العنوان من دلالات ودروس المعجزة الخالدة .. «الإسراء والمعراج»
الكاتب محمد عبدالله الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1996
مشاهدات 80
نشر في العدد 1228
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 03-ديسمبر-1996
- إن لذكرى الإسراء والمعراج دلالات بالغة الأثر في أوضاعنا الحاضرة.. ما أشد افتقارنا إلى فقهها والوقوف عندها طويلًا
كان الإسراء والمعراج نفحة من نفحات الفرج، بعد اشتداد الأزمات والمحن والكروب على سيد الدعاة صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين، فقد كان في ذلك العام الذي ابتلي فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم بفقد زوجه وزيرة الصدق، مخففة الآلام والأحزان، الآلام التي كان يلقاها من المتكبرين الطغاة من ملأ قريش الذين كان يدعوهم إلى النجاة، ويأبون إلا النار، ثم فقد عمه المطاع في قومه، المدافع عنه العزيز في حسبه، لقد كان صخرة أمام عدوان قريش ووثنيتها وافتراءاتها وإجرامها، يحول بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تلاحقت هذه المحن المريرة القاسية، ثم جاءت محنة المقاطعة الصارمة، سياسة التجويع، لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، فكان الصبر الجميل، والاحتمال لنوازع البلاء، ومواجهة للأحداث بحكمة، وسياسة رحيمة تجعل من العدو البعيد قريبًا، ومن السفيه عاقلًا.
نعم لقد حزن النبي صلى الله عليه وسلم لموت عمه أبي طالب حزنًا شديدًا، فقد أصبحت قريش لا تهاب أحدًا بعده، جاء في الحديث: «ما نالت مني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب»، لقد تمادت مكة - في هذه الفترة . في حربها لرسول الله حتى بلغت نهايتها، ولم يبق في هذه النفوس أي ذرة من خير، كما اشتد حزنه صلى الله عليه وسلم لموت صدِّيقة النساء خديجة التي تحملت معه الكيد كله، وانتقلت إلى ربها وقد تجاوزت الخامسة والستين، وقد ذكرها صلى الله عليه وسلم بالخير طوال حياته، وهذا من الوفاء.
وجاء بعد هذا الموقف العجيب من أهل الطائف، وردهم الرد المنكر، الرد الخسيس غير المعهود من طباع عند العرب، وهنا كانت الشكوى والضراعة إلى الله عز وجل، وما أحوج المسلمين اليوم - وقد أحيط بهم – أن يقفوا أمام باب الله سبحانه وتعالى، يطرقونه، ويديمون الطرق، ويستغيثون بربهم، ويكثرون من الضراعة «فإن دعاء السحر، سهام القدر».
وفي الطائف استغاث النبي صلى الله عليه وسلم بجبار السماوات والأرض، استغاث بمقلب القلوب الذي يعلم السر وأخفى، وهتف به من أعماقه يقول: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين وأنت رب المستضعفين، وأنت ربي.. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي.. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علي غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك».
إن أحق الناس وأفضل الناس بقيادة الدنيا في كل زمان ومكان هم حملة المنهج الإلهي، وهم إما مبعدون عنها، أو مطاردون فيها، لقد لفظت مكة خيرة أهلها والأمناء عليها فهاجر بعضهم إلى الحبشة وتحمل بعضهم الأهوال، ومعاناة العذاب والبلاء، وأكره البعض على الحياة في شعف الجبال.
والعجيب أن كل من في مكة آمن، ووجوده قانوني ومشروع، فبيوت الربا تعمل عملها، والرايات على البيوت تعلن عن الفسق والزنى والفجور، ودنان الخمر تملأ الحانات والطرقات، كل شيء آمن إلا خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ومن معه من الأبرار، وجودهم غريب، وحياتهم مهددة، لا أمان لهم، مصالحهم مصادرة، ونبيهم يوضع الأذى على رأسه وهو يصلي عند الكعبة، وقريش تسخر وتتمايل من الضحك وتهزأ برسول الله ا صلى الله عليه وسلم، لا بأس إن تنكر للمؤمنين ولسيد الخلق أشرار مكة وفجارها، فإن رحمة الله تحيط بهم، وتتفتح لهم، وهذا وعد الله عز وجل.
