; أين كانت الكنيسة؟ (الحلقة السادسة) | مجلة المجتمع

العنوان أين كانت الكنيسة؟ (الحلقة السادسة)

عنوان تمهيدي حوار.. مع الشيوعيين في أقبية السجون

الكاتب عبدالحليم خفاجي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1973

مشاهدات 21

نشر في العدد 132

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 02-يناير-1973

﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾؟

  • الوثنية طمست إشراق المسيحية.
  • الخرافة طريق المادية والإلحاد.
  • موجة إيمان جديدة تغمر العالم.

قد رأينا كيف كانت أوروبا مسرحًا لتيارين من الفلسفة: المثالية والمادية، وكيف كانت المثالية هي المسؤولة عن ظهور تيار الفكر المادي كرد فعل لشطط المثالية في متعلقات قضية الألوهية، وأن هذه القصة قديمة قدم الفكر اليوناني نفسه وحديثة حداثة الفكر البشري ذاته؛ بمعنى أنها قضية كانت- وما زالت- وستظل ما وُجِد فريق من العلماء يقفون عند حدود الاستدلال على وجود الله تعالى ثم لا يفهمون أن لهذه الحقيقة مستلزماتها من ضرورة الوحي كقضية منطقية به يتم العلم البشري في جميع قضايا العقيدة وكليات الشريعة وكل ما يهدي البشرية سواء السبيل، وإلا- إذا حُرِمَت الوحي أو حادت عنه- تردت في شطحات المثالية على اختلاف صور هذه الشطحات تبعًا لاختلاف المستويات العلمية، فتكون الأزمة ويكون رد الفعل قاسيًا في صورة أفكار مادية لا تقف عند حدود قضية الألوهية لتبحث من جديد عن طريق، بل يسوقها الغضب المعمى إلى رفض القضية ككل مرة أخرى...

هكذا كان يتقلب الفكر في أوروبا بين ناري المثالية والمادية كالمستجير من الرمضاء بالنار.. فأين كانت الكنيسة من ذلك كله؟!

أما عن الكنيسة فقد تاهت في هذا الخضم من التيار الفلسفية! صحيح أنها ورثت بلاد الإغريق والرومان ولكنها ورثت معهما أوزارهما؛ فقد أصاب عقيدتها شرورُ الاتجاهين المثالي والمادي على السواء.. وظهرت عقيدة التثليث وتقديس الصليب والمخلفات، وحوت الكتب المقدسة أفكارًا عن الكون والحياة من وضع الشراح المتأثرين بالتيارات الفلسفية اعْتُبِرَت فيما بعد نصوصًا مقدسة لا يمكن معارضتها. وفي هذا يقول الكاتب الأمريكي «درابر» في كتابه «الدين والعلم»: "دخلت الوثنية والشرك النصرانية بتأثير المنافقين الذين تقلدوا وظائف خطيرة ومناصب عالية في الدولة الرومانية بتظاهرهم بالنصرانية، ولم يكونوا يحفلون بأمر الدين ولم يخلصوا لها يومًا من الأيام. وكذلك كان قسطنطين؛ فقد قضى عمره في الظلم والفجور ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلًا في آخر عمره سنة 337م.. إن الجماعة النصرانية وإن كانت قد بلغت من القوة بحيث ولت قسطنطين الملك لكنها لم تتمكن من أن تقطع دابر الوثنية وتقتلع جرثومتها، وكان نتيجة كفاحها أن اختلطت مبادئها ونشأ من ذلك دين جديد تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء".

وظلت العقيدة النصرانية تتلبس بالخلافات السياسية والعنصرية والطائفية تلبسها بالأساطير الوثنية والتصورات الفلسفية حتى وقعت الانقسامات فيما بينها، وإليكم مثالًا لذلك:

  • قالت فرقة: إن المسيح إنسان محض.
  • وقالت فرقة: إن الأب والابن وروح القدس إن هي إلا صور مختلفة أعلن الله بها نفسه للناس. فالله- بزعمهم- مركب من أقانيم ثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس (والابن هو المسيح)؛ فانحدر الله الذي هو الأب في صورة روح القدس وتجسد في مريم إنسانًا وولد منها في صورة يسوع!
  • وفرقة قالت: إن الابن ليس أزليًا كالأب بل هو مخلوق من قبل العالم، ولذلك هو دون الأب وخاضع له.
  • وفرقة: أنكرت كون روح القدس أقنومًا.

