; «الوفاق الوطني» في السودان (رصد لحركة الرياح المتغيرة) | مجلة المجتمع

العنوان «الوفاق الوطني» في السودان (رصد لحركة الرياح المتغيرة)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 06-أغسطس-1977

مشاهدات 101

نشر في العدد 361

نشر في الصفحة 4

السبت 06-أغسطس-1977

يشهد السودان -بلد المليون ميل، والجنسيات المتعددة وملتقى الثقافات الإسلامية والعربية والأفريقية ومخزن الغذاء لملايين الناس «في المستقبل»- يشهد هذا القطر الشقيق هذه الأيام تحركًا سياسيًّا، بدأ مع الإعلان عن المصالحة الوطنية، وأخذ يتسع ويرتفع بسرعة.

وأول سؤال يثب إلى الوعي العام والخاص هو: ما هو سبب المصالحة الوطنية؟

وقد يصاغ السؤال بطريقة أخرى: لماذا المصالحة المفاجئة.. وفي هذا الوقت بالذات؟

التبسيط لا يجدي؛ لأن التبسيط -في الأمور المركبة- يحوم حول الموضوع، ولا ينفذ إليه. كذلك فإن حصر الجواب في احتمال واحد تواضع لا معنى له. ومن هنا فإن الجواب على السؤال يتفرع إلى مجموعة احتمالات نحسبها معقولة.

• قد تكون المصالحة تحقيقًا لرغبة في العدول عن الصراع الدموي، والعودة إلى الحوار السياسي في حل الخلافات، ومعالجة المشكلات الوطنية. إن الصراع الدموي في حل الخلافات السياسية أسلوب طارئ، حديث العهد- عمره 8 سنوات.

كانت الخلافات تحل بالندوات والليالي السياسية.. والمظاهرة والموكب، والانتخابات، والمنشور، والمناورة، حتى دخل السودان -بحوادث جزيرة أبا- في الصراع الدموي.

• وقد يكون النظام والمعارضة قد تعبا فالتقت الإرادتان على اجتناب المزيد من المتاعب.

* وقد يكون الخطر الأحمر -على حدود السودان الشرقية- حافزًا للطرفين إلى ملاقاته بجبهة متماسكة؛ فالخطر الأحمر إنما يهدد السودان كله.

النفوذ السوفييتي والكوبي يتزايد في إثيوبيا، والصراع يلتهب يومًا بعد يوم في تلك المنطقة.

• وقد تكون المصالحة ناتجة عن «تصديق» الإعلان عن الاتجاه نحو الإسلام. فهناك شعارات إسلامية قد رفعت من جانب السلطة.

* وقد تكون المصالحة ضمن «المرحلة العامة» في تهدئة الأحوال وتوفير استقرار نسبي.

• وقد تكون «التنمية الجدية» هي سبب المصالحة؛ فمن البديهيات التي تدرك على المستوى المحلي، والمستوى العالمي أن التنمية -التي يحتاج إليها السودان ومستثمرون عالميون- لا يمكن أن تنجز في وضع مشدود الأعصاب يسوده القلق والرج المستمر.

ومن المعروف أن السودان يزخر بمقومات ثروة غذائية -مثلًا- لا تقل أهمية عن الثروة النفطية. فإذا مد البصر إلى المستقبل، وعرف أن مشكلة الغذاء ستكون إحدى وأبرز المشاكل، عرفت «قيمة» السودان الاقتصادية خلال عقد من الزمان، أو قبل ذلك.

ولا نزعم أن هذه هي كل الأسباب؛ فالفجاءة وسرعة الاتفاق يشيران إلى أسباب إضافية، أو إلى أن هناك احتمالات أخرى قوية.

فيم المصالحة؟

وهذا السؤال -فيما المصالحة- يؤدي إلى الحديث عن أسباب المعارضة.

فما هي هذه الأسباب؟

1- قضية الحريات العامة: فغيابها سبب قوي من أسباب المعارضة، حفزًا واستمرارًا.

وللحرية في السودان تاريخ طويل. موجزه: أن أهل تلك البلاد لا يطيقون الحياة بلا حرية، فإذا غابت عنهم تنادوا إلى خطة معارضة كوسيلة من وسائل التعبير عن الحرية أيضًا.

في أكتوبر عام 1964 انفجرت ثورة شعبية عامة انتظمت كافة الأحزاب، وكان من أبرز مطالب وشعارات تلك الثورة: إطلاق الحريات العامة.