وفي ظلمات هذه الليالي الحالكة سطعت أنوار نفحات الرحمة الإلهية، وتفتحت تجليات العلي القدير، هبط أمين الوحي جبريل عليه السلام، وأخذ بيد سيد الدعاة صلى الله عليه وسلم ميممًا بيت المقدس وصاعدًا به إلى السموات العلا، حتى وصلا مرتبة وقف عندها جبريل، وتقدم سيد الخلق حتى دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى.
هناك فاضت التجليات الإلهية، والفيوضات الربانية: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾ (النجم: 10، 11، 12).
لقد نال صلى الله عليه وسلم ما نال، وسعد بما سعد، وناجى وشهد، وقرب واقترب.
وهنا جرى في الملا الأعلى استقدام الحبيب إلى منزل التشريف والتكريم وأشرقت شموس الفرج تملأ ما بين السماء والأرض، فأسرى الله بعبده محمد صلى الله عليه وسلم ليرى من آيات ربه الكبرى وليشاهد من عجائب ملكه ما لم يره أحد من خلقه، وعلمه ما لم يعلم، وأثلج قلبه، وجعل له من لدنه سلطانًا نصيرًا.
إن فيوضات الله لا تنقطع إلى يوم القيامة، إنها مستمرة متوجهة إلى أهلها، ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (فاطر: 2)، وهذه الآية صورة من قدر الله حين يستقر في قلوب المؤمنين يتم فيها تحول في كل شيء، إنها تقطعه عن مظنة أي رحمة في السماوات والأرض، وتصله برحمة الله وحده، وتغلق كل الأبواب وتفتح باب الله وحده، وعندها لا يشعر الإنسان بالشدائد أو بالضيق، بل يشعر بالرخاء والراحة والسعادة لأن الله فتح له أبواب رحمته فمن يمسكها؟؟
ورحمة الله لا تعز على طالب في أي مكان ولا في أي حال، وجدها إبراهيم عليه السلام في النار، ووجدها يوسف عليه السلام في الجب كما وجدها في السجن، ووجدها يونس - عليه السلام - في بطن الحوت في ظلمات ثلاث، ووجدها موسى - عليه السلام – في اليم وهو طفل مجرد من كل قوة ومن كل حراسة، كما وجدها في قصر فرعون وهو عدو له يتربص به ويبحث عنه، ووجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في القصور والدور، فقال بعضهم لبعض: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ (الكهف: 16)، ووجدها الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار والقوم يتعقبونهما ويقصون الآثار، ووجدها كل من آوى إليها يأسًا من كل ما سواها، منقطعًا عن كل شبهة في قوة، وعن كل مظنة في رحمة، قاصدًا باب الله وحده دون الأبواب، ووجدها صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعاب مكة، وفي الطائف، وفي شعب أبي طالب، وما بين الناس ورحمة الله إلا أن يطلبوها مباشرة، بلا وساطة ولا وسيلة، إلا التوجه إليه في طاعة وفي رجاء وفي ثقة وفي استسلام.
ونريد من هذه المعجزة أن نبحث عن مغزاها وفائدتها في حياتنا العلمية والعملية، ذلك أن هذه الذكرى تتصل بحياتنا العامة أوثق اتصال، ونحتاج إليها في مشاكلنا القائمة أشد الحاجة.
دلالات و دروس
والحق أن لها دلالات بالغة الأثر في أوضاعنا الحاضرة وفيها دروس دينية وأخلاقية وسياسية واجتماعية، ما أشد افتقارنا إلى فقهها والوقوف عندها طويلًا.. ومنها:
1 - صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في نبوته ودعوته وثقته بالحق الذي جاء به وأنه رسول من رب العالمين، إنه تمحيص اليقين، وامتحان ثبوت العقيدة في وجدانه، فالمؤمن الصادق الإيمان لا يزعزع من يقينه أخطر الأحداث ولا أبعدها أثرًا في الحياة.