وقرر مجمع نيقية سنة 325م ومجمع القسطنطينية سنة 381م أن الابن وروح القدس مساويان للأب في وحدة اللاهوت، وأن الابن قد ولد منذ الأزل من الأب، وأن روح القدس منبثق من الأب.

وقرر مجمع طليطلة سنة 589م بأن روح القدس منبثق من الابن أيضًا، فاختلفت الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية عند هذه النقطة وظلتا مختلفتين.

كذلك ألهت جماعة منهم مريم كما ألهوا المسيح عليه السلام.

هذا هو ما آل إليه وضع الكنيسة.. ويعتبر القرآن الكريم- كما قال مؤلف «المثل الأعلى للأنبياء»- هو أول وثيقة تاريخية أشارت إلى تأثر النصرانية بالأفكار الفلسفية في عقيدة التثليث بعد أن كان مظنونًا أن التثليث قضية نصرانية محضة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ (التوبة: 30).

ومع أن الكنيسة ظلت صاحبة السلطان الظاهر في أوروبا لفترة طويلة، إلا أن السلطان الخفي والحقيقي كان لهذه الاتجاهات الفكرية.. المثالية والمادية على السواء، بما تركت من تأثير كبير في معتقدات الكنيسة انسحب أثره على الحياة بأسرها وعجل بنهايتها أمام زحف العلم القادم من الشرق..

«عصر النهضة».. «عصر التنوير».. «عصر الإنسان وأزمة الكنيسة»:

كلها أسماء أُطْلِقَت على الفترة التي بدأ فيها غزو الحضارة الإسلامية لأوروبا من جميع مراكز الاحتكاك مع المشرق: في الأندلس، في جنوب إيطاليا، في التجارة والسفارات، في الحروب الصليبية؛ حيث وجد الأوروبيون ما عليه المسلمون من وضوح العقيدة وبساطتها، ومن ازدهار العلوم وتقدمها، ومن حياة مفتوحة خالية من الحواجز الطبقية. فبدأت سلسلة التأثيرات تتوالى، وبدأت صيحات الحياة ترتفع في وجه هذا النظام العتيد المتمثل في الكنيسة والإقطاع، وشجع بعض الملوك هذه النهضة الفكرية حتى تخلصت العلوم في النهاية من سلطان الأديرة، ووجدت فرصتها في رحاب الجامعات التي أُنْشِئَت على غير هو الكنيسة، وأمامنا مثل ذلك.. الإمبراطور فريدريك الثاني الذي اعتلى عرش إيطاليا والذي كان يُلَقَّب بـ«أعجوبة الدنيا»، والذي كان في الوقت نفسه متمرداً على سلطة البابا؛ هذا الإمبراطور قام بدور كبير في التفاعل الثقافي بين الشرق والغرب حيث فتح بلاطه لعلماء المسلمين ومفكريهم، وذهب إعجابه بنهضتهم الفكرية إلى إدخال تقاليد العرب وعاداتهم في بلاطه، ثم أسس جامعة نابولي سنة 1224م، حيث كانت تُدَرَّس فلسفة ابن رشد وفلسفة أرسطو المنقولة بواسطة المترجمين المسلمين، واعتمد في هذه الجامعة على الدروس التي وضعها ابن سينا والرازي وسائر أقطاب العلم والفلسفة من المسلمين.

والإمبراطور فريدريك هو الذي أمر بترجمة فلسفة أرسطو وتعليقات ابن رشد عليها، وهو الذي أدخل الأرقام العربية وعلم الجبر إلى أوروبا.. وكانَت جامعة نابولي وساليرنو هما النافذتان اللتان تسربت منهما النهضة الفكرية إلى جميع أرجاء أوروبا عن طريق جامعات باريس وبولونيا وأكسفورد.. هذا مثل واحد بالإضافة إلى نواحي التأثير الأخرى.

وبدأت أوروبا تستيقظ من سباتها لترى واقعها الأليم في قبضة الكنيسة والإقطاع يتحديان كل عقل وكل منطق للعدل أو الإنسانية، ويقفان بالمرصاد في وجه كل تغيير تهب ريحه من الشرق في الأفكار أو في الحياة الاجتماعية.. وإلصاق تهمة الكفر بالعلماء الذين رفعوا مشاعل العلم ليبددوا بها ظلمات الجهل.

