العنوان «المسيخ الدجال » في الإعلام المصري
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002
مشاهدات 73
نشر في العدد 1530
نشر في الصفحة 18
السبت 14-ديسمبر-2002
الحملة المسعورة على عمرو خالد
يوقظ الفتنة بدعوى الحفاظ على الوحدة الوطنية.. ويدس عبارات تسخر من الحجاب والإيمان بالغيب وسط سيل من الشتائم
أي «مصر» يقصد .. تلك التي فرحت برحيل عمرو خالد؟!
- لقد أعاد عمرو خالد البسمة إلى عشرات الأسر التي سقط أبناؤها في مهاوي الإدمان والرذيلة وذلك يسهم في الاستقرار الاجتماعي وحفظ الأمن القومي المصري
عندما أقدمت صحيفة مصرية مستقلة -قبل عامين- على كشف بعض الفضائح الجنسية والأخلاقية لأحد القساوسة.. قوبلت بموجة عاتية على كل المستويات ورغم أن ما نشرته الصحيفة يومها كان موثقًا بالمعنى الفني بالصوت والصورة والشهود إلا أن الدنيا قامت ولم تقعد إلا بعد إغلاق الصحيفة وسجن رئيس تحريرها. وكان مرجع ذلك كله هو الحرص على عدم المساس بالمشاعر الدينية والحفاظ على الوحدة الوطنية.. وذلك حق ومهم لا لبس فيه.
بعد هذه الواقعة ساد شعور عام بجدية الدولة المصرية في الحرص على المشاعر الدينية وعدم المساس بها سواء للمسلمين أو المسيحيين حرصًا على الوحدة، وكان المفترض في الكتاب والإعلاميين عامة من الجانب المسيحي أن يراعوا هذه المسألة ويتحسسوا من العبث بالوحدة الوطنية فلا يسبوا داعية ولا يسخروا أو يغمزوا في شعيرة إسلامية.. لكن الذي يبدو أن لديهم ضوءًا أخضر لكي يقولوا ما يروق لهم ويكتبوا ما يحلو لهم دون وجل.. وثبت أن هناك خلطًا وتشويشًا وقصورًا في مفهوم «الوحدة الوطنية» - مثل بقية المفاهيم التي صارت مقلوبة في زماننا - وصار هذا المفهوم معنيًّا بجانب دون آخر وبعنصر دون آخر.. فالكلام بما يسيء لقسيس -حتى ولو كان مشلوحًا- تهديد للوحدة الوطنية.. أما السب والقذف بقلم كاتب مسيحي في حق داعية مسلم وفي حق معالم ومبادئ إسلامية فهو في خانة حرية الرأي.. وهنا لا مصادرة لفكر ولا قصف لقلم.. ولا ولا..!!
وما بين أيدينا نموذج فج على ذلك وهو ما كتبه مفيد فوزي في مجلة روز اليوسف المصرية الأسبوعية ضمن الحملة المخطط لها جيدًا ضد الداعية المسلم عمرو خالد.
وقبل أن نقرأ ما كتبه مفيد فوزي يجدر التذكير بالمجلة والكاتب نفسه.. فمجلة روز اليوسف رغم كونها حكومية وينفق عليها من ميزانية الدولة وأموال الشعب المسلم إلا أنها شبه متخصصة في تجريد الحملات الضارية ضد الدعاة المسلمين.. والدعاة بالذات بقصد إقصائهم عن الساحة نهائيًّا.. وقد مارست هذا اللون من الحملات على الشيخ الشعراوي - يرحمه الله- ومارسته مع الدكتور عمر عبد الكافي وغيرهما وغيرهما ثم أخيرًا مع عمرو خالد.. ولا نبالغ إذا قلنا إنها بالتعاون مع مجلات وصحف أخرى تقف بالمرصاد لإطفاء أي نور يلتف حوله الشعب المصري وأصبحت بمثابة «الطابية الحربية» التي تدك أي منبر تتوافد إليه الجماهير لهدمه وتفريق الناس من حوله.. تحت شعارات شبيهة بالحرب الأمريكية الدائرة ضد الإسلام محاربة الإرهاب... محاربة قوى التطرف.. الظلامية.. التخلف... استغلال الإسلام.. إلخ!!