فقد قص صلى الله عليه وسلم القصة على أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها وقال: «مثل لي النبيون فصليت بهم»، ثم قام ليخرج إلى المسجد، فتشبثت أم هانئ بثوبه، فقال: مالك؟ قالت: أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم، قال: وإن كذبوني، فخرج فجلس إليه «أبو جهل»، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث الإسراء، فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب ابن لؤي هلم، فحدثهم، فبين مصفق وواضع يده على رأسه تعجبًا وإنكارًا، وارتد ناس ممن كان آمن به.
وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقال: أو قد قال ذلك؟ قالوا نعم، قال: فأنا أشهد لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أتصدقه في أن يأتي في الشام في ليلة واحدة ثم يرجع إلى مكة قبل أن يصبح؟ قال: نعم أنا أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء؟ فسمي الصديق، وكان منهم من سافر إلى بيت المقدس فطلبوا إليه وصف المسجد، فجلي له فطفق ينظر إليه وينعته لهم، فقالوا: أما النعت فقد أصاب، فقالوا: أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها وأموالها وقال: «تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق»، فخرجوا ينشدون ذلك اليوم نحو الثنية - لمراقبة مقدم العير - فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد أشرقت، فقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد.. ثم لم يؤمنوا.
وفي التعليق على هذه الحادثة، يقول صاحب الظلال رحمه الله: «إن طبيعة النبوة هي الاتصال بالملأ الأعلى - على غير قياس أو عادة لبقية البشر – وهذا التجلي في ليلة الإسراء والمعراج بوسيلة معلومة أو مجهولة ليست أغرب من الاتصال بالملأ الأعلى والتلقي عنه، وقد صدق أبو بكر رضي الله عنه وهو يرد مسألة الإسراء المستغربة عند قريش إلى بساطتها وطبيعتها فيقول: إني لأصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء».
كما يلاحظ أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه، لم يسمع لتخوف أم هاني رضي الله عنها من تكذيب القوم له بسبب غرابة الواقعة، فإن ثقة النبي صلى الله عليه وسلم بالحق الذي جاء به، والحق الذي وقع له جعله يصارح القوم بما رأى كائنًا ما كان رأيهم فيه، وقد ارتد بعضهم فعلًا، واتخذها بعضهم مادة للسخرية والتشكيك، وهذا مثل لأصحاب الدعوات أن يجهروا بالحق كاملًا ولا يخشون وقعه في النفوس، ولا يتملقون به أحدًا، ولا يتحسسون مواضع الرضا والاستحسان.
2 – وحدة الأديان الإلهية: ومن أهم ما ترمز إليه هذه الحادثة من النواحي الدينية أنها تشير إلى وحدة الأديان الإلهية، وأخوة الرسل والأنبياء، فما الأديان الإلهية إلا رسالات من الله للناس متتابعة تهدف جميعًا إلى غاية واحدة وهدف واحد وهو إسعاد الناس، وما يزيد المتأخر على المتقدم منها إلا أنه أكثر تفصيلًا، وألصق بتطور الحياة والعقلية والإنسانية من سابقه، والله الذي خلق عباده لا يرضى أن تكون رسالاته إليهم سبب شقائهم واقتتالهم، فإذا فعل الناس ذلك فإنما يفعلونه عن جهل بغايات الأديان، وابتعاد عن سنن الرسل، وإلى هذه الوحدة وهذا الإخاء يرمز لقاء النبي صلى الله عليه وسلم للأنبياء مجتمعين في بيت المقدس ليلة الإسراء، وصلاته بهم واقتداؤهم به، وما أجمله من رمز وما أغلاه من درس! لو وعيناه لما ترك في تاريخنا وحياتنا الدينية ثغرات ينفذ منها شيطان التفرقة والعداوة، ويستغلها أعداء الأمة من مستعمرين ومفسدين.