وأخذت المعركة تشتد بين رسل النهضة ورجال الكنيسة والإقطاع، وحمل إلينا التارِيخ أروع قصص البطولة والفداء من جانب وأخس أنواع العذاب الذي تعرض له المفكرون الأحرار من جانب آخر.. وحمي وطيس المعركة وزادتها دماء الأحرار اشتعالاً.

حلف المثالية والمادية ضد الكنيسة:

نشطت أولاً الاتجاهات المثالية في الفلسفة تحاول انتزاع سلطان الكنيسة وتحرير المعتقدات من قبضة النصوص المتحجرة.. وللأسف الطبيعي الكامن في منهج الفلسفة المثالية على ما سبق ذكره، فقد ذهبت تتخبط في متاهاتها القديمة ولكن بأساليب جديدة تتناسب وعصر النهضة.. وكانت على العموم في مركز أحسن من مركز الكنيسة يسمح لها برفع راية الهجوم عليها نظراً لتاريخها الطويل الأليم ورصيدها السيء في النفوس..

وكانت الاتجاهات المثالية عموماً تسير في اتجاهين:

1.      اتجاه مثالي يؤيد الدين ويطالب بنبذ ما أدخلته الكنيسة والاعتماد على الكتاب المقدس وحده، والعودة السلطان للعقل وحده بصرف النظر عن كل ما جاء في الكتب المقدسة.

2.      ودخلت الفلسفة المادية المعركة بجوار الاتجاه المثالي من نافذة المنهج التجريبي في العلم.. ذلك أن المنهج التجريبي قد انتزع من الفلسفة المثالية بشقيها كافة الفروع التي كانت تختص بها وتدرسها دراسة نظرية، وخاصة جميع العلوم التي لا تتعلق بالإلهيات.. وكان ذلك استجابة للروح العلمية التجريبية التي كانت سائدة بين علماء المسلمين مما جعل هذه العلوم تتقدم على أيديهم تقدماً كبيراً حتى أن الرازي وهو من علماء المسلمين في الطب كان يُلَقَّب بـ«المجرب»، وكان رائد الأسلوب التجريبي هو «بيكون» الذي يعتبره إقبال رائداً من رواد العلم والمنهج الإسلاميين إلى أوروبا المسيحية، والملاحظ عنه أنه كان يجيد اللغة العربية.

المهم أن الناس قد بدأوا يضعون أقدامهم على أرض ثابتة بعد أن وجدوا من الجرأة ما شجعهم على أن يلمسوا بأيديهم ويختبروا بأنفسهم ما كانوا يعالجونه طويلاً من خلال الفكر النظري وحده.. وهالهم اختلاف النتائج بين ما تسوقهم إليه الأبحاث العلمية وبين ما تحت أيديهم من معلومات وليدة الدراسة النظرية التقليدية، بل وصل الأمر إلى حد أن تناقضت النتائج العلمية مع باقي متون الكتب المقدسة من معتقدات؛ فبدأ الشك في العقائد الموروثة يتطرق إلى القلوب، وسهل من أمر الشك ما لرجال الكنيسة من رصيد سيء في النفوس، وانتشر الافتتان بالعلم وبكل ما تدركه الحواس، وهوجمت كل العقائد التي لا تأتي من هذا السبيل.. وحظيت الكنيسة بالقسط الأوفر من هذا الهجوم.. ألم يكن أحد شعارات الثورة الفرنسية: «اشنقوا آخر قسيس بأمعاء آخر ملك»؟!

ومن هذه الثغرة دلفت الفلسفة المادية وظهرت إلى المسرح ظاهراً سافراً حيث استغلت هذه العداوة بين فروع العلم الوليد والكنيسة، واتخذت من عداوة الكنيسة أرضاً خصبة لتبذر فيها الشك والإلحاد مؤسساً على دعوة العلم.. تلك الكلمة التي كان لها سحرها في النفوس.. واتخذت من الاكتشافات العلمية سلاحاً يقوي منطقها ويزري بمنطق الكنيسة، وساعدتها ظروف القرن التاسع عشر على ذلك.. ويجمل الأستاذ العقاد في «عقائد المفكرين» الأسباب التي عملت ميلها في نشر موجة الشك والإنكار في هذه الفترة مما ساعد على ارتفاع صوت المادية في خمسة:

1-     مسألة دوران الأرض.

2-     مسألة القوانين المادية.

3-     مسألة التطور.

4-     مسألة الأديان المقارنة.

5-     مسألة الشر وعلاقتها بالقدرة الإلهية.

المثالية والمادية بين التحالف والتعارف:

فرغم أن الاتجاهات المثالية والمادية عملتا معاً في جبهة واحدة ضد سلطان الكنيسة، إلا أن الأيام باعدت بينهما؛ حيث عمل الاتجاه المادي بعد ذلك مستقلاً ضد الاتجاهات المثالية عموماً، أي ضد الكنيسة والفلسفة المثالية معاً، باعتبار ذلك كله تفكيراً مثالياً من زاوية المادية، ساق الناس إلى متاهات فكرية أورثتهم الحيرة والشطط، وباعدت بينهم وبين الواقع المحيط.. أليست المادية هي دائماً رد فعل المثالية وهي التعبير عن أزمتها؟!

وقد مال الفكر في القرن التاسع عشر إلى الاتجاه المادي، أي إلى سيادة الطبيعة على العقل والدين.. وإلى استغلال الواقع كمصدر للمعرفة اليقينية إزاء الدين والعقل..

وتميز القرن التاسع عشر بأنه عصر «الوضعية»، وكان على أثر اندفاع أوروبا وراء بيكون وأن تثق بالعلم ولا تعتبر سوى التجربة؛ أن ظهر الفيلسوف الفرنسي «كونت» في القرن التاسع عشر (1798 - 1857م) فأسس المذهب الوضعي، وهي فلسفة لا تعتبر شيئاً حقيقياً وواقعياً إلا ذلك الموضوع الوضعي الذي جاء أثر التجارب الحسية وأمكن اختباره بالحس.

والطبيعة، والحقيقة، والواقع، والحس كلها سواء في نظر الوضعيين؛ واعتبار الطبيعة هي التي تنقش الحقيقة في ذهن الإنسان وما يأتي من خارج الطبيعة وهو خداع وليس حقيقة، وما يصوره العقل من نفسه وهم وتخيل للحقيقة وليس حقيقة.

وبناءً على ذلك، فالدين وما فيه من وحي (ما بعد الطبيعة) خداع.

والمثالية العقلية وهم لا يتصل بحقيقة هذا الوجود الطبيعي؛ إذ هي تصورات الإنسان عن نفسه من غير أن يستلهم فيها الطبيعة المنظورة التي يعيش فيها وتدور حوله. إن عقل الإنسان- أي ما فيه من معرفة- وليد الطبيعة التي تتمثل في الوراثة والبيئة وفي الحياة الاقتصادية والاجتماعية.. إنه مخلوق ولكن خالقه هو الوجود الحسي.. إنه يفكر ولكن عن تفاعل مع الوجود المحيط به.. إنه مقيد مجبر وصانع القيد والجبر هو حياته المادية.. ليس هناك عقل سابق، كما أنه ليست هناك معرفة سابقة للإنسان.. عقل الإنسان ومعرفته يوجدان تبعاً لوجود الإنسان.. هما انطباع لحياته الحسية المادية..

وطريق الإنسان في حياته الطبيعية يبتدئ بالفرد وينتهي بالجماعة، ومن ثم فالفرد نفسه ليس لغاية.. وحياتــه التي يعيشها ليست هدفاً لسعيه.. إنما غايته الأخيرة التي يجب أن يسعى إليها ويذهب فيها كما يذهب العابد في معبوده هي «الجماعة»! وطالما كانت الجماعة هي غاية الفرد الأخيرة فهي معبوده، وتذهب حريته لتبقى لها الحرية، وتفنى حياته لتبقى لها حياتها.

ماركس وإنجلز وسط العواصف:

وفي داخل المذهب الوضعي تتدرج صور التفكير المادي، وقد تأثر ماركس وإنجلز بمادية فيورباخ، ويقول إنجلز: «إن مسألة علاقة الفكر بالكائن أو علاقة العقل بالطبيعة هي المسألة العليا في كل فلسفة، وكان الفلاسفة تبعًا للإجابة على هذه المسألة ينقسمون إلى معسكرين كبيرين؛ فأولئك الذين كانوا يؤكدون تقدم العقل على الطبيعة ينتمون إلى مختلف مدارس المادية».

وتتابعت أقوال ماركس في هذا الاتجاه فنراه يقول: «إن الأفكار لا يبتدعها دماغ الإنسان، وهذا الدماغ ليس إلا مادة دقيقة التركيب وهو جزء من الجسم يعكس مؤثرات العالم الخارجي»، ويقول: «إن وحدة العالم لا تقوم على وجوده بل وحدته الحقيقية تقوم على ماديته، فإن قيل: وما شأن الفكر والشعور ومن أين جاءا؟! وقلنا: إنهما ثمرة المخ وأن الإنسان نفسه ثمرة الطبيعة».. ومن بعد ماركس قال لينين: «إن لوحة العالم هي لوحة تبين كيف تتحرك المادة وكيف تفكر المادة».

  • هذا هو الجو الفكري والاجتماعي العاصف الذي انزوت فيه الكنيسة، وسقط الإقطاع، وفشلت الاتجاهات المثالية، وانتشرت الفلسفات المادية التي كان أبرزها المادية الجدلية على يد ماركس.
  • ولقد شاهد ماركس نهاية عصر مملوء بالأسى وبداية عصر متفتح بالأمل، واختار أسلحة العصر التقليدية وعلى رأسها المادية، وقد تأثر بمادية فيورباخ وجدل هيجل وصاغ منهما فلسفة حية متماسكة، ولذلك يقولون: "لو لم يوجد هيجل وفيورباخ لما وجد ماركس"، ومن ثم فإنه فلسفته المادية لم تخرج عن الصورة الفكرية الشائعة في عصره.. ورغم أن ماركس حاول في بادئ الأمر أن يطرح عن الفلسفة مهمة التفسير- كمذهب يعالج مجموعة من قضايا حول الإنسان والعالم والمصير- وأن يقصر وظيفتها على التغيير (أي على قيامها بمهمتها كمنهج يرسم طريقًا للتفكير والعمل فقط)، إلا أنه لم يستطع وراح يدلي بفلسفة قائمة على التفسير؛ حيث أدلى بمجموعة أقوال عن الإنسان والعالم والمصير. وهذا يؤكد القول القائل: "إن الإنسان لا يملك أن ينعزل عن أن يكون له نوع اعتقاد في الحياة من حوله".

وكون ماركس لم يخرج في مجموع فلسفته عن الصورة الفكرية الشائعة في عصره يكشف عن نقطة ضعف كامنة في شخصيته؛ لأنه لم يبعد في نظره للأمور عن الفهم الجزئي.. وكان في استطاعته أن يكون أكبر من ذلك شمولًا وأكثر عمقًا لو تخير الصواب أَنَّى وجده سواء أكان في جانب المثالية أم في جانب المادية.. وكان هذا الصواب يتمثل في أن مع المثالية نقطة بدء صحيحة وسليمة وهي الاعتقاد في وجود الخالق جل وعلا، وما عدا هذه الحقيقة المجردة فقد تنكبت فيه بالفعل سواء السبيل.. كما أن المادية دلفت من نقطة بدء صحيحة وسليمة وهي الاعتماد على المنهج التجريبي، وبين هاتين النقطتين الصحيحتين تأخذ مختلف الحقائق العلمية وضعًا جديدًا.. ويأخذ علاج القضايا الإنسانية نهجًا جديدًا لا ينافي حقًا ولا يضيع مصلحة.. ولكن ماركس لم يفعل، بل لم يستطع، فكان في مجمله ممثلًا لروح العوام الساخطة، لا لروح العلماء المدققة المنصفة المرتفعة على الظروف الوقتية؛ ولذلك فإن علة الأمر تكمن في وجوب دراسة نفسيته التي دفعته إلى هذا الاختيار الأبتر.

والفصل الذي خصصه الأستاذ العقاد في كتابه «الشيوعية والإنسانية» عن حياة ماركس وأخلاقه عظيم القيمة؛ لأنه يفسر لنا نقطة الضعف هذه التي تلبست بعبقريته فأخرجت هذا المولود المشوه: «الشيوعية»، على أساس من المادية، تلك المادية التي نجدها مبعثرة بين كتب «فقر الفلسفة»، و«فيورباخ ونهاية الفلسفة الألمانية الكلاسيكية»، و«جدل الطبيعة»، و«الرد على دورنج».

بيئة.. وبيئة

واليوم تتحمل البشرية كلها أوزار هذه الاتجاهات المنحرفة والقاصرة في المثالية والمادية على حد سواء. والذي يدعو إلى الدهشة أن البيئة الإسلامية- قبل موجات الاستعمار- قد برئت من هذه الصورة القاسية من الصراع الفكري والاجتماعي الذي عاشت فيه أوروبا.. رغم أنها أرسخ منها قدمًا في جميع ميادين العلم، ولا غرابة في ذلك؛ فالفضل يعود لوجود الكتاب والسنة مَعِينَي العاطفة العقائدية الواضحة والشريعة العادلة، مما أعطى المسلمين هداية عصمتهم من نهايات أليمة من الشطط والانحراف.. فقد كانوا دائمًا على ذكر بالمدى الذي يبلغه الإنسان بوسائله العلمية في أمور العقيدة، وبالمدى الذي يبلغه من المعرفة عن طريق الوحي على رسول أمين، ولا تعارض بين الوسيلتين، ومن هنا عاشت الشخصية المسلمة في مأمن من هذه المتاهة الفكرية التي انعكس أثرها على الأوضاع الاجتماعية...

ولا يؤثر في نصاعة هذه الصورة ما حدث من تأثير جزئي نتيجة ترجمة الفلسفة اليونانية على بعض الاتجاهات الفكرية التي بدأت تفكر بالعقلية المثالية في أمر الخالق وصفاته وأفعاله وأمر الروح والبعث والجزاء.. ولكن هذه التيار ظلت ضعيفة في خضم التفكير الإسلامي المتزن، وفي ظل يقظة العلماء والفقهاء الذين نبهوا إلى نقطة الخطر ونقطة الأمان في هذا اللون من التفكير الذي لم يجرف إلا قلة لم تترك أثرًا. وفيما على سطح الحياة الإسلامية، كتب الإمام الغزالي وابن القيم وغيرهما تذكيرًا بأن محنة الفلسفة جاءت من ولوجها إلى موضوع الإلهيات بلا عاصم من وحي.. وبفضل ذلك كله لم تجد البيئة الإسلامية نفسها في احتياج إلى قضايا الفلسفة المثالية في أمر عقيدتها، كما لم تجد نفسها متبعة لأسلوبها الوصفي أو النظري في علوم الطبيعة والكيمياء والطب وغيرها.. فهي لم تصدر عن تعصب، وإنما لم يعش بينها لأنه لم يجد فراغًا يملأه ويفرض بعده سلطانه على الحياة..

ومن هنا لم تكن البيئة الإسلامية محتاجة في أمور عقيدتها حتى إلى اصطلاح الفلسفة؛ فهي غنية بموضوعها وباصطلاحاتها التي تولدت على أصولها الإيمانية، ولم تكن كلمة «الفلسفة» من بينها، وإنما كانت دائمًا للإشارة إلى فكر السابقين من الأمم التي حُرِمَت نعمة الوحي.

ولم تكد نفس قضايا الفلسفة اليونانية تنتقل إلى أوروبا عن طريق علماء المسلمين حتى صادفت جسمًا عليلًا متقبلًا للمرض، وصادفت فراغًا راحَت تملؤه، فأضرت أكثر مما أفادت؛ لأنها عملت في أوروبا كتيارات فكرية أصيلة في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية سيئة، فأفسدت من حيث ظنت أنها تصلح، وكان لها رد فعل قاسٍ في صورة الاتجاهات المادية على ما سبق ذكره، الأمر الذي برئت منه البيئة الإسلامية.

واليوم ونحن في القرن العشرين.. وموجة الإيمان بالله تتصاعد يومًا بعد يوم، وعشرات الكتب التي تبحث في العقيدة على ضوء التقدم العلمي تصدر تباعًا، نجد أن الدائرة بدأت تدور على الفكر المادي الذي أخذ يتوارى في خجل أمام نور الحقائق..

فهل معنى ذلك أن الخطر في طريقه إلى الزوال حتى لو وصل الأمر إلى انقراض التفكير المادي كلية؟ تجارب التاريخ الطويل تقول: لا!؛ لأن الاعتقاد في وجود الله مجردًا لا يفي ولا يعصم من الزلل؛ لأن إبليس نفسه لم يكن يجهل وجود الله ولكنه لم يكن يطيعه.. كما أن علمنا بهذه الحقيقة سيحرك في النفوس كل الأسئلة السابقة عن الله وصفاته وصلته بخلقه، وعن الحياة والموت والحساب، وعما تستلزم الأوضاع من تغيير.. فهل سنترك أنفسنا للتخمينات والظنون وتعود للمثاليات سيرتها الأولى ويعود للحياة ضلالها القديم؟! أم سنسلك طريق الهدى بمعرفة دور العقل وضرورة الوحي لتنجينا من ردود الأفعال؟!

والآن: هل الوجود مادة فقط؟! وكيف نشأت الحياة؟!

الرابط المختصر :