; من الحياة .. على درب الصابرين «۳».. إبراهيم عليه السلام ومحنة الولد | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة .. على درب الصابرين «۳».. إبراهيم عليه السلام ومحنة الولد

الكاتب سمير يونس صلاح

تاريخ النشر السبت 20-يونيو-2009

مشاهدات 70

نشر في العدد 1857

نشر في الصفحة 52

السبت 20-يونيو-2009

تحكي كتب التفسير أن إبراهيم عليه السلام قرر الهجرة إلى ربه بعد أن أراد قومه له الهلاك في الجحيم، ونجاه الله من كيدهم أجمعين.

وقد أثبت القرآن الكريم هذه الهجرة في قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الصافات: 99]

يقول صاحب الظلال- رحمه الله: "إنها الهجرة، وهي هجرة نفسية قبل أن تكون هجرة مكانية.. هجرة يترك فيها كل شيء من ماضي حياته، يترك أباه وقومه وأهله وبيته ووطنه، وكل ما يربطه بهذه الأرض وبهؤلاء الناس، طارحاً وراءه كل شيء، مسلما نفسه لربه، موقنا أن ربه سيهديه، وسيرعى خطاه".

وعندما قرر إبراهيم عليه السلام الهجرة لم يكن قد رزق الولد، وهو الآن يترك خلفه كل أقاربه وقومه، فاتجه إلى ربه يسأله الذرية المؤمنة الصالحة فتوجه إلى ربه متضرعا ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [الصافات: 100].

واستجاب الله دعاء نبيه وعبده إبراهيم عليه السلام: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾ [الصافات: 101]

المحنة محنتان

إن محنة إبراهيم - عليه السلام - في الولد محنتان المحنة الأولى تجسدت في صبره على عدم الإنجاب إلى أن صار شيخا كبيرا؛ فكان صابراً راضيا، والمحنة الثانية تمثلت فيما رآه وهو نائم - ورؤيا الأنبياء حق وصدق - حيث رأى أنه يذبح ولده الحليم الذي رزق به على كبر !!

إجابة الدعاء ورزق الولد

والآن.. لقد استجاب له ربه، ورزقه غلاماً حليما هو إسماعيل عليه السلام، ولكنه لم يكد يأنس بابنه وفلذة كبده وسنده حتى ابتلي فيه، وذلك بعد أن تفتح صباه، وبلغ معه السعي، لقد رأى إبراهيم - الشيخ النبي المقطوع من القوم والعشيرة - في منامه أنه يذبح إسماعيل، ولقد أدرك إبراهيم رسالة ربه هذه.. إنها إشارة من ربه بالتضحية.. نعم، إنها إشارة ولكنها من ربه، فلبى واستجاب دون شك ولا تردد، بل أقدم على تنفيذ إشارة ربه طاعة له وتسليما وإذعانا وانقيادا، وهو راض مستسلم، لم يعترض، ولم يخطر بباله - مجرد خاطر - أن يسأل ربه: لماذا يا ربي أذبح ابني الوحيد فلذة كبدي ؟! لم يُلب إبراهيم عليه السلام في انزعاج، ولم يُطع في اضطراب، بل إنه الرضا والقبول في طمأنينة وهدوء.

مفاتحة الأب وإذعان الابن

هذا الجو الذي يملؤه الرضا والتسليم والسكون يساعد إبراهيم عليه السلام - بعون الله تعالى له - على أن يفاتح ولده وفلذة كبده، قائلا في هدوء: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: 102]

إن الابتلاء شديد، لا يصبر عليه إلا مؤمن عظيم الإيمان.. إن الله عز وجل لم يأمر إبراهيم عليه السلام بأن يضحي بماله أو بيته ولم يأمره بأن يرسل ولده ليقاتل في سبيل الله، حيث الابتلاء بلقاء الأعداء، الذي له احتمالان: إما النصر والنجاة من إيذاء الأعداء، وإما الشهادة، إنما يأمره أن يتولى هو بیده ذبح ابنه !! فماذا كانت إجابة ولده؟ ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]

إنه يسمو كما سما أبوه وارتقى، فتلقى الأمر في طاعة واستسلام ورضا وأدب، يدل على ذلك مخاطبته لأبيه بقوله: "يا أبت" فهو نداء يوحي بالمودة والقربى والتقدير والتوقير، إنه يصبر ويصمد، فلا يفزعه شبح الذبح، ولم يفقده رشده، ولا حبه لله ثم لأبيه، ويظل محافظا على هدوئه وأدبه مع أبيه.