نحن مسلمون والحمد لله، وقد وعدنا الله النصر في الدنيا والنجاة في الآخرة ليوم يقوم فيه الأشهاد، واليوم ننظر حولنا، فترانا أسوأ الأمم حالًا في جميع بقاع الأرض، في كل ناحية من نواحي الحياة الخاصة والعامة، فنسأل أین نصر الله الموعود؟؟
وقبل أن نسأل هذا السؤال كان لزامًا علينا أن نسأل أنفسنا: أنحن مؤمنون حقًا، قولًا وعملًا وسلوكًا والتزامًا، حتى يتحقق فينا نصر الله؟ فإن صدقنا مع أنفسنا لأيقنا بأن وعد الله حق، ولكننا نحن الذين أخرنا وعد الله، نحن العقبة أمام نصر الله، إن الإهمال والتراخي، والانصراف، وعدم الجد هو السبب في حال أمتنا وما هي فيه، وعندما نكون على المستوى الإيماني الحق، فلسنا في حاجة إلى هذا السؤال، لأن نصر الله ووعده سيأتي من غير شك وعلى غير انتظار ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ (محمد: 7).
3- حكمة الصلاة وأسرارها: ومما ترمز إليه ذكرى الإسراء من الناحية الدينية، أن الصلاة، وقد فرضت في هذه الرحلة العجيبة من الأرض إلى السماء، ليست في نظر الإسلام إلا معراجًا روحيًا، تعرج روح المسلم كل يوم خمس مرات من عالم المادة إلى عالم السمو والطهر، فليست الصلاة طقوسًا ولا حركات آلية لا يعقل لها معنى، وإنما هي مدرسة تربي المؤمنين على أنبل معاني الخير والحب والفضيلة في زحمة الحياة وصخبها وشرورها، وما أحوجنا إلى مثل هذه التربية، تصلح ما اعوج من سلوكنا،
وتطهر ما علق بمجتمعنا من أوزار وشرور.. نعم إن الإسراء والمعراج درس لكل مسلم في أن يكون لقلبه معراج سماوي فوق هذه الدنيا ليشهد ببصيرته أنوار الحق، وجمال الخير، ومتى استنار القلب كان حيًا في صاحبه، وفريضة الصلاة التي شرعت في السماء لتكون معراجًا يرقى بالمؤمنين إشارة إلى هذا المعنى، وعلامة صدق الصلاة أنها تحفظ صاحبها من السقوط والتدني، وأن تجعله ينهض إذا ألم بشيء من نقائص الدنيا، والصلاة طهور للمؤمن، تزيل ما يعلق بالقلب والنفس من الهفوات.
جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري: «فتنة الرجل في أهله وماله وولده ونفسه وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
وفي الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بقوله: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا، لا يبقى من درنه شيء، فقال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا».
4 – إن مشاهد هذه المعجزة طراز عجيب، يرمز به إلى تحسين الأعمال في هذه الحياة، وقد روت السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في رحلة الإسراء والمعراج هذه الأعمال وهي ترمز لجزاء الصالحين وعاقبة الضالين والمفسدين:
أ – صورة أهل الغيبة:
جاء في حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا: «لما عرج بي ربي عز وجل، مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» أخرجه أحمد وأبو داود وسنده صحيح.
ب . سلامة الفطرة:
ويقول صلى الله عليه وسلم: «فجاءني جبريل بإناء من خمر، وإناء من لبن، فأخذت اللبن، فقال جبريل: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك»، رواه ابن حبان في صحيحه.
جـ – منزلة المجاهد:
ومر صلى الله عليه وسلم على قوم يزرعون ويحصدون في كل يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فسأل: ما هذا؟ قال جبريل: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تضاعف لهم الحسنة سبعمائة ضعف.
ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: ما هذا؟ قال جبريل: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة.
ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر، ولحم آخر نيئ في قدر خبيث، فجعلوا يأكلون النيئ الخبيث ويدعون النضيج، فقال: ما هؤلاء؟ قال جبريل: الرجل تكون عنده المرأة الحلال الطيب، فيأتي امرأة خبيثة، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالًا طيبًا فتأتي رجلًا خبيثًا.
ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها، وهو يزيد عليها فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل تكون عليه أمانات الناس لا يقدر على أدائها، وهو يريد أن يحمل عليها.
ثم رأى نساء معلقات من ثديهن، فسأل فقال جبريل: هؤلاء أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم.
ه . أصول الجرائم الاجتماعية: ومن دروس هذه الذكرى الخالدة الإشارة إلى أكبر الجرائم الاجتماعية وأشدها خطرًا على الأفراد والجماهير، فقد تحدثت قصة الإسراء عن الزناة والمرابين والمنافقين من دعاة الإصلاح.
أما الزناة فقد صورتهم القصة أبلغ تصوير إذ كانوا يأكلون لحمًا نتنًا قذرًا، ويعرضون عن لحم طيب شهي.. وهكذا عبيد الشهوات في الحياة.. يعرضون عن جو الزوجية الهانئة السعيدة ليعيشوا في أقذار منتنة من استباحة الأعراض وانتهاك الحرمات.
وأما المرابون فما أروع ما صورتهم به القصة، إذ كانوا يسبحون في نهر من دم كلما أرادوا أن يخرجوا منه ضربوا بأحجار تشدخ رؤوسهم وتردهم إلى الدماء مرة أخرى! أجل إن هؤلاء المستغلين وأمثالهم من المستثمرين لجهود الجماهير العاملة الذين يغرقون في الترف والنعيم على بؤس الأمة وشقائها.. إنهم ليغرقون في دماء الشعب التي اعتصروها من جهود عماله وفقرائه، وإن لقمة العيش التي انتزعوها من أفواه الأبناء والبنات والأمهات لتنقلب أحجارًا تشدخ بها تلك الرؤوس التي خلت من كل معنى من معاني الإنسانية الكريمة.
وهكذا يتخبطون في الحياة بدماء الشعب، ثم يأكلون في بطونهم يوم القيامة نارًا تقطع أمعاءهم، وتجعلهم في جهنم وساءت مصيرًا.
وأما المنافقون من خطباء الإصلاح، الذين يغررون بالجماهير ويخدعونها بمعسول القول: يظهرون لها النصح ويضمرون لها المكر والشر، هؤلاء تصورهم القصة بمن علقت في أشداقهم كلاليب تمزق وجوههم وأفواههم، وما أبلغ هذا الرمز إذ يجعل الوسيلة التي خدعوا بها الجماهير وهي ألسنتهم وأشداقهم، هي هي التي تمزق وتشوه لأنها شوهت المثل العليا التي يؤمن بها الناس حين اتخذها هؤلاء المخادعون ستارًا للتمويه والتضليل.
ثلاث صور لثلاث جرائم من أكبر الجرائم الاجتماعية خطرًا: الاعتداء على الحرمات، والجشع في جمع الثروات، والتغرير بالعقول والأفكار، الأولى اعتداء على الفرد، والثانية اعتداء على الجمهور، والثالثة: اعتداء على الأمة، هل ترون جريمة أو خطرًا أو إخلالًا بالأمن والنظام إلا وهو ينبعث عن هذه الأصول الثلاثة للجرائم الاجتماعية الكبرى؟
6 – انتشار الإسلام خارج الجزيرة: ومن دروس هذه الذكرى من الناحية السياسية، أنها ترمز إلى اتساع رقعة الإسلام، وامتداد هدايته وتعاليمه خارج جزيرة العرب إلى أرض ذات حضارة وديانات قديمة، فرؤية النبي صلى الله عليه وسلم للنيل والفرات، رمز لوصول هداية الإسلام إلى هذه البلاد وما وراءها، وهي إشارة إلى حدود الوطن العربي كما نفهمه اليوم، فالفرات يشمل بلاد العراق وما جاورها، والنيل يشمل البلاد العربية من القارة الإفريقية، وتلك لعمري معجزة من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء هذا الرمز وهو لا يزال في مكة ودعوته لا تزال محصورة في شعابها وقبائلها فما يخبر عن عالمية الدعوة وامتداد سلطانها إلى نواحٍ نائية من الأرض إلى رسول كريم يتصل بالله بسبب وثيق من نور النبوة وإشعاع الوحي.
