; أولبرايت صهيونية بالأصالة | مجلة المجتمع

العنوان أولبرايت صهيونية بالأصالة

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1997

مشاهدات 115

نشر في العدد 1239

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 25-فبراير-1997

بلا حدود

أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت عن دهشتها لاكتشافها أنها تنحدر من أصول يهودية، لكن الدهشة كما يشير كثير من المراقبين ليست في اكتشاف السيدة أولبرايت لجذورها وأصولها اليهودية، وإنما في المسرحية الهزلية والتوقيت الدقيق الذي تم فيه تفجير هذه الحقيقة والأسلوب الملتوي الذي سلكته أولبرايت للإقرار بقناعتها بحقيقة المعلومات التي نشرتها صحيفة «واشنطن بوست» تباعًا من أول فبراير وحتى منتصفه عن جذورها اليهودية وأجدادها وأقاربها، وكان الصحافة الأمريكية صارت أقوى من جهاز المخابرات الأمريكية «سي أي إيه» أو أجهزة الاستخبارات الأمريكية العديدة التي من المفترض أن يقوم القائمون عليها بعملية مسح دقيقة لجذور وحياة كل شخصية تتبوأ منصبًا رفيعًا في الإدارة الأمريكية، فما بالنا وهذا المنصب هو المنصب الثاني وقد تبوأت أولبرايت قبله مناصب عديدة آخرها سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وهو من المناصب الرفيعة جدًّا في الخارجية الأمريكية؟

 وكانت صحيفة «واشنطن بوست» قد أكدت في مقال مطول نشرته في الرابع من فبراير الجاري ما كانت تتداوله أوساط سياسية ودبلوماسية وصحفية عديدة عن أن مادلين أولبرايت يهودية تشيكية فر والداها- كما ذكرت هي مرارًا- آخرها- كان في حفل تنصيبها وزيرة للخارجية- من المذابح النازية التي يزعم أنها وقعت لليهود في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وقالت الصحيفة في تحقيقها: إن أكثر من عشرة من أقارب أولبرايت بما فيهم جداها قد قتلوا كضحايا للمحرقة النازية، وقد حاورت الصحيفة أولبرايت في اليوم التالي، وقالت أولبرايت التي أعلنت في البداية عن دهشتها، أن والديها لم يتحدثا معها عن مصير أقاربهم الذين بقوا في تشيكوسلوفاكيا بعد الاحتلال النازي لها أو عن خلفيتهم اليهودية، وأضافت الوزيرة بأن معلومات الواشنطن بوست «مقنعة لها إلى حد ما»، وقالت أولبرايت: «لقد بدأت أفكر في الأمر وأجمع قطع الأحجية معًا، وكانت المعلومات ترد إليَّ أكثر فأكثر، وكانت تبدو معقولة أكثر فأكثر» وقالت أولبرايت- ٥٩ سنة- إنها لم تكن تعلم شيئًا عن هذا الأمر، وأن المعلومات التي تلقتها في يناير ١٩٩٧م بشان أصلها اليهودي جاءت «كمفاجأة كبرى لها» ثم استدركت قائلة بأنها تلقت رسائل عديدة تتضمن معلومات عن خلفية عائلتها بدأت تصلها منذ عام ١٩٨٩م بعد انهيار الشيوعية في تشيكوسلوفاكيا، وبالتحديد بعد عام ۱۹۹۳م حينما عينها كلينتون مندوبة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وقالت: إن بعض الرسائل أشارت إلى «حقيقة أن عائلتي من أصل يهودي، وهذا الأمر ازداد حدة مع استمرار تردد اسمي في الصحف بحكم منصبي الراهن» كوزيرة للخارجية.

 إلا أن الصحيفة نقلت عن أقارب وأصدقاء عائلة جوزيف كوريل والد أولبرايت إنهم يعرفون منذ زمن بما حدث لأقارب أولبرايت خلال الحرب، ونسبت الصحيفة إلى داغمار سيموفا ابنة عم أولبرايت التي بقيت في تشيكوسلوفاكيا بعد عام ١٩٤٨م، وبقيت على اتصال متقطع مع فرع العائلة: في الولايات المتحدة قولها: «أولادي يعرفون جيدًا كل التفاصيل»، كما أكدت الصحيفة في تحقيقها على أن أولبرايت وصلتها رسائل عديدة من أقاربها، وكذلك من رئيس بلدية البلدة التي عاشت عائلتها فيها في تشيكوسلوفاكيا سابقًا تتضمن معلومات مؤكدة عن سلالتها اليهودية، وهذه الحقائق تشكك في دهشة السيدة أولبرايت، وتلقي علامات استفهام حول سر إخفائها ليهوديتها في وقت صار يتباهى فيه كل يهودي أمريكي بيهوديته، وصار اليهود يديرون بلاط الرئيس، كما أشرنا في تقرير مطول من قبل.

