; «بینوتشه» المجرم في المصيدة! | مجلة المجتمع

العنوان «بینوتشه» المجرم في المصيدة!

الكاتب نوال السباعي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1998

مشاهدات 71

نشر في العدد 1325

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 10-نوفمبر-1998

● الأزمة تكشف بالوثائق تورط مخابرات لندن وواشنطن في مذابح دبرها الدكتاتور السابق.

● انكشاف الملفات القذرة للعلاقات الدولية تحت شعارات الحرية والقانون والديمقراطية

انشغل العالم كله خلال الأيام الأخيرة من شهر أكتوبر بأزمة سياسية، دبلوماسية قضائية شعبية، تمثلت في تقدم أحد القضاة الإسبان بمذكرة اعتقال ضد الجنرال بينوتشه الدكتاتور التشيليني- الذي كان يجري عملية جراحية في لندن وتطورت الحادثة لتصبح من المشكلات العالمية التي شغلت جميع وسائل الإعلام حتى فاقت في اهميتها العالمية الجهود المستميتة لبعث مشروع السلام الشرق أوسطي من مقبرته، وذلك بسبب ما قد يترتب عليها من أزمات دبلوماسية سياسية وما نتج عنها بالفعل من فتح الملفات السرية المجمل العلاقات الدولية خلال فترة الحرب الباردة وبخاصة ما كشف- وبالوثائق- عن تورط الاستخبارات السرية، ومكاتب أمن الدولة في كل من الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا- التي تسمي نفسها عظمى في الأحداث التي هزت بلدان أمريكا الجنوبية خلال ربع القرن الأخير والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الأبرياء.

إلا أن المعضلة الحقيقية التي تكشفت عن أزمة بينوتشه والتي ما تزال قيد البحث والنزاع في أكثر من عشر عواصم عالمية- كانت طرح إمكان صمود النظام العالمي الموحد الجديد، في وجه كل الخلافات والمشكلات والأحقاد والنيران الكامنة تحت سطح رماد العلاقات الدولية الحالية، وامتحان مصداقية تلك الشعارات الرنانة كالديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان، في مواجهة إرادة شعوب العالم التي تريد اليوم كسر طوق الظلم والتحرر من رموز الاستبداد، ممن ساموها سوء العذاب، والحرمان، والذبح والتشريد من صغار الفراعنة الذين ينتشرون في كل مكان في هذه الأرض التي زلزلت هذه الأزمة سكونها من تحت أقدامهم، وتركتهم في فزع، وحيرة، وشدة، في مراحل التاريخ بكل مواجهة مرحلة جديدة من لها، وما عليها فما الذي حدث بينما كان الجنرال أوجوستو بیتوتشه الدكتاتور التشيليني، يجري عملية جراحية في أحد مشافي لندن الخاصة، فوجي، بقيام أحد القضاة الإسبان بإصدار مذكرة قضائية باعتقاله، وتسليمه إلى إسبانيا بتهمة خطف وتعذيب وقتل ٩٤ إسبانيًّا في أثناء حكمه بتشيلي. وكان الجنرال أوجوستو بينوتشه، هذا قد قام بانقلاب عسكري في تشيلي يوم 11 من سبتمبر عام ۱۹۷۳م أمر فيه بقصف القصر الجمهوري، حيث كان يقيم الرئيس المنتخب سالفادور أجنده الذي لقي حتفه في ذلك القصف وقد كان يمثل الاتحاد الشعبي عن تجمع الأحزاب اليسارية في البلاد.

وكان الرئيس "أجنده" قد اتخذ إجراءات على رأسها تأميم مناجم النحاس لمصلحة الدولة التشيلينية إذ كانت تشيلي تحتل المركز الأول في العالم في تصدير هذا المعدن كما أصدر جملة قرارات في مجال الإصلاح الزراعي، وجعل جميع المصارف وطنية، إضافة إلى قيامه بتأميم كبرى الشركات الصناعية متعددة الجنسيات وكانت الخطوة الأولى التي اتخذها بينوتشه بعد شنه حملة رهيبة على أنصار اليسار في البلاد، إيقاف البرنامج الإصلاحي السابق، وإبطال عمل الدستور، كما منع جميع النشاطات الحزبية والنقابية في البلاد، ثم اتبع سياسة اقتصادية منصاعة حرفيًّا لأوامر صندوق النقد الدولي عن كتاب أحداث عام ۱۹۷۳م، وموسوعة أوليانو الصادرة (١٩٩٦م).

وقد وجهت إلى بينوتشه قائمة من الجنايات والجرائم بلغت ٧٩ جريمة ارتكبت في حق 4 آلاف مواطن تشيليني على الأقل- في عهده- بخلاف مئات الأجانب الذين كانوا قد توافدوا على تشيلي في ذلك الوقت لدعم رفاقهم في الفكر اليساري الذي انتشر في تلك الأرض بدعم من كوبا، حيث استقر فيديل كاسترو في الحكم فأنشأ يصدر ثورته إلى الدول المجاورة، وحيث استخدمت القارة الأمريكية الجنوبية مسرحًا للحرب الدموية الرهيبة التي كانت الوجه الآخر للحرب الباردة بين الشرق والغرب في أوروبا، التي اعتادت تصدير الأنظمة والأفكار، بينما يدفع الآخرون الثمن غاليًّا جدًّا.