أما الكاتب مفيد فوزي فهو رئيس تحرير سابق لمجلة صباح الخير الأسبوعية الشبيهة بروز اليوسف وهو قبل ذلك وبعده محاور تلفزيوني مشهور يعطيه التليفزيون المصري أوسع الفرص لتقديم برامجه الحوارية في أوقات الذروة (الأوقات الحية)، وهو صاحب حضور في المنتديات الرسمية الإعلامية والثقافية، أي أنه يعد من الإعلاميين الأولى بالرعاية حكوميًّا؛ ولذا فهو عندما يتكلم لا يمكن أن يحسب كلامه عليه وحده وإنما يتسرب الشعور لمن يسمعه ولمن يقرأ له بأنه «محمي».. ومع أنه يحاول أن يعطي إيحاء بأنه فريد من نوعه في نحت العبارات وفي جرأته على «زنق» من يحاوره إلا أننا لم نلحظ أنه تجرأ مرة ومس واحدًا من رجال الكنيسة أو مس أوضاعًا كنسية بحكم أنه مسيحي ويتمتع بحرية الرأي إلا أنه يفعلها مع الدعاة المسلمين غمزًا وهمزًا بل وهجومًا صريحًا ليس على الدعاة فقط وإنما على ثوابت ومعالم إسلامية، وكان الأولى وهو المحسوب على الدولة سياسيًّا والمحسوب على الكنيسة عقيدة أن ينأى بنفسه عن العبث بأوتار الوحدة الوطنية لكنه فعلها.. فماذا قال بالنص في روز اليوسف:
بعد رحيل راسبوتين
بعد أن رحل راسبوتين لم أكن أتخيل أن رحيل دون جوان الدعوة الفضائية عن مصرنا سوف يعيد تلك الضحكات الرائعة إلى وجنتيها.. بهذه السرعة، لم أكن أحلم أن يغادر الحزن والبؤس وغطاء الرأس والعقل هذه الفتاة الشقية المذهلة التي كانت تتقافز حولنا لتشيع أجواء الإثارة والبهجة.. كان.. يجب أن يذهب هذا الراسبوتين المتأنق الذي يجيد التمثيل المسرحي.. كان يجب أن يذهب حتى تعود الضحكات إلى الغمازتين.. حتى تعود مصر التي نعرف.. حتى تعود.. السندريلا وزمن السندريلا.. حتى تعود بنات أفكارنا التي أسعدتنا .. وبعودة ميرنا المهندس إلى نفسها وفنها وجمهورها ومعجبيها... تكون قد بدأت مصر تعود إلى مصر. مصر الوحدة الوطنية، مصر.. الفن السابع.. مصر الحضارة.. مصر الحياة. تعود ميرنا.. ومعها تعود مصر.. في مواجهة قوى الظلام.. والغيبيات.. ودعاة الاسموكن.. أهلاً ميرنا.. أهلاً .. فقد طال غيابك.. وبانتظار عبير وغادة وموناليزا وصابرين.. وشادية.. وكل وهج الماضي الجميل.
أما الداعية الاسموكن.. أما راسبوتين الفضائيات.. أما أبو جهل.. راكب البليسوار.. المتأنق.. المتشدق.. الكاذب... فارحل عن حياتنا .. غير مأسوف عليك.
وإذا توقفنا أمام هذه المشتمة الهابطة ودققنا في كلماتها نلحظ ما يلي:
1- أنه دس بين عبارات السب والشتائم لعمرو خالد عبارات أخرى تنال من ثوابت وفرائض إسلامية، فهو يقرن بين الحزن والبؤس الذي عاشته مصر خلال وجود عمرو خالد بها وغطاء الرأس أي الحجاب الذي جعل منه غطاء للعقل أيضًا ولك أن تتصور كيف يكون حال الإنسان إذا ذهب عقله.
كما قرن بين «قوى الظلام»، (وأعتقد أنه يقصد دعاة الإسلام) و«الغيبيات».. ومعلوم أن من أسس الإيمان عندنا الإيمان بالغيب كما ورد في قوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (سورة: البقرة: 1-3).
ولو أن الظرف والحال ساعدا مفيد لأثقل من العيار وفش المكنون في أركان ودهاليز قلبه ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (آل عمران: 118).
2- لم أكن أتخيل أن عمرو خالد أصبح بهذه القوة الخارقة التي مكنته من التحكم في مزاج مصر كلها لدرجة أنه أصابها بالحزن والبؤس... -وفق عبارات مفيد- وهو في داخلها، ثم انفرجت الغمة بعد سفره إلى لندن.. من هو ذلك العبقري الذي مسح القطر المصري وأفاد «مفيد» بنتائج الاستطلاع طبعًا هو لم يطلع على «الغيب» لأنه لا يؤمن به؛ ولذا نرجح أن يكون وقع تحت يد أحد المشعوذين فقرأ له الكف وأفاده بالاستطلاع.
لكن «مفيد» لم يسأل نفسه: ما القوى والأدوات التي سيطر بها عمرو خالد على الشعب المصري هكذا غير «الكلمة»؟ وهل امتلك عمرو الناس رغمًا عنهم حتى إذا ما رحل تنفسوا الصعداء؟
لقد امتلك عمرو ببساطة وأناقة وعفة حديثه عن الإسلام قلوب الناس وقد ازداد تشبث مصر به بعد سفره بل وازداد تعلق الجماهير به في العالم الإسلامي، وليسأل مفيد بائعي الشرائط والاسطوانات المدمجة عن أكثرها مبيعًا.. سيطأطئ رأسه خجلاً عندما يعلم أنها لعمرو خالد؟.. وطالما أن عمرو خالد بهذه الصورة الظالمة التي رسمها له مفيد فوزي لماذا حرصت قناتان فضائيتان عربيتان على بث أحاديثه المسجلة طوال شهر رمضان؟
3- كلما أعدت قراءة ما كتبه مفيد فوزي عن مصر التي تخلصت من حزنها وبؤسها برحيل عمرو خالد عنها وبأوصافه -الهابطة- التي وصفه بها أسأل نفسي أي مصر التي يقصدها مفيد فوزي بالضبط؟! إن مصر التي نعرفها ويعرفها الناس هي مصر الحضارة.. وقد صب الإسلام في وعائها الحضاري -وما زال- من فيضه وقيمه ما تشهد به الدنيا، وهي مصر السماحة التي يأمن فيها مفيد حتى وإن غمز ولمز في دين أبنائها وهاجم دعاتها.. ومصر قاهرة التتار في عين جالوت والصليبيين الأشرار في حطين وإخوان القردة في العاشر من رمضان.
