العنوان *تأملات إسلامية*
الكاتب محمد جابر سلطان
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1987
مشاهدات 76
نشر في العدد 831
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 25-أغسطس-1987
في قرننا العشرين الذي أصبح فيه العلم رمزًا لقوة الأمم والحضارات وأصبح سلطانه شيئًا يفرض وجوده وقوته وسطوته في عالم السيطرة والتحدي وأصبحت الأمم المتقدمة بعلومها ومعارفها أممًا لها كلمتها ومكانتها واحترامها. ومثل هذه الأمم التي تسخر عقول أفرادها نحو مرافئ الإبداع والاختراع وتوفر كل ما لديها من طاقات وموارد لخدمة هذه العقول واحترامها فإنها استطاعت بذلك كله أن تحتل مكانتها الإنسانية ودورها الإنساني في بناء الحضارة. في حين أن مثل هذا الأمر قد غفلت عنه دولنا الإسلامية وشعوبها وأصبحنا كما نرى في مؤخرة القافلة، دول تستورد الحضارة والعلوم... تستورد كل غث وسمين... ونافع وضار... وبدون حساب ولا حدود، بل إننا أصبحنا لا نستطيع الوقوف في وجه هذا التدفق الحضاري الذي ينهمر كالنهر الجارف بكل مظاهر طوفانه من تكنولوجيا حضارية... وعلوم حديثة... ومواصلات سريعة وبحسناتها وسيئاتها وضارها ونافعها... تصب في ديارنا الإسلامية صبًا بحيث أصبحت واقعًا لا مفر منه ولا مناص عنه. هذه الحضارة القادمة التي جرفت كل ما لديها إلى ديارنا الإسلامية وعبر تكنولوجيتها المتطورة وآلاتها المتقدمة جرفت أيضًا معها أخلاقيات ومبادئ أصحابها وأربابها الذين اخترعوها... وصدروها بالرغم مما نعرفه عن مثل هذه الأخلاقيات والمبادئ والمسلكيات والتي تتعارض مع مبادئ أخلاقنا وقيمنا الإسلامية فهل تفرض هذه التكنولوجية الحضارية علينا واقعها الذي لا مفر منه أم لا بد من التعامل معها وفق معايير ديننا الإسلامي وتعاليمه الصالحة لكل زمان ومكان. إن ديننا الإسلامي عبر دستوره الخالد القرآن الكريم عايش هذه القضايا الملحة وخصوصا الجوانب العلمية والمعرفية فيها مما لها ارتباط بالإنسان العمارة الحياة وصلاح الكون... ومعالم التكريم... والاستخلاف في الأرض. ولم يغفل القرآن الكريم عن هذه الجوانب العلمية في حياة الإنسان وقضيته ونشأته وتكوينه وتطورات حياته، ولم يغفل أيضًا عن قضايا الكون وعوالم السماوات والأرض والجبال والأنهار والبحار وأسرارها.
ولم يغفل أيضًا عن قضايا المخلوقات الأخرى من الأنعام والنباتات والذرات وغيرها كلها عالجها بقوانين ثابتة... ونظريات محكمة متقنة، بل إنها من صنع الله الذي أتقن كل شيء... وهو فوق كل ذي علم عليم. بل إنه أيضًا طالب الإنسان أن يستغل هذه الظواهر والنعم والآيات في الكون والحياة للتمكين في الأرض، وعمارتها. فمن أخذها بأسباب العلم والبحث والتحصيل والعمل الجاد الدؤوب فقد أخذها بالتمكين والقوة والاستعلاء والسيطرة، ومن انصرف عنها وغض الطرف عن الوصول لأسرارها وحقائقها ونظرياتها... ومعارفها... تكاسلًا... وتبعيةً... وعجزا... فقد رضي لنفسه التخلف... والتبعية... والتأخر... والانهزامية... والسقوط... وتلك هي سنة الله ولن تجد لسنة الله تحويلًا... ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
بل إن الإسلام دائمًا وأبدًا يدعو إلى التفكر والتأمل في الكون والحياة ويخاطب العقل الإنساني الذي هو في الأساس مصدر كرامة الإنسان وتفضيله على سائر المخلوقات بأن يستنهض ويتحرك ويتفاعل مع معالم الحياة وظواهر الكون لتسخير ذلك كله بالوصول إلى معالم المعرفة... وآفاق الحكمة... ووسائل العلم والإبداع والمخترعات والمكتشفات.
قال تعالى: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (سورة يونس: 101)
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ (الأعراف: 185)
أما نوعية الوجهة والاتجاه في تسخير هذه المعارف والعلوم والمخترعات فتحددها قضية السلوك والأخلاقيات والمبادئ الإنسانية إن خيرًا فخير... وإن شرًا فشر وإن عدلًا فعدل... وإن ظلمًا فظلم... وإن تواضعًا وأمنًا... وإن سيطرة واستعلاء ورعبًا... ولكننا كأمة إسلامية نتعايش ونتعامل مع هذا الإسلام العظيم بعقيدته الواضحة وآدابه الرائعة ومبادئه الجليلة العالية والتي تحدد لنا هذه المعالم كلها بوضوح وحقيقة كاملة في تعاملنا مع الحياة والكون والعلوم والمعارف وعلى مجريات هذا الواقع الذي نعيشه اليوم على أرض حضارة القرن العشرين بحضارته وتكنولوجيته وإبداعه... وعلومه واكتشافاته ومخترعاته... إلخ
إننا مطالبون كأمة إسلامية أكثر من أي وقت مضى بأن نلحق بالركب الحضاري وسباق الأمم... وأن نعد العدة في مواجهة أنفسنا وأصدقائنا وأعدائنا بكل معالم القوة التي دعانا إليها ديننا العظيم كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: 60) ومن هذه القوة المطلوبة اليوم المواجهة في هذا المجال مجالات العلوم والإبداع... ومجالات الكشف والاختراع... ومجالات تسخير كل ما في الأرض والسموات لسعادة الإنسان... على ضوء تعاليم عقيدتنا الإسلامية الواضحة السمحاء.
وإن الحضارة اليوم بكل علومها وتكنولوجيتها وإبداعها... ومخترعاتها قد فقدت هذا الدور كما نرى ونعلم لأنها تحققت على يد أناس همهم وغايتهم ومبلغهم من العلم الحياة الدنيا وزينتها وزخرفها والاستعلاء على الناس... بالقوة والسيطرة... والاستعمار أما إذا وجدت تلك الأمة التي تسخر هذه المخترعات والمكتشفات وتكنولوجية القرن العشرين نحو معالم الخير والحق والعدل والرحمة والمساواة فتلك إذن هي الأمة المؤهلة... للخلافة... والتمكين وتحقيق كل الغايات والأهداف السعادة الإنسانية فوق الأرض.
تلك الأمة الخيرة... الصالحة... لكل زمان ومكان من التي وصفها قول الحق -سبحانه وتعالى- ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (الحج: 41)