; ( بلا حدود) الأمين العام القادم | مجلة المجتمع

العنوان ( بلا حدود) الأمين العام القادم

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1995

مشاهدات 80

نشر في العدد 1155

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 27-يونيو-1995

مرحلة جديدة من مراحل النفوذ اليهودي الصهيوني في مواقع صنع وإدارة القرار الدولي تمثلت في إعلان شيمون بيريز وزير الخارجية الإسرائيلي في مارس الماضي عبر مسئول كبير في الخارجية الإسرائيلية عن رغبته في أن يتوج عمله السياسي بتولي منصب الأمين العام للأمم المتحدة، وبدا أن اليهود لم يعودوا يأخذون بنصائح هنري كيسنجر -وزير الخارجية الأمريكية اليهودي الأسبق- التي وجهها لليهود مرارًا بألا يتجاوزوا الحد المعقول في سعيهم للمناصب الرئيسية في الغرب، خوفًا من عدم تقبل العقلية المسيحية الغربية المحافظة لهذا الأمر.

ولم يعد لهذه النصائح أثر يُذكر بعد ما تمكن اليهود من النفاذ إلى أخطر وأهم مراكز صنع القرار في الإدارة الأمريكية، كما تمكنوا من خلط المفاهيم المسيحية الغربية بالمفاهيم اليهودية التوراتية وكذلك تمكنوا من اختراق الكنيسة حتى أصبح أسقف الكنيسة الفرنسية يهوديًا تنصر في بدايات شبابه، كما أصدر الفاتيكان عدة تغييرات في أصول العقيدة المسيحية من أهمها «براءة اليهود من دم المسيح».

وقد بلغ النفوذ اليهودي الصهيوني في الإدارة الأمريكية مبلغًا لم يكن يحلم به اليهود حينما بدؤوا في إدخال تغييرات وأدوات ضغط أساسية في الكونجرس في عهد ايزينهاور عام ١٩٥٦م، حتى أصبح الآن يهوديان هما: صموئيل برجر، وليون بيرث هما اللذان يكتبان التقرير الرسمي الصباحي الذي تصدره المخابرات الأمريكية، ويوفر للرئيس أفضل واهم المعلومات عن التطورات العالمية والتي يقوم الرئيس بناء عليها باتخاذ قراراته وتحديد مسار السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ورغم أن القاعدة الأساسية في توظيف المسئولين في الإدارة الأمريكية كانت تستثني اليهود من المراكز الحساسة بسبب ولائهم المزدوج، إلا أن كلينتون قد اخترق هذه القاعدة وأصبح هناك سبعة من أصل اثني عشر هم أعضاء مجلس الأمن القومي الأمريكي-وهو أخطر الأجهزة الأمنية الأمريكية- هم من اليهود من بينهم ساندي برجر- نائب رئيس مجلس الأمن القومي- وريكي سيدمان- منظم جدول أعمال الرئيس- ومارتن آنديك الذي انتقل مؤخرًا إلى منصب سفير أمريكا لدى «إسرائيل».

أما قائمة باقي المسئولين فإنها أكبر من يتسع سرد أعضائها هنا، لكن من أبرز هؤلاء الذين يسيطرون الآن على السياسة الداخلية والخارجية في الولايات المتحدة يوسف أمانويل مقرر السياسة في مكتب الرئيس، وميكى كانتور وزير التجارة الدولية، ودينيس روس منسق عملية السلام في الشرق الأوسط، الذي أصبح يتجول في دول العالم العربي بحرية تامة، ويستقبل بحفاوة بالغة في كل دولة، ووزير المال روبرت روبن، ومسئول الإعلام ديفيد هايزر، ووزير العمل روبرت رايش، ومئات المسئولين الآخرين من ذوي المناصب الرفيعة حتى أصبحت اللغة التي تستخدم داخل أماكن كثيرة في البيت الأبيض هي اللغة العبرية وليست الإنجليزية.