ماذا فعل بينوتشه؟

توضح السيدة «بونافيني، رئيسة تنظيم أمهات ساحة مايو وهو تنظيم يجمع الأمهات اللائي اختطف أبناؤهن وعذبوا، وقتلوا، وأخفيت جثثهم أن الضباط كانوا يقومون بانتزاع أطفال المعتقلين قبل قتلهم، ثم تبنيهم وقد رصدت ٨٦٤ حالة مع تربيتهم على عكس ما كان يرجو آباؤهم.

تقول بونافيني : نريد أن يعرف العالم ما هي عملية كوندور Kondor>

نريد أن نعرف ما كان يحدث في بلادنا يتعاون كل من الأنظمة العسكرية التي كانت تحكم في الأرجنتين، وتشيلي، وباراجواي، وأوروجواي وبوليفيا، والبرازيل من تطهير المناوئين بدعم وتخطيط وعون كامل من الولايات المتحدة الأمريكية. عن طريق التورط الكامل لأجهزة مخابراتها العسكرية، والـ "F.B.I"، ومكتب الدولة، وكذلك الأجهزة البريطانية.

إن هؤلاء ملطخة أيديهم بدماء أولادنا، ولدينا جميع الوثائق اللازمة لإثبات ذلك "صحيفة الموندو الإسبانية 18/10/98م " وتقول الباييس الصادرة في ۹۸/۱۰/۱۹: إن عملية كوندور، وحدها كفيلة بمقاضاة الدكتاتور والحكم عليه، ذلك أنها كانت خطة طموح الإبادة المعارضة في القرن الأمريكي- اللاتيني، بأكمله وللأسف كما تقول الصحيفة، فإن المدعي العام الإسباني كان يضع جميع أنواع العراقيل أمام القضاة الإسبان المستقلين لدى بحثهم وتحقيقهم في أبعاد هذه العملية التي لا تخرج عن كونها جريمة ضد الإنسانية.

وقد اعترف أحد الضباط الأرجنتينيين بالطلعات المشتركة لسلاح الجو في الأرجنتين. وتشيلي، في مهمات خاصة تحت اسم «عملية كوندور، قام فيها القتلة برمي آلاف الشباب والشابات وهم أحياء الى عرض المحيط فلا عجب أن وجهت إلى بينوتشه تهم: الإبادة الجماعية، والتعذيب الشنيع، والإرهاب الدولي إذ كان يرسل القتلة لتتبع معارضيه في الخارج واستئصال شأفتهم.

ويعود الفضل- بصورة استثنائية- في الكشف عن هذه الجرائم- ولو بعد حين . إلى هاتيك الأمهات اللواتي فصلن ملابس مكتوبًا ومرسومًا عليها أسماء أولادهن، وتواريخ اعتقالهم، كما اشتهرن بأغطية الرأس البيضاء التي تحمل اسم المفقود إذ تجمعن، وتبادلن المعلومات وأخذن يجبن عواصم العالم مطالبات بإحقاق الحق، والكشف عن مصير ابنائهن بكل وسيلة ممكنة.

وربما يقفز إلى الأذهان سؤال غير منطقي هو: لماذا لم يحاكم بينوتشه في بلده؟ وهو سؤال غير منطقي لأننا لم نسمع قط عن دكتاتور حوكم في بلدها ثم كيف يحاكم في بلده مستبد مجرم مدعوم من قبل أكبر دولتين استعماريتين عرفهما العالم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن تشيلي كانت قد شهدت عام ۱۹۷۷م استفتاء عامًّا، قام فيه الشعب يدعم جنراله هذا في كرسي الحكم بنسبة ٩٩.٩٩% إلا أن الجنرال بينوتشه على كل ما فيه كان حريصًا على مستقبل بلاده فقام بطرح مشروع دستور جديد في البلاد عام ١٩٨٠م، اشتمل على برنامج زمني لإحداث نقلة ديمقراطية نحو حكومة مشروعة منتخبة الشيء الذي لا يمكن تصوره في دولة من مجموعة الدول التي تعرفها هنا وهناك وقد احترم الجميع في تشيلي هذا البرنامج الذي طبق بحذافيره حتى تم للمعارضة النجاح في انتخابات عام ١٩٨٨م في تشيلي عن موسوعة لارروس" كما انتخب على أثرها بعد عام واحد باتريشيو ايلوين عن تجمع الأحزاب في سبيل الديمقراطية، مما أعاد تشيلي إلى عجلة النظام الديمقراطي المرصود من قبل بينوتشه الذي احتفظ لنفسه بمنصب وزير الدفاع، والقائد الأوحد للقوات المسلحة وفي عام ١٩٩٣م فاز في الانتخابات الرئيس التشيليني الحالي إدواردو فيري رويت، وهو ابن رئيس تشيليني سابق لعهد بينوتشه وقد احترم التشيلينيون ميثاق نقطة النهاية الذي يدعو إلى فتح صفحة جديدة في الأمة وإحلال مصالحة شعبية عامة، ونسيان الماضي ورشح بينوتشه ليصبح نائبًا في البرلمان مدى الحياة لكن هل يمكن نسيان الماضي حقًّا؟ لقد تسببت مطالبة القضاء الإسباني بمقاضاته في إحداث أزمة عالمية ليس في المجال القضائي فحسب، بل في المجال الإنساني العام.

كما كشفت عن وقوف الحكومات الأوروبية عاجزة أمام السلطة القضائية- التي كان من المفروض أن تكون مستقلة بالكامل- عندما تدعم هذه السلطة شرائح واسعة من الشعب الذي لا ينبغي لأحد أن يستهين به، ولا بسلطته، ولا بقدرته على الفعل.

ملفات وشعارات

لقد كشفت قضية بينوتشه اللثام عن الملفات القذرة للعلاقات الدولية في ظل شعارات الحرية والقانون والديمقراطية، ووجد العالم نفسه أمام مشكلة فريدة من نوعها، فإذا منح العالم الحق لأي دولة استعمارية في إلقاء القبض على دكتاتور كان يحكم إحدى مستعمراتها السابقة، فمعنى ذلك أننا فتحنا الباب على مصراعيه لتدخل هذه الدول من جديد في حياة وسيادة واستقلال الشعوب بالحق الذي يراد ويستعمل في مجال دعم الباطل.

وقد عبر عن هذا الرئيس التشيليني بقوله: "إن إسبانيا نسيت أن فرانكو كان قد حكمها أربعين عامًا، انتهكت فيها حقوق الإنسان وعلى كل صعيد ولكن حقوق الإنسان أصبحت سلاحًا لا يشهر إلا في وجوهنا"

كما كشفت هذه القضية عن العجز العالمي أمام الحجم المربع للظلم الواقع على الإنسانية اليوم.

ولقد كان من المفروض أن يسلم كثيرون من المستبدين القتلة إلى الشعوب لتقتص منهم، أو إلى محكمة العدل الدولية التي أصبحت كغيرها من المنظمات العالمية المهيمن عليها لا تنهم ولا : تعرض إلا يمن تريد لهم بعض الدول أن يتهموا وأن يشهر بهم.

لقد أصبحت حقوق الإنسان في ظل هذه الأوضاع لعبة وشعارات إن حادثة بينوتشه، هذه ليست قضية بمثل البساطة التي يمكن تصورها والمهم فيها أن الملف قد فتح، وأن المجرم قد افتضح بشكل وضع جميع المعاني السياسية والأخلاقية والإنسانية اليوم على محك الواقع الشاذ الذي نعيشه على أعتاب القرن الثالث الميلادي، الذي لا أجد له أدنى اعتبار مادام الإنسان مازال غارقًا في معاناته وآلامه.

كما كان يحدث في أيام العصر الحجري ويتبقى شبح الخوف مسيطرًا على الجميع فإذا تم اعتقال هذا المجرم لنشأت أزمة سياسية واسعة النطاق فضلًا عن المتوقع في تشيلي نفسها الصدام الاجتماعي وإذا لم يتم اعتقاله فسوف تترعرع أزمة انعدام الثقة في النظام العالمي الموحد الذي يروج لنفسه وعلى كل صعيد، ولولدت أزمة أخلاقية، تتمثل في خيبة الأمل الإنسانية المريرة التي تطرح نفسها في أسئلة الشعوب الحائرة التي ما تزال تئن تحت وطأة الظلم، وتطلب تبريرًا وتفسيرًا عن غياب أبنائها الذين طلبوا للتحقيق خمس دقائق وحسب ولكنهم لم يعودوا قط.

۳ وجوه للأزمة

جميل: يتجلى في مطالبة الشعوب بالعدل والقصاص من المستبدين، واستقلال السلطة القضائي- بشكل نزيه وحاسم- عن السلطة السياسية في الدول التي تدعي حكم الحق، والقانون كما يتجلى في قدرة الشعوب الصابرة غير النائمة عن حقها في الدفاع عن هذا الحق، والاستبسال في سبيل انتزاعه>

مخيف: يتجلى في نذر حرب أهلية جديدة في تشيلي مع تفتت اجتماعي، وصدامات خطيرة في دول أمريكا اللاتينية التي لم تلعق جراحها الماضية بعد، وكذلك استثارة نيران العداء، والحقد من جديد بين اليمين واليسار في دول العالم الثالث وذلك في محاولة لبعث الفكر اليساري من جديد

قبيح: هو الوجه الحقيقي المختفي وراء العملية كلها: وجه الحملات الانتخابية والازدواجية الأخلاقية، والاتفاقات السرية بين الدول والأحزاب، والمصالح المشتركة، والانتقام غير الأخلاقي، واستعمال حقوق الإنسان في غير موضعها.

الرابط المختصر :