدافع والبارود والأدوات المنزلية، والصناعات المغربية كالفرش والأواني.
إن من الأسباب التي بوأت مدينة «تشيت» مكانتها المذكورة أنها لم تتعرض لما تعرضت له المدن الأخرى من فتن وحروب في القرن الحادي عشر الهجري أضعفت نشاطها، وأدت إلى هجرة معظم سكانها.
أما «تشيت» فقد ظلت محافظة على جمهور كبير من سكانها وكانت أكبر المدن الصحراوية وأكثرها سكانًا، وحسب بعض المذكرات الفرنسية فإن عدد سكان «تشيت» في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي بلغ عدة ألوف، وكان عدد سكانها خلال هذه الفترة أكثر من سكان مدن «ولاتة، والنعمة، وشنجيطي، وودان» مجتمعة وهذا ما تصدقه نتائج الإحصاء الذي قام به بعض الباحثين المنازل المدينة وأثبت أنها كانت تزيد على ألف منزل.
بالإضافة إلى توافر أسواق «تشيت» على كميات كبيرة من السلع الصحراوية الأخرى كريش النعام والزهم وقديد الوحش، وهي مواد يكثر طلبها من لدن تجار الشمال ويستوردها منهم الأوروبيون الذين يستخدمون بعضها في صناعة النسيج.
دور جماعة الحل والعقد
إن جماعة الحل والعقد في عموم الصحراء الشنجيطية -التي كانت تعاني من إنعدام الحكم المركزي- قد شكلت سلطة تتولى تنظيم شؤون المجتمع، وتنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية، وتعنى بفض الخصومات والنزاعات، وهي التي تعيّن القضاة وتشرف على تنظيم الخطط الدينية كالإمامة وركاب الحج إلى غير ذلك من المصالح العامة، كالإشراف على تنظيم الأسواق وضبط المكاييل المستخدمة في البيع، وتقويم السلع عند الحاجة، وحفظ اللقطة وأموال اليتامى والمتوفين من التجار، فضلًا عن الخطط الدينية كالإمامة والقضاء وقراءة البخاري في شهري رجب وشعبان، وكتاب الشفاء للقاضي عياض في شهر رمضان العظيم..
وقد كانت جميع العقود والبيوع يتم توثيقها من القضاة والعلماء، مما رسخ أحكام البيوع والعقود بين جميع السكان، وأكسبهم خبرة وإهتمامًا بالتوثيق، وكان لذلك أثر حُسن في تقليل النزاعات وضبطها.
وقد قامت جماعة «الحل التشيتية» سنة ١٢٣١هـ برئاسة «محمد بن عشاي الماسني» بضبط المعيار المستخدم في كيل الزرع بعد مقداره صاعان وربع الصاع (۷) بالمعيار الشرعي، أي حوالي 6 كجم، وتم إعتماد هذا المكيال وإلزام جميع الباعة به، وكتب العلماء والأعيان من أهل المدينة محضرًا بذلك، وهذا نموذج لعمل الجماعة ودورها في المحافظة على النظام.
ولا تزال مدينة «تشيت» محافظة على نصيب من حضارتها العريقة وماضيها المشرق، رغم صروف الدهر وآثار الجفاف وهجرة السكان، فهي تحتفظ بنحو عشرين مكتبة، يبلغ محتواها نحو ۱۰۰۰۰ مخطوط، وعددًا كبيرًا من الوثائق، إضافة إلى عدد من المتاحف وبعض المباني القديمة.
الهوامش
(1) وتثنى: يقال: أستكفت الحية أي صارت كالحلقة، وهو جبل طويل يمتد وينحرف يمينًا وشمالًا -أنظر المعجم الوسيط- إعداد مجمع اللغة العربية القاهرة ص ۷۹۳.
(۲) إنارة المبهم في أخبار قبائل تشيت لمحمد بن أحمد الصغير التشيتي، مخطوط.
(3) تاريخ السودان للسعدي، ص ۲۲.
(4) وصف أفريقيا للحسن الوزان المعروف بجان ليون، ج ۲، ص ١١٥، ط دار الغرب الإسلامي، ترجمة: محمد حجي.
(٥) ورد هذا الكلام في مرافعة لدى القاضي محمد بن أنبوجا، مخطوط.
(6) قمنا بإعداد هذه اللائحة اعتمادًا على عدد كبير من الوثائق والعقود المخطوطة بمكتبات تشيت.
(7) نقلًا عن محضر الاجتماع المذكور، مخطوط بمكتبة الأوقاف بتشيت.