ولهذا لم يكن عجيبًا أن يرشح اليهود السناتور اليهودي أرلن سبكتر إلى الانتخابات الرئاسية القادمة في الولايات المتحدة، وقال سبكتر: «إن سياسة الاختباء وراء رئيس الجمهورية لم تعد ضرورية بعدما تقبل المجتمع الأمريكي فكرة الحكم اليهودي المباشر في عهد كلينتون» وكان سبكتر يشير بهذا إلى النفوذ اليهودي الصهيوني الواضح في إدارة كلينتون والذي وصل إليه اليهود بمبلغ ٦٣ مليون دولار هي حجم التبرعات اليهودية المشروطة التي قدمت له في الحملة الانتخابية التي أوصلته إلى البيت الأبيض.

ولهذا فقد قرر بيريز أن يواكب وصول سبكتر إلى البيت الأبيض ووصوله كذلك إلى مبنى الأمم المتحدة في نيويورك، فيمسك اليهود بذلك زمام العالم عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا وحتى معنويًا، فيحققون بذلك أبعاد العلو الثاني الكبير الذي يكون بعده ذلتهم ونهايتهم وزوال دولتهم.

وبيريز الذي هاجر إلى فلسطين المحتلة في عام ١٩٣٤م وكان عمره آنذاك إحدى عشرة سنة يعتبر من أكثر السياسيين الصهاينة مكرًا ودهاءُ، فهو منذ عام ١٩٥٢ وهو يتقلب في المناصب القيادية والرفيعة في الكيان الصهيوني حيث تولى في سن التاسعة والعشرين منصب المدير العام لوزارة الدفاع في «إسرائيل» ويتقلد الآن وهو في الثانية والسبعين منصب وزير الخارجية، وبين المرحلة الأولى والأخيرة تولى مناصب وزارية وسيادية كثيرة من بينها منصب رئيس الوزراء، وكانت الفترة من ١٩٦٧م حتى ١٩٧٧م التي تولى فيها مناصب وزارية مختلفة عن حزب العمل هي الفترة التي قام فيها بيريز بترسيخ دعائم المستوطنات الإسرائيلية وتوسيعها.

وكان بيريز يتمتع خلال الأربعين عامًا الماضية بقرب خاص مع قيادات «إسرائيل» التاريخية وعلى رأسها بن جوريون الذي كان يصحبه في كثير من رحلاته وتنقلاته، مما أتاح له التعرف على كثير من السياسيين في معظم أنحاء العالم، والاحتفاظ بعلاقات صداقة معهم مكنته في أحيان كثيرة من توفير خدمات خاصة للكيان الصهيوني.

ولهذا فإن بيريز يعتبر نفسه أكثر شهرة في الخارج من داخل «إسرائيل»، ويعتبر بيريز أحد المنظرين الصهاينة البارزين، فقد كتب عدة كتب وضع فيها خلاصة تصوراته لصورة الكيان الصهيوني المهيمنة والمسيطرة على المنطقة ومن أهمها «الصراع من أجل السلام»، و«الشرق الأوسط الجديد» ويُكنُّ بيريز في كل كتاباته وتصريحاته عداء واضحًا للصحوة الإسلامية، ويدعو لمحاربتها والقضاء عليها لاعتبارها- في زعمه- الخطر الذي يهدد طموحات إسرائيل.

وقد وجد ترشيح بيريز نفسه لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة ترحيبًا حتى الآن في كل من فرنسا والولايات المتحدة، فيما بدأ الإعلام الصهيوني الدولي يهيئ الأجواء له كخليفة لبطرس غالي.. ونحن لا نملك في الختام إلا أن نتساءل إذا كان وضع المسلمين وقضاياهم، ووضع العالم الإسلامي على وجه الخصوص قد وصل إلى ما وصل إليه خلال فترة وجود بطرس غالى في منصب الأمين العام للأمم المتحدة، فما هي يا تُرى الصورة التي يمكن أن يؤول إليها الوضع بعد تولي بيريز منصب الأمين العام؟

الرابط المختصر :