7 - ومن رموز هذه الذكرى من الناحية الاجتماعية، بيان ما ينبغي أن يكون عليه المسلمون من علم يكتشف أسرار الحياة، ومن جهود متواصلة للاستفادة من كل ما في الأرض والسماء من قوى أودعها الله فيها لخدمة الإنسان ومصلحته، فإذا كان الله قد أسرى برسوله هذا الإسراء المبارك، وطاف به من أرض إلى أرض ليريه من آياته وأسراره في الكون، فكيف لا يكون المسلم ملزمًا بالطواف في الأرض ليطلع على ما لا سبيل إلى الاطلاع عليه من آيات الله إلا بالعلم والبحث.
«لقد امتطى صلى الله عليه وسلم البراق، وهو دابة تضع خطوها عند أقصى بصرها، كأنه يمشي بسرعة الضوء، وكلمة براق يشير اشتقاقها إلى البرق، أي أن قوة الكهرباء سخرت في هذه الرحلة»، راجع فقه السيرة.
إن هذا الحديث يبين للحضارة الحديثة التي نحياها، أن الإنسان قديمًا جاوزت سرعته سرعة الضوء، وتخطت طاقته قوة الجاذبية، فخرج من نطاقها سالمًا سويًا، فتجاوز ما هو في علم البشر حتى اليوم.
ولو أن علماء المسلمين واصلوا البحث والدراسات التي قدمها لهم أسلافهم، في علوم الحساب والجبر والهندسة، والفلك والطب والكيمياء، والآلات الدقيقة، لو أنهم ساروا على دابهم ونهجهم، لو أنهم فعلوا ذلك، وكان واجبًا عليهم أن يفعلوه، لكنا اليوم نحن أصحاب سفن الفضاء، ومفجري الذرة، لكنهم - وللأسف الشديد – قعدوا فتخلفوا، لقد شغلوا بغير ما يجب عليهم أن يشغلوا به وابتعدوا عن الجادة ونسوا دورهم على ظهر الأرض، فهل نحن بمنجاة من التهديد الرباني الذي أنزله الله في كتابه على خاتم رسله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (سورة الصف: 2)، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4)، فأين العمل المصدق لما نقول؟ وأين المهرب من مقت الله، إذا ظللنا نقول ولا نعمل وندعي ولا نطبق؟ أین هي وحدة الصف والهدف؟ أين أمة الإسلام؟ أین ترابط القوى وتضافر الجهود؟
إننا نسيء إلى أنفسنا بهذه الدعاوى العريضة أكثر مما نحسن، إن هذه الأمة تمثل ألف مليون مسلم، وهم يشكلون أكبر تجمع بشري على ظهر الأرض، وفي استطاعتهم لو صدقوا ووثقوا في أنفسهم واعتمدوا حقًا على ربهم، واتخذوا الأسباب، في استطاعتهم أن يكونوا أكبر قوة ضاربة مجاهدة في سبيل الله.
8 - عبودية الرسول: ومن رموزها الاجتماعية ذلك الوصف الكريم الذي وصف الله به رسوله في تلك الرحلة، فقد وصفه بالعبودية في قوله: ﴿أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾ (الإسراء: 1) مع أنه كان في أشرف مقام وأعلى منزلة، كان يطوي الأرض والسماء في لحظات كلمح البصر بقدرة من الله وعناية، ومع ذلك فلم يخرجه ذلك عن أن يكون عبدًا لله، فأي إنسان بعده مهما سمت مكانته في الحياة لا يحق له أن ينسى عبوديته، فيعيش في أمته متألهًا عليها، مترفعًا عنها، معتزًا بسلطان الحكم وسيطرة القوة.
ويوم يذكر الحاكمون والمتغلبون على مقدرات الشعوب خضوعهم لسلطان الله وجبروته، يعيش الناس في أمن وسلام، ويصل إلى كل ذي حق حقه، وما تشقى المجتمعات والشعوب إلا يوم يطغى عليها الطغاة فيسلبون إرادتها وحريتها زاعمين أن لهم حقًا فوق حقوقها، وأن لهم من صفات الله ما يقطعون له ويصلون، ويميتون ويحيون، ألا إن ذلك رداء الله وحده، فمن نازع الله في سلطانه قصمه الله وجعله نكال الآخرة والأولى.