هذه الإجماع يدل على أن «الحرية» مطلب مشترك، لا يقبل المقايضة، ولا المساومة.

وقد ألغيت الحريات في عام 1969، فانتصب سبب من أسباب المعارضة.

2- الدستور، أو القواعد الكلية التي تحدد انتماء السودان وطبيعة الدولة، ومصدر التشريع، وتسير الحياة العامة في الداخل والخارج.

مسألة الدستور هذه سبب من أسباب المعارضة؛ لأنه في عام 1969، وبينما عقدت الأمة اتفاقًا على دستور فيه كثير من الاتزان، والرشد، والنضج الإسلامي والوطني، جاء 25 مايو من ذلك العام ينقض الاتفاق؛ فقام سبب من أسباب المعارضة.

3- ولقد انعقدت إرادة الأمة على الحكم الشورى -كنتيجة للإيمان بالحريات العامة التي يكفلها دستور أصيل متين- فلما حصل الانفراد بالحكم، نشأ سبب ثالث من أسباب المعارضة.

4- الاهتداء بالإسلام في كل ذلك:

والعزم على الاهتداء بالإسلام كونته مجموعة عوامل منها:

• النمو المطرد في الوعي الديني، وهو نمو انتظم قطاعات شعبية تمثل -أفقيًّا- السودان كله، وتمثل -نوعيًّا - المثقفين والأميين.

• إدراك أولي النهي -في السودان- أن البلاد لن يصلح لتوجيهها إلا الإسلام. وهو إدراك أثمرته تجارب مريرة، في التقلب بين مختلف النظم والاتجاهات.

في أواخر الستينيات حدثت إجراءات ناوأت هذا العزم العام، وحاولت هدّه؛ فوُلد سبب رابع من أسباب المعارضة وهذه النقطة مرتبطة -موضوعيًّا- بالنقطة التالية أو بالسبب الخامس.

5- تمكن الشيوعيون من مواقع مهمة جدًّا في السلطة؛ إذ حشد في مجلس الوزراء فريق شيوعي مدرب، يسنده -من فوق- أعضاء في مجلس القيادة، ويدعمه -من تحت- أتباع الحزب الشيوعي في الإدارة والإعلام والتربية والحكم المحلي والخارجية، والاقتصاد و... و...والرياضة والفن ... 

هنالك قررت الأمة أن تعارض التيار الشيوعي الذي يوشك أن يجرف -تمامًا- الحكم والناس والأرض، وتمخض عن ذلك سبب خامس من أسباب المعارضة.

ولا نستطرد -أكثر من ذلك- في ذكر الأسباب؛ لأن ما بقي من أسباب ناشئ عن الخمسة الآنفة.

بعد ذلك يعود السؤال: فيم المصالحة؟

هل زالت تلك الأسباب؟

من الحق أن نقول: إن السبب الخامس -التسلط الشيوعي- قد زال أو إن هناك ظاهرة مكافحته ومقاومته (في فقرة قادمة عودة إلى هذه النقطة).

فهل بدئ في وضع أسس تنبني عليها مواقف -ولو بخطة مرحلية متدرجة- تسعى لإزالة تلك الأسباب؟

1- توفير الحريات العامة، وصياغة دستور محترم... وإقامة حكم الشورى، والاهتداء بالإسلام في كل ذلك، ليست شروطًا حزبية يمليها الكسب الحزبي الضيق. ولا شروطًا شخصية نبرر بها الزعامة الفردية.

إنما هي «شروط قومية» و«قواعد أساسية» للعمل الوطني المخلص الصادق المستمر.

ثم هي «ضمانات قوية» لبداية الوفاق الوطني على أساس سليم، واستمراره في جو صحي ومنعش.

ومن أبرز الإجراءات التمهيدية بين يدي تطبيق الشروط القومية: إتاحة الفرصة الكاملة أمام الكفاءات العلمية ذات الأخلاق المتماسكة العالية.

مشكلة السودان، ليست سياسية تقليدية، إنها مشكلة إيقاف التدهور والبدء في بناء سليم يتميز بالخبرة والنزاهة والطموح. وتلك مهمة لا يقدر عليها إلا من جمع بين الكفاءة العلمية، والنزاهة الخلقية.

فلا يمكن البناء بلا خبرة، ولا قيمة للخبرة بلا خلق.

مخاوف

من تلك المخاوف أن الشيوعيين سيسعون إلى الدخول في المصالحة الوطنية.

أولًا: لأن هذا هو أسلوبهم في مرحلة ما قبل استلام السلطة.

ثانيًا: لأن ظروفهم الخانقة في السودان تلجئهم إلجاء إلى البحث عن نافذة للتنفس.

وقد يجدون من يساندهم في محاولاتهم هذه. وينبغي التنبيه المبكر إلى هذا المنزلق؛ فاشتراك الشيوعيين في المصالحة، خروج صريح على إرادة الأمة، يقترفه بعض المفاوضين باسمها ... وإجهاض للمصلحة ذاتها.

لئن كان التصدي للخطر الأحمر في إثيوبيا واحدًا من احتمالات الوفاق الوطني؛ فكيف يدخل في هذا الوفاق الحزب الشيوعي السوداني، وهو حليف للنظام الشيوعي في إثيوبيا، بحكم الارتباط العقائدي، والولاء المشترك؟

ومن تلك المخاوف: التصريحات المتكررة بأن لا عودة إلى الحياة الحزبية في السودان.

هذا شعار خطر، وينبغي تحديد مدلوله حتى لا يبتلع فرص الحرية كلها.

نعم: لا عودة إلى «العقم» الحزبي في التفكير والأهداف والأساليب، ولا إحياء لما اندرس من اعتبارات حزبية، استمدت من العصبية، والولاء الغامض، والظواهر التاريخية الخابية.

رفع الحرج في هذا الشأن يتم بتخطي الخيارين المطروحين -إما الحزبية القديمة... وإما احتكار العمل السياسي- ثم الانفتاح على خيار ثالث هو: «السباق الوطني في طرق متعددة».

أن تتاح أوسع المساحات لسباق وطني شريف ومثمر تشترك فيه القوى الوطنية في شكل فرق رياضة كرة القدم مثلًا.

ولننقل هذا التصوير المرح، إلى صيغة عملية قابلة للتطبيق.

الخيار الثالث المقترح يتمثل في: إعادة تكوين الحياة الحزبية وفق شروط متفق عليها.

1- الاتفاق على تحويل السودان -بالتدريج- إلى دولة إسلامية كاملة، تأخذ نفسها بالإسلام في الداخل، وتتحمل مسئولية الدعوة إليه -بالسلوك والبلاغ- في الخارج.

2- وضع القواعد الكلية التي يؤدي الانطلاق منها إلى تحقيق تلك الغاية.

3- أن يتكون كل حزب في ضوء هذين المبدأين.

4- لا يجوز أن يقوم حزب لا يلتزم بالمبدأين المذكورين ويعتبر قيامه مخالفًا لقوانين البلاد. وتطبق عليه قوانين حظر الأحزاب المخالفة للدستور.

5- أن يكون التنافس بين الأحزاب في البرامج التفصيلية التي تخدم الغايات المشتركة، ولا يجوز لحزب أن يبتدع غاية تتعارض مع الغايات الدستورية.

6- يخضع تمويل حزب لمراقبة «المدقق القضائي» لتمويل الأحزاب وميزانياتها، وأي إخلال بنزاهة التمويل يخضع الحزب لقانون حظر الأحزاب.

7- طهارة الأسلوب والوسيلة في العمل السياسي، فلا يحل شراء الذمم بالأموال، ولا يحل الفجور في الخصومة، ولا السباب والشتائم، ولا الحط من أقدار الآخرين، بالكلمة أو الأغنية، أو الكاركاتير، فلا يجوز التوسل إلى الغاية الشريفة بوسائل غير شريفة، وكل إخلال بنزاهة الوسيلة يعتبر مخالفة قانونية، فإذا تراكمت المخالفات، وأصبحت الوسائل الرديئة عادة لدى حزب ما، حل ذلك الحزب.

8- تحريم كل ولاء حزبي ينتقص من توحيد الفرد المسلم وإفراده الله بالعبودية.

كالغلو في تمجيد الزعامات، والتزكية الباطلة، والتذلل أمام قادة الحزب، والهتاف الوثني باسمهم.

ولا يخافن ذو سلطان على سلطانه حين يتوفر هذا المناخ؛ لأنه مناخ حر آمن نظيف، فجره ثقة، وصبحه ثقة، وظهره ثقة، ومساؤه ثقة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

170

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

145

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8