; بر الوالدين | مجلة المجتمع

العنوان بر الوالدين

الكاتب عقيل عبدالرحمن العقيل

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1993

مشاهدات 83

نشر في العدد 1044

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 06-أبريل-1993

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا.

أيها الإخوة القراء الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد:

فإن الوفاء لمن أحسن ورد الجميل لمن صنع شيمة من شيم العرب في الجاهلية وهو أيضًا خصلة من الخصال التي حافظ الإسلام عليها وحثنا على التمسك بها، «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟» فديننا الإسلامي هو دين الوفاء والإحسان والاعتراف بالجميل وعدم نكرانه.

ألا وإن من أوجب من يلزم المرء الإحسان إليه وبره والاعتراف بفضله، والداه نظير ما صنعاه من جميل وقدماه من تضحية في سبيل إسعاد هذا الولد وتنشئته التنشئة الطيبة منذ نعومة أظفاره حتى شب عن الطوق. فقد بذلا ما في وسعهما وأكثر من ذلك من أجل راحة هذا الولد فلطالما سهرا لينام وجاعا ليشبع.

إزاء هذه التضحيات الأبوية فقد حث الإسلام على بر الوالدين وجعل ذلك في المقام الأسمى.

وقد حفلت الشريعة الإسلامية بالأدلة الكثيرة التي تحث على بر الوالدين وترغب في الإحسان إليهما.

ومن ذلك قول الحق جل جلاله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 23 – 24). فالله سبحانه وتعالى بعد أن حكم بأن لا يعبد غيره حكم بالإحسان إلى الوالدين، وفي جعل الإحسان إلى الأبوين قرينًا لتوحيد الله وعبادته إعلان بتأكد حقهما والعناية بشأنهما ما لا يخفى، بل إنه سبحانه ذكر الوالدين قبل ذكره للإحسان مما يدل على أهمية الإحسان إلى الوالدين وضرورته، وإن الإحسان إليهما ليس كغيرهما ثم إنه- تعالى- قد ركز على حالة يكون فيها الوالدان أحوج إلى مساعدة ابنهما من غيرها ألا وهي حالة الكبر إذ الكبير في السن أبًا كان أو أمًّا ربما تصدر منه بعض التصرفات الناتجة عن ضائقات نفسية أو ضعف في القوى ونحو ذلك من أمراض الشيخوخة فاحتمال المرء في تلك السن ليس كاحتمال هذه التصرفات وأن يعامل أبويه المعاملة اللائقة بهما كأبوين له. فالله سبحانه وتعالى قد خص حالة الكبر بالذكر لكونها إلى البر من الولد أحوج من غيرها لذلك نهى- سبحانه – الولد عن أن يظهر منه ما يدل على التضجر من أبويه أو الاستثقال لهما فقال «فلا تقل لهما أف» وبهذا النهي يفهم النهي عن سائر ما يؤذيهما بفحوى الخطاب- كما هو مقرر في علم الأصول- وفوق هذا زيادة في التأكيد فقد نهى الله الولد عن نهر والديه فقال «ولا تنهرهما» والنهر: الزجر والغلظة أي لا تكلمهما ضجرًا صائحًا في وجوههما، ثم طالب الابن بدلًا من التأفف والنهر أن يقول لوالديه قولًا كريمًا، أي لينًا لطيفًا، أحسن ما يمكن التعبير عنه من لطف القول وكرامته مع التأدب والحياء والاحتشام، وليس الأمر كذلك فحسب بل طالب الله الابن بقوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) فطلب من الابن التواضع لوالديه وترك الترفع عليهما مهما بلغت منزلتك أيها الابن، فهما وإن احتاجا إليك فقد كنت بالأمس أشد خلق الله حاجة إليهما، ثم كأنه قال له سبحانه ولا تكتف برحمتك التي لا دوام لها «و» لكن (رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا).

أخي الكريم: ما أعظم هذا الدين! يحفظ الحقوق لأهلها، فهل هناك أعظم إكرامًا من أن يقرن سبحانه بين الأمر بشكره وبين الأمر بشكر الوالدين، قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (لقمان: ١٤) مما يدل على ضرورة الإحسان لهذين الوالدين وبرهما. تنوعت الأساليب القرآنية- أخي الكريم- في التأكيد على حق الوالدين، ففي آية قضى الله بالإحسان إلى الوالدين، وفي أخرى قرن شكره بشكر الوالدين- كما سبق الإشارة إليه، وفي آية ثالثة أوصى الابن بالإحسان إلى هذا الوالد قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ (الأحقاف: ١٥) كما جعل الله سبحانه الإحسان إلى الوالدين أحد الحقوق العشرة التي أمر الله العباد بالالتزام بها المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (النساء: 36).

أخي الكريم: وبالرجوع إلى سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم نجدها زاخرة بالأحاديث التي تحث على بر الوالدين والإحسان إليهما وتحذر من عقوقهما، فمن ذلك ما رواه ابن مسعود- رضي الله عنه- قال سألت النبي- صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أي قال: «الجهاد في سبيل الله» (متفق عليه).

انظر- أخي الكريم- كيف جمع الرسول- صلى الله عليه وسلم- بين بر الوالدين وبين أعظم الأعمال التي يقوم بها العبد، ألا وهما الصلاة عمود الدين والجهاد ذروة سنام الإسلام، زيادة في الحث على بر الوالدين وحفزًا للهمم على ذلك، بل إن الرسول– صلى الله عليه وسلم- قد جعل الوالدين- لاسيما الأم- أحق الناس بحسن الصحبة، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أبوك». (متفق عليه). والصحابة بمعنى الصحبة، وإنما زادت الأم على الأب في هذا الجانب نظير ما تتكبده من المشاق من حمل ورضاع ورعاية وشدة إشفاق وخوف على هذا الولد أكثر مما يتحمله الأب.

وقد جعل الرسول- صلى الله عليه وسلم- بر الوالدين سببًا في دخول الجنة وحذر من عقوقهما وأن ذلك سبب مهلك لمن وقع فيه فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «رغِم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة».

بل إن الجهاد- أخي الكريم- وهو من أشرف الأعمال وأنبلها وهو ذروة سنام الإسلام لا يتطوع به الإنسان إلا بإذن والديه، فبر الوالدين مقدم على الجهاد المندوب دون الواجب مصداق هذا ما رواه عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: أقبل رجل إلى نبي الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله تعالى. قال: «فهل لك من والديك أحد حي؟» قال: نعم بل كلاهما قال: «فتبتغي الأجر من الله تعالى؟» قال: نعم قال: «فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما» (متفق عليه وهذا لفظ مسلم).

وفي رواية لهما جاء رجل فاستأذنه في الجهاد فقال: «أحي والداك؟» قال: نعم قال: «ففيهما فجاهد».

انظر أخي الكريم إلى مكانة بر الوالدين وسمو منزلته وكيف قدمه الرسول- صلى الله عليه وسلم- على الجهاد.

أخي القارئ الكريم: وقد بلغ من حث الإسلام على بر الوالدين أن طالب الابن بالإحسان إلى والديه ومصاحبتهما في الدنيا معروفًا حتى وإن كانا مشركين ومن ذلك قول الحق- جل جلاله ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان: 15). وعن أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنهما- قالت: قدمت عليّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله– صلى الله عليه وسلم- فاستفتيت رسول الله– صلى الله عليه وسلم- قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: «نعم صلي أمك» (متفق عليه). قولها راغبة أي طامعة.

أخي الكريم: لقد حذرنا الرسول– صلى الله عليه وسلم- من عقوق الوالدين وبين أن ذلك من أكبر الكبائر لما في ذلك من نكران للجميل الذي أسداه الوالدان لذلك الولد العاق، فعن أبي بكرة نفيع بن الحارث- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر (ثلاثًا)؟» قلنا: بلى يا رسول الله قال: «الإشراك بالله وعقوق الوالدين» وكان متكئًا فجلس فقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور» فمازال يكررها حتى قلنا ليته سكت» متفق عليه.

فلتحرص- أخي الكريم- على بر الوالدين والإحسان إليهما وكسب رضاهما ولتبتعد عما يغضبهما قدر المستطاع ولتعلم أن الجزاء من جنس العمل، وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم، واعلم أخي أن بر الوالدين لا ينقطع بموتهما بل يستمر ذلك بالدعاء لهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما.

فقد سأل رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: «نعم: الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما بعد موتهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقيهما». رواه أبو داود، والصلاة عليهما: الدعاء لهما.

جعلنا الله وإياكم ممن يبر بوالديه ويلقى ربه وهو عنه راضٍ وأن يهدينا سبل السلام إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


أقوال تربوية

  • دنياكم تحتنا:

«كان مسروق يركب كل جمعة بغلة له ثم يأتي كُناسة بالجيزة قديمة، فيجعل عليها بغلته ثم يقول: الدنيا تحتنا» الزهد لأحمد ٣٥٠

  • الملك الحقيقي:

سئل التابعي الجليل أبو حازم: «ما مالك؟ قال: ثقتي بالله عز وجل، ويأسي مما في أيدي الناس» صفة الصفوة ١٥٦/٢

  • الدنيا ظل:

يقول ابن الجوزي «الدنيا ظل، إن عرضت عن ظلك لحقك، وإن طلبته تقاصر، الزاهد لا يلتفت إلى الظل فيتبعه الظل، والحريص كلما التفت لم يره» اللطف في الوعظ ٥٢

  • الناس ثلاثة:

يقول الزاهد يحيى بن معاذ: «الناس ثلاثة: رجل شغله معاده عن معاشه، ورجل شغله معاشه عن معاده، ورجل مشتغل بهما جميعًا، فالأولى درجة الفائزين، والثانية درجة الهالكين، والثالثة درجة المخاطرين» صفة الصفوة ٩٣/٤

  • خروج هم الآخرة:

يقول التابعي مالك بن دينار «بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك، وبقدر ما تحزن للآخرة كذلك يخرج هم الدنيا من قلبك» الزهد لأحمد ٣١٩

  • التأثر بالموت:

يقول التابعي إبراهيم النخعي «كنا إذا حضرنا جنازة أو سمعنا بميت عرف فينا أيامًا لأنا قد عرفنا أنه نزل به أمر صيره إلى الجنة أو النار» صفة الصفوة ٨٧/٣

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 32

134

الثلاثاء 20-أكتوبر-1970

بين الآباء والأبناء

نشر في العدد 83

102

الثلاثاء 26-أكتوبر-1971

في ظلال شهر الصوم (العدد 83)