لم يأخذ إسماعيل عليه السلام الأمر على أنه بطولة أو حماسة أو شجاعة، ولم يبرز لذاته حجماً ولا وزنا، ولم يأخذها اندفاعا دون روية ودون ربط الأمر بمشيئة الله تعالى وعونه، ولم ينسب الفضل في الطاعة والصبر إلى نفسه بل قال: ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]

تنفيذ الذبح وإتيان الفرج

وفي خطوة أخرى هي خطوة التنفيذ يتجلى ذبل الطاعة، وتتجلى قوة الإيمان وعظمة الرضا، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) ﴾ [الصافات: 103 - 111]

"لقد أسلما" وتلك حقيقة الإسلام ثقة وطاعة وتسليم وطمأنينة ورضا وتنفيذ يقول الشهيد سيد قطب - رحمه الله - في الظلال: "إنها ليست الشجاعة والجرأة، وليس الاندفاع والحماسة، لقد يندفع المجاهد في الميدان، يَقْتَل ويُقْتَل.. ولقد يندفع الفدائي وهو يعلم أنه ربما لا يعود، ولكن هذا كله شيء والذي يصنعه إبراهيم وإسماعيل هنا شيئا آخر. ليس هنا دم ،فائر، ولا حماسة دافعة ولا اندفاع في عجلة تخفي وراءها الخوف من الضعف والنكوص !! إنما هو الاستسلام الواعي المتعقل القاصد المريد، العارف بما يفعل المطمئن لما يكون لا بل هنا الرضا الهادئ المستبشر المتذوق للطاعة وطعمها الجميل !!

بذلك يكون إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قد نفذا الأمر والتكليف، ولم يعد باقياً إلا أن يذبح إبراهيم عليه السلام ولده؛ لأن إبراهيم قد جهز السكين وأخذ ولده وأكبه على جبينه استعداداً لوضع السكين على عنقه وذبحه، كما أن الغلام إسماعيل عليه السلام لم يتحرك امتناعا ولا خوفا في موقف حقيقي تنفيذي، عيانا بعد أن كان كلاماً ووعوداً وضع إبراهيم عليه السلام السكين على عنق ولده، ولم يبق إلا أن يذبحه ويريق دمه ويزهق روحه، ولكن الله تعالى لا يرضى تعذيب عبده ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ [النساء: 147]، إنما القصد هو الاختبار وقد اختبر الوالد والولد، فصيرا ونجحا في الاختبار، فلم يعد لله حاجة في التفريق بين الوالد والولد بهذا الذبح، لذا كان تفريج الكرب، وإزالة الهم والغم وزوال الشدة، وحدوث الفرج، وتحصيل الجائزة.

كان الامتحان- إذن- قد تم وظهرت نتائجه، وقد اجتازه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بنجاح، وظهر صدقهما، فاعتبرهما الله تعالى قد أديا وصدقا ونجحا وصبرا وثبتا، لذا جاء الفرج الإلهي من فوق السموات السبع ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: 104، 105]، أي حققت الرؤيا يا إبراهيم بالفعل، فالله لا يريد إلا الإسلام والاستسلام، بحيث لا يبقى في النفس ما تبخل به على خالقها وبارئها ولو كان الابن الوحيد فلذة الكبد وروح الفؤاد.

لقد جدت يا إبراهيم بكل شيء وبأعز شيء، جدت به في رضا، ولم يبق إلا الدم واللحم، وهذا ينوب عنه ذبح، أي ذبح من دم ولحم، وبذلك يفدي الله عز وجل هذا الغلام الذي أسلم واستسلم ونفذ بصدق، فقداه الله بكبش وجده إبراهيم عليه السلام مهيا بإرادة ربه وقدرته ليذبحه فداء لإسماعيل وبدلا منه، لأن الله لا يريد لعباده ألما نفسيا ولا بدنيا، وإنما أراد الابتلاء، ليصبر عباده، فيوفيهم أجورهم.

جزاء المحسنين الصابرين

لم يكن الفرج في فداء إسماعيل فقط بكبش ذبح بدلا منه، بل أجزل له ربه العطاء والجائزة والمكافاة لإحسانه ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: 105] جزاهم لصبرهم على البلاء جزاهم بترقية نفوسهم، وتزكيتها، وملئها بالرضا والإيمان، وبتخليد هذه الذكرى وصاحبيها إبراهيم الوالد وإسماعيل الولد عليهما السلام.

دروس تربوية

في قصة ابتلاء إبراهيم في ولده إسماعيل عليه السلام دروس للأمة وللناس قاطبة، على مر العصور والأجيال، ومن أهم هذه الدروس:

أولاً: أن الله عز وجل يبتلي أنبياءه وعباده الصالحين الذين يحبهم، فيعرضهم للمحن ليس بغرض الانتقام والتعذيب، وإنما بغرض الابتلاء والتدريب والتربية والترقية وتحصيل الثواب وزيادة الحسنات، وبلوغ الجنات ورفع الدرجات.