 وفي الثالث عشر من فبراير الجاري كشفت «واشنطن بوست» عن أن إسرائيل كانت تعرف منذ نهاية ١٩٩٤م الأصول اليهودية لمادلين أولبرايت، وكانت وقتها تعمل سفيرة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، لكن إسرائيل ارتأت ألا تنشر على الملأ هذه المعلومات، ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين أن الأمر تم تناوله وقتها على أعلى المستويات في الدولة باعتباره مسألة دبلوماسية حساسة، وأضافت الصحيفة أن «معلومات موثقة جدًّا حول هذا الموضوع نقلها في نهاية العام ١٩٩٤م إلى السفير الإسرائيلي السابق في الأمم المتحدة جاد يعقوبي- القطب البريطاني اليهودي النمساوي الأصل المتخصص في مجال النشر جورج وايد نفيلد- الذي كان قد تعرف على جوزيف كوربل والد أولبرايت أثناء الحرب العالمية الثانية.

وقالت الصحيفة: بأن هذه المعلومات التي اعتبرت حساسة في حينها نقلت إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين وحده، ثم نقلت بعد مقتله إلى خلفه شيمون بيريز، وأن المسؤولين الإسرائيليين اعتبروا في ذلك الوقت أنه ليس من مصلحة إسرائيل أن تعلن الأصول اليهودية لأولبرايت، وأنه من الأهمية بمكان عدم تسبب أي إزعاج لامرأة «تعتبر صديقة لإسرائيل في إدارة كلينتون».

 وفي الرابع عشر من فبراير أجرت وكالة إسوشيتدبرس مقابلة هاتفية مع حاييم كوريل التشيكي الأصل الذي هاجر إلى فلسطين المحتلة عام ١٩٣٩م ذكر فيها انه ابن عم والد أولبرايت جوزيف كوريل، وأنه سبق أن بعث برسالة إلى أسرة أولبرايت بُعيد الحرب العالمية الثانية في محاولة منه للاتصال بأقربائه الذين نجوا من «المحرقة» النازية- التي زعمها اليهود- وقال كوريل: «والدي ووالد جوزيف كانا شقيقين، وأنا أذكر أهل جوزيف جيدًا، وقد تلقيت بعد الحرب رسالة من قريب سافر إلى البرازيل تضمنت عنوان جوزيف في أمريكا، إلا أنه لم يرد، ففهمت إنه لا يريد إجراء أي اتصال.

وبعد الكشف عن هذه المعلومات سارع نيكولاس بيرنز المتحدث باسم «من يهمه الأمر»- العرب طبعًا- بأن أصل أولبرايت «لن يعقد جهود السلام في الشرق الأوسط» قائلً:ا إن مسالة «يهوديتها لا علاقة لها بشأن وظيفتها»، وأضاف أن هذه المعلومات «أسرت اهتمام أولبرايت، وجعلتها تنظر في الأمر»، أما مايك ماكوري- المتحدث باسم البيت الأبيض- فقد قال للصحفيين: إن أولبرايت قامت بنفسها باطلاع الرئيس ونائبه آل جور على هذا الأمر يوم الإثنين- الثالث من فبراير- وأضاف أن الرئيس علق قائلًا: «إنها قصة مثيرة»، وشجع مادلين على المزيد من البحث في أصول أسرتها... لأنه يعتقد أن الأمر مثير.

 أما المثير بالنسبة لنا فهو التوقيت الذي تم فيه إخراج القصة، فقد تم هذا بعد شهرين من تعيين أولبرايت وزيرة للخارجية، وبعد أسبوعين على تثبيتها في منصبها بعد شهادتها أمام لجنة الكونجرس، وكذلك إعلان أولبرايت عن دهشتها رغم أنها تلقت رسائل عديدة تفصح لها عن أصولها قبل ذلك، ولعل عدم إعلان إسرائيل عن جذور أولبرايت والذي أشرنا إليه من قبل يؤكد أن عملية التوقيت في الإعلان كانت هامة رغم أن هذا الأمر ما كان ليلغي قرار تعيينها، وقد سبقها في وزارة الخارجية في عهد نيكسون وفورد وكارتر اليهودي العالمي هنري كيسنجر، الذي قدم لإسرائيل من الخدمات ما ستسعى أولبرايت لتتفوق عليه فيه، ويكفي إنها قبل إعلان يهوديتها حالت أثناء عملها مندوبة في الأمم المتحدة دون توجيه أي شكل من أشكال الشجب أو الإدانة أو الاستنكار ضد إسرائيل وممارساتها سواء بالاستيلاء على الأراضي العربية في القدس والضفة وغزة، والاستيطان أو العدوان الإسرائيلي على لبنان في إبريل عام ١٩٩٦م حينما قتل مائة مدني لبناني أو غير ذلك من قوائم السلوك المنحاز إلى إسرائيل بقوة، مما جعل الإسرائيليين يخلعون عليها لقب «صهيونية شرف»، لكن الفائدة الأساسية التي ربحتها أولبرايت من وراء هذا الإعلان أنها لم تعد «صهيونية شرف» وإنما صهيونية بالأصالة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل