; «النهضة».. والنتائج الأولية للانتخابات التونسية | مجلة المجتمع

العنوان «النهضة».. والنتائج الأولية للانتخابات التونسية

الكاتب صلاح الدين أرقه دان

تاريخ النشر السبت 29-أكتوبر-2011

مشاهدات 65

نشر في العدد 1975

نشر في الصفحة 12

السبت 29-أكتوبر-2011

  •  الفكر الذي طرحته قيادة «النهضة» في الداخل وفي المهجر وجهود شبابها كانت تزرع في أرض خصبة

هذه النتائج التي تؤكد تقدم حزب حركة النهضة» التونسية على غيرها من القوى السياسية المشاركة تعني عدة أمور:

 أولها: فشل مشروع بن علي الفكري والسياسي، هذا إن كان بالفعل قد كان له مشروع يطرحه، فقد حكم بعقلية وقبضة الأمن المستنسخة لفترة العقود من الخمسينيات وحتى السبيعينيات من القرن الماضي، يوم كانت الشعارات هي التي تحكم وليس الأفعال.

ثانيها: إن الإسلام الذي ينتمي إليه التونسيون ليس دينًا عابرًا يشكل المظاهر التعبدية، ويلجؤون إليه وإلى «معابده» عند الحاجة، وإنما هو انتماء يشكل الضمير الحي الذي يوجه الشعب التونسي، كما يشكل ثقافته وأعرافه وآماله وأحلامه عندما تسنح له فرصة التعبير الحر. 

قراءة واعية

 ثالثها: إن التجربة التونسية ليست جديرة بالاحترام فقط، بل جديرة بأن تقرأ من الإسلاميين – داخل تونس وخارجها بعيون مفتوحة وعقول واعية، فهنا شعب خضع منذ الاستقلال ( ١٩٥٦/٣/٢٠م)، وحتى لحظة الانتخابات الأخيرة منذ أيام، أي من عهد «بورقيبة» وحتى عهد خليفته «بن علي» على شعارات مغايرة لسياق المؤسسة الدينية الشعبية بشقيها العلمي والصوفي شعارات حكمت التعليم والإعلام والاقتصاد – حتى بلغت يوما أن أراد بورقيبة تجميد فريضة الصيام باعتباره مؤثرًا سلبيًا على الانتاج عقود أكلت جل سنوات القرن العشرين وزحفت إلى الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، وما أن انزاح كابوس أصحابها حتى عبر الشعب عن انتمائه بشكل هادئ ومن خلال صناديق الاقتراع. 

رابعها: إن الحفاظ على «الدولة»، وعدم خروج «الثورة» إلى فوضى تدمير الدولة وإنهائها، أدى دورًا رئيسًا في سلامة سير جل العملية الانتخابية، ولا أشك قط بأن ذلك مصداقا لمقولة فقهائنا الذين دعوا منذ قرون ضاربة في التاريخ إلى استقرار المؤسسات التي سموها «سلطانية» بمعنى السلطة والدولة وليس بمعنى التسلط الفردي. 

خامسها: إن الفكر الذي طرحته قيادة «النهضة» خلال فترة الامتحان الصعب داخل البلاد، وفترة الهجرة خارجها، بالإضافة إلى الجهود الاستثنائية التي بذلها شباب «النهضة» كذلك داخل البلاد وخارجها، كانت تزرع في أرض خصبة قابلة للتفهم مستعدة للتجاوب وهذه نقطة ينبغي أن تشعر قيادة «النهضة» وكوادرها – على مستوى اتخاذ القرار – بالأمانة الثقيلة تجاه الناخب التونسي الذي قال بلسان الحال: «جربناهم وعرفناهم، وها نحن نعطيكم الثقة فأبحروا بنا إلى شاطئ الأمان... ويعني كذلك أن المشروع»، وليس «الحزب» هو ما يحقق التلاحم بين الطلائعيين وجمهورهم. 

سادسها: من النقد الذي قيل همسًا وعلنـا، من بعض شباب النهضة، وممن خرج منها أو عليها: كيف نترجم الكلام عن تداول السلطة والحركة نفسها ما زالت تحمل نفس القيادة ونفس الرموز يقول البعض ذلك مشككًا في صدقية ما تقوله قيادة «النهضة» عن إيمانها بتداول السلطة، وبعضهم يقوله حرصا على رؤية التطبيق العملي له. 

إن كثيرًا من الشعارات تموت أمام ممارسة الواقع، لأن جل حركاتنا تقدم في زمن الجهاد والمحنة «حراسة الدين» على «سياسة الدنيا»، فيما يقتضي واقع الحكم والسلطة – أحيانا تقديم سياسة الدنيا على حراسة الدين» فيقع الخلل فيما بينهما.. وهذه نقطة جوهرية لا تخفى على قيادة «النهضة»، ولكنها تحتاج أن ترينا بأم العين كيف ستوازن بين حراسة

الدين وسياسة الدنيا في تجربة تاريخية لا نتمنى لها النجاح فقط بل التعميم والانتشار، مع التنبه إلى أن الديمقراطية المعاصرة تلتقي مع الشورى الإسلامية في جوانب كثيرة، وعلى رأسها – بالإضافة إلى تداول السلطة السلمي – أن الشعب هو صاحب الكلمة الأولى في اختيار قيادته. 

توازن مطلوب

 سابعها: ما لا يخفيه المتخوفون والمترددون وما يعلنه المشككون والمخالفون التقارب بين قيادة «النهضة»، و«الغنوشي تحديدًا والقيادات الإسلامية الإيرانية والموالية لإيران، وهذه نقطة شديدة الحساسية في هذه اللحظات التاريخية من حياة الأمة، لأن الموضوع ليس موضوع الشعار الإسلامي والجهادي والتحرري واتخاذ أسباب القوة فقط، بل لأن هناك تعبئة مذهبية عبية على الضفتين تشحن النفوس بالتباعد والتنفير، بالإضافة إلى مصالح الدولة دولة إيران والدول التي تخالفها.. ويرى المتابع لمجريات الأمور في عدد من أقطارنا كفلسطين ولبنان وسورية كيف تدار دفة الحكم والمعارضة فيها، وكيف يصطف الفرقاء بحسب ارتباطهم العاطفي أو المادي مع هذا الطرف أو ذاك.. وهذه علامة استفهام إضافية تحتاج إيضاحًا عمليًا يقيم التوازن بين مصالح تونس وانتمائها. 

ثامنها: خلال عهود طويلة، وبالرغم من شعارات الجهاد والتحرر من الاستعمار الفرنسي، فإن ما فعله النظام السياسي في عهدي بورقيبة» و«بن علي كان مزيدًا من الارتباط والترابط مع الغرب ودوائره النافذة، ووصول النهضة إلى السلطة يعني كشف تفاصيل الارتباط وربما الارتهان للمصالح الغربية.

 ونحن نعلم علم اليقين أن الغرب مارس دورًا في المرحلة السابقة، وأنه لن يقف مكتوف الأيدي أمام دولة على مرمى حجر من الجنوب الأوروبي، وهي أحد منافذ أفريقية وتدفق الهجرة منها باتجاه الشمال.. وهذا ملف شائك آخر من ملفات الحكم في تونس وفي غيرها من دول العالم العربي، لأسباب تاريخية وواقعية معًا.

 حركة تغييرية

 تاسعها: إن حركة النهضة حركة تغييرية بطبيعة انتمائها العقدي والفكري والثقافي، وهي جزء من حركة الإسلام العالمي ولديها التزامات تجاه شقيقاتها من الحركات الإسلامية والتحررية، لاسيما ساحات الربيع العربي الولود، وإذا كان الإسلاميون قد وضعوا آمالًا عريضة على تركيا في العهد الأرياكاني ثم الأردوغاني، فمن باب أولى أن يلتفتوا بآمال عريضة تجاه تونس في العهد الغنوشي، وهذا يعني تداخلًا في المصالح والمطالب والالتزامات السياسية والاقتصادية وربما أبعد من ذلك.. إن السؤال عن ذلك سهل ولكن الإجابة عليه تحتاج الجمع بين صلابة أبي بكر، وإدارة عمر، وكرم عثمان، وتقوى على معًا، وهي معادلة لا يعرف صعوبتها إلا من ابتلاه الله بالعمل السياسي. 

عاشرها: صحيح أن تونس قد انتخبت واختارت وصحيح أن المجلس التشريعي القادم سيكون في جانب التوجه الإسلامي، ولكن تونس ذات الغالبية المسلمة ليس كلها إسلاميين، فبالإضافة إلى أديان أخرى – ينبغي الا يستصغر حجمها – هناك تيارات سياسية وفكرية أخرى، وهناك منافقون، ووصوليون كأي مجتمع وأي دولة.. وهناك بالمقابل متحمسون يريدون التغيير ولو بعملية جراحية وما زرع خلال عقود سبعة لا يمكن أن يستأصل خلال أيام، وفيما قرأناه في الفقه أن الفرائض وكذلك المحرمات تم تشريعها بتدرج وتسلسل مكن الناس من استيعابها وتطبيقها على الوجه الصحيح أو الأقرب إلى الصحة. 

إن الحماس المفضي إلى الاستعجال لم يصب ولن يصب قط في صالح التغيير، بل قد يكون أحد مقاتل الإصلاح، ولست أشك أن التجربة الفاشلة ما هي إلا مسمار في نعش تجربة محتملة النجاح. 

هذا مع أصدق التمنيات للشعب التونسي وقيادته الناهضة بتحقيق الاستقرار والنجاح والتقدم.

الرابط المختصر :