ثانيا: وجوب انقياد العباد لخالقهم طاعة واستسلاما وتسليما ويقينا ورضا، وإن كان في ظاهر ذلك ألما نفسيا أو جسديا.

ثالثاً، كل حب يجب أن يأتي بعد حب الله تعالى، فحب العبد لربه يجب أن يُقدم على حب أي شيء سواه، يجب أن يأتي بعد حب الله تعالى حب الولد والنفس والمال والأهل والدنيا والناس أجمعين هكذا فعل إبراهيم عليه السلام، حيث قدم حب ربه على كل حب، حتى لو أدى الأمر إلى ذبح ابنه حبيب قلبه، وإلى ذلك يوجهنا القرآن الكريم: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24]

فهل يعقل المسلمون - وخاصة الدعاة - هذا الأمر؟

ان من الدعاة من يظن أنه سيبلغ الجنة وينال رضوان الله تعالى دون أن يبذل ويضحي ودون أن يجاهد بكلمة حق، وربما يحيد عن الحق مخافة الناس والله أحق أن يخشاه !!

رابعا: ضرورة الاهتمام بإحسان تربية الأولاد، فلقد ربى إبراهيم ولده إسماعيل عليه السلام وأحسن تربيته، لذا كانت الثمرة الطاعة والانقياد والأجر والثواب.

أين الآباء من واجباتهم التربوية نحو أبنائهم، وقد أسلموا أولادهم للتلفاز والفضائيات ودور السينما والإنترنت وعزفوا عن تربيتهم على الإسلام وقيمه وأخلاقياته؟

خامساً لجوء من حرم نعمة الولد إلى الدعاء وتضرعهم إلى الله، وألا يكون دعاؤهم مقصوراً على طلب أي أولاد، وإنما يلحون في الدعاء بأن يرزقهم الله الذرية الصالحة، ذلك ما نتعلمه من دعوة إبراهيم عليه السلام ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 100] لأن الذرية إن لم تكن صالحة أزعجت الوالدين وكانت مصدر شقاء لهما وإزعاج، وذلك قد يؤدي إلى سقوطهما في أضعف الابتلاءات، بل وسقوط الجميع في أعين الناس !! ذلك أن حب الوالد لولده فطري وربما جعله ذلك يتهاون مع ابنه في كثير من الأمور التربوية، ومن ثم يكون الولد مصدر إرهاق وطغيان، وربما الضرر والعياذ بالله، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) ﴾ [الكهف: 80 - 82]

سادسا: التأسي بإبراهيم عليه السلام وغيره من الأنبياء والصالحين الصابرين قال تعالى، ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ﴾ [الممتحنة: 4]

سابعاً: من عاش لله كان في معيته ورعايته فقد استقرت هذه العقيدة في قلب إبراهيم عليه السلام، وتمكنت، فوجدناه صابرا على المحن، ومن ثم يسر الله له من الأسباب ما لم يخطر على باله، فهل كان يتوقع إبراهيم عليه السلام أن الله سيفدي ابنه بكبش عظيم بعد أن وضع السكين على عنقه؟!!

ثامناً: رقة خطاب الأب مع ابنه والهدوء أثناء تحاور الأب مع أبنائه، مهما عظم موضوع الحوار، ولنتدبر قول إبراهيم لإسماعيل عليهما السلام: "يا بني"، وهو نداء يشعل حباً ومودة وهدوءاً برغم أن العنوان الرئيس ذبح الأب لابنه !!

تاسعاً: النتيجة المنطقية لرقة خطاب الأب مع ابنه حسن أدب الابن مع أبيه ورقة خطابه معه أيضاً، فلقد كان رد إسماعيل على إبراهيم عليه السلام: ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: 102] ففي ندائه لأبيه بـ"يا أبت" المودة والقربي والطاعة والأدب.

فهل انتهى الآباء عن الصراخ في وجوه أبنائهم وممارسة العنف والقسوة، وإغلاق الحوار؟!

عاشرا: جزاء الصبر جزاءات، فقد أثمر صبر الوالد إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام جزاءات ،وثمرات، فقد خلدت الذكرى لتتعلم الأمة دروسًا عظيمة في الصبر وواجبات الأبوة وحقوق الأولاد، والفداء والتضحية، ولك أن تتصور فقط ذلك الخير العائد على البشرية من الأضحية التي صارت سنة للمسلم القادر في عيد الأضحى تخليدًا لهذه الذكرى العطرة، وكم من المسلمين الفقراء والأغنياء على السواء يستفيدون منها وتلك ثمرة فرعية واحدة لثمرة أصلية هي الأضحية!!

الرابط المختصر :