أما مصر التي يتحدث عنها «مفيد» فهي شيء آخر في خياله هو ومن يعرف من الأفاعي السود وبقايا الكلاب «الحمر» الضالة التي لم تعد تعرف مأوى بعد انهيار الكرملين عام 1990.
لم أسمع ولم أقرأ المفيد ومن هم على شاكلته أن قال ما يقوله عن عمرو خالد -زورًا- عن السفير الصهيوني الذي تدنس أنفاسه مياه النيل الذي تطل عليه سفارته.
4- إن عمرو خالد لم يرحل عن مصر على شاكلة «اللصوص» الذين فروا بعد أن نهبوا الاقتصاد المصري ويعيشون هناك في أمن وسلام، ولكنه غادر وطنه بمحض إرادته ولسان حاله يردد:
وطني إن شغلت بالخلد عنه *** نازعتني إليه في الخلد نفسي
ویردد:
بلادي وإن جارت عليّ عزيزة *** وأهلي وإن ضنوا عليّ كرام
ولم ينطق بكلمة واحدة ضد وطنه متمسكًا بالقول: «أحب بلدي حبًّا شديدًا ولا يمكن أن أتكلم عنها إلا بكل خير مهما كانت الأسباب (رويترز 7/12/2002)
وسيعود «عمرو» متى أراد -إن شاء الله- ولكن سيظل وهو في حله وترحاله في قلوب الملايين ليس كزعيم سياسي ولكن كداعية هز القلوب ونفذت كلماته البسيطة إليها كأشعة الشمس وقت الأصيل.
وهناك سؤال يلح إزاء هذه الحملة السوداء: ما الذي فعله عمرو خالد بالضبط؟
إنه أحدث تغييرًا في الطبقة الأهم داخل الشعب المصري بل وفي شعوب أخرى طبقة الأثرياء وذوي النفوذ السياسي والاجتماعي ومعها بقية طبقات الشعب المصري، كما أجرى عملية إصلاح محسوس داخل هذه الطبقة.. أخبرهم أن الإسلام دين بسيط سهل ودلّهم على أبواب التوبة الواسعة وأدخلهم بهدوء إلى حوبة الإسلام الرحبة ففوجئوا بروائع لم يسمعوا عنها من قبل بل سمعوا في منتديات الإفك عكسها تمامًا.. فتحولوا من صالات الديسكو إلى ساحات المساجد ومن شلل الإدمان وعصابات عبدة الشيطان وتنظيمات الشواذ إلى أحضان دينهم الرحيم وصدر وطنهم الذي يحتاج اليهم أقوياء جسدًا وعلمًا وعقيدة لمواجهة الغزوة الصليبية الصهيونية التي تلوح نذرها، وإلى أكناف أسرهم وعائلاتهم التي ذاقت الويلات لتعيدهم إلى أكنافها بعد أن ضاعوا وتاهوا وكادوا يذوبون مع التيار.. وأخذنا نسمع عن فلان الذي يشار إليه بالبنان وكان عمرو خالد سببًا في إقلاعه عن الإدمان وابن فلان الذي كان عمرو سببًا في هدايته.. ولو أن هناك باحثًا أجرى استطلاعًا محايدًا على التغييرات التي أحدثها عمرو خالد داخل المجتمع، إلى جوار ما تقوم به دعوات الإصلاح لكشف ما يسودّ له وجه الحانقين عليه.
لقد أسهم عمرو مع غيره من دعاة الإصلاح في إحداث استقرار اجتماعي وأسري وهو ما يصب في رصيد حفظ الأمن القومي المصري الذي يحتاج إلى شباب مستقيم ونافع وناجح يحيا بضمير حي وقلب نظيف وعقيدة راسخة وهذا ما يفعله عمرو خالد مع غيره وهو ببساطة نقل الإنسان من خانة الضياع إلى مربع الوعي.. لكن المسيخ الدجال.. مسيخ الإعلام الدجال وجوقته لا يريدون ذلك.. يريدونها أمة غائبة عن الوعي كما غابت ليلة الخامس من يونيو 1967م وسط الدخان الأزرق وأجواء الإثارة والبهجة المخدرة وضحكات السكارى والوهج الكاذب فهزمنا الصهاينة في ست ساعات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل