العنوان المسلمون في ألمانيا.. موقع المسلمين في الانتخابات الألمانية.. وبعدها
الكاتب أحمد الأديب
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
مشاهدات 63
نشر في العدد 1321
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
- نعم.. هناك مسلمون منتسبون إلى بعض الأحزاب القائمة. ولكن لا توجد حتى الآن صيغة لكيفية الجمع بين الانتماء الإسلامي والعمل الحزبي
توجد مصادر دقيقة يمكن الاطمئنان إليها بصورة موضوعية عند الحديث عن عدد المسلمين في ألمانيا، وعدد حملة الجنسية الألمانية منهم. ومن بلغ السن القانونية للانتخابات والترشيح وإذا صح ما يذكره «معهد الدراسات التركية» في ألمانيا في دراسة نشرها مؤخراً، فمن المفروض أن عدد الناخبين «المسلمين» من أصل ٦٠ مليون ناخب ألماني، لا يتجاوز ۲۰۰ ألف، ولكن لا يبدو هذا الرقم صحيحاً، فقبل سنوات عديدة، وقبل ازدياد معدلات انتشار اعتناق الإسلام من جانب ذوي الأصل الألماني أنفسهم، كان الرقم الذي يذكر عن تعداد هؤلاء يربو على ١٠٠ ألف، كما أن المعهد نفسه يقول إن عدد المسلمين في المانيا في حدود ٢,٦ ملايين، وهو رقم لم تعد تردده أكثر الجهات الألمانية حرصاً على التهوين من شأن الطاقة البشرية المسلمة على الأرض الألمانية، بينما تقول بعض مصادر المسلمين أرقاماً أخرى، كالمفكر المسلم الألماني، والسفير سابقاً، مراد هوفمان، وقد قدر عدد المسلمين بأكثر من 6 ملايين مسلم.
ومن الإشارات التي توضح البعد الكمي للوجود الإسلامي في ألمانيا، أن برلين وحدها توصف بأكبر مدينة تركية خارج تركيا، إذ يعيش فيها أكثر من ١٦٠ ألفاً من أصل تركي، تقول المصادر الألمانية إن ٤٠ ألفاً منهم يحملون الجنسية الألمانية، علاوة على ذلك، فإنه منذ زمن طويل يحصل على الجنسية الألمانية سنوياً أكثر من ٢٥٠ ألف شخص، قسم كبير منهم من المسلمين، الذين يشكلون على الأرجح أكثر من نصف الأجانب البالغ تعدادهم زهاء 8 ملايين.
يبقى أن الأرقام وحدها لا تصنع شيئاً، أو أنها لا تصنع شيئاً حتى الآن، ففي فترة السبعينيات والثمانينيات، كان الغالب على الوجود «النوعي» للمسلمين في ألمانيا، إنهم من فئات ثلاثة، فئة العمال وذويهم، والذين نعتبر أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أدنى من إمكانية التأثير على صناعة القرار، والفئة الثانية الطلبة.. وهم ضيوف إلى تخرجهم، ثم إما أن يعودوا إلى مواطنهم الأصلية، أو يستقروا في البلد المضيف، ولكن نسبة وعيهم السياسي للدور الذي يمكن أن يقوموا به بعد استقرارهم بقيت متدنية، والفئة الثالثة فئة المهاجرين لظروف سياسية أو اقتصادية في بلدانهم، وهؤلاء كانوا على الدوام بعيدين عن السياسة الداخلية، وحتى عن ممارسة نشاطات سياسية إيجابية تتعلق بقضايا بلادهم خشية الترحيل أو التقييد.
ولكن النوعية الجديدة التي بدأت تغلب على أعداد المسلمين في ألمانيا هي جيل الشباب من مواليد ألمانيا، مع من اعتنق الإسلام من أبناء البلاد الأصليين، فهؤلاء يمكن اعتبارهم جزءاً من تكوين المجتمع الألماني نفسه، وكثير منهم حافظ على تميزه الألماني، ودون أن يفقد الأرضية المشتركة مع الألمان الآخرين، ولئن وقع تحول في التعامل مع الجانب السياسي للبلاد، فمن المنتظر أن ينبثق عن هذه الفئة في الدرجة الأولى رغم أنها تواجه الآن صعوبات جمة ناتجة عما يوصف بصراع الهوية، الذي يثيره فريق يحاول أن يجعل انتماءها للإسلام نقطة فاصلة بدلاً من أن تكون نقطة انطلاق لتأثير إيجابي في المجتمع الذي تعيش فيه، وتلتقي جهود هذا الفريق - من حيث لا يريد بطبيعة الحال - مع جهود مضادة للوجود الإسلامي في ألمانيا تصدر عن اليمين المتطرف وعن العلمانيين المتشددين، فهؤلاء وهؤلاء يريدون أن يكون المسلمون «أقلية» منفصلة عن المجتمع، يمكن التخلص منها، كما يريد المتطرفون أو يمكن منحها بعض الحقوق كأقلية... كما يقول المعتدلون.
بين السلبية.. والتأثير الإيجابي المسلمون موجودون من الناحية الكمية، وموجودون كقضية مطروحة في المجتمع، ولاسيما في فترة الانتخابات، ولكنهم مازالوا غير موجودين كعنصر مؤثر... فوجودهم سلبي بشكل عام، ولا توجد عمليات استطلاع رأي يمكن الاعتماد عليها حول «سلوك المواطنين» أو الناخبين المسلمين في ألمانيا ولعل أول من حاول التحرك بهذا الصدد هو المعهد المشار إليه أنفاً، وقد قدر في عملية استطلاع أجراها أن أكثر من ۷۰٪ منهم كانوا عازمين على انتخاب الحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي فاز الأسبوع الماضي بزهاء ٤٠٪ من الأصوات ووصل إلى السلطة مع حزب الخضر... الذي نال تأييد ١٧٪ من المسلمين، وفاز بأقل من 7 % من الأصوات عموماً.
ولئن لم تكن هذه الأرقام دقيقة تماماً، فهي تعبر عن اتجاه سائد في أوساط المسلمين منذ سنوات تجاه الحكومة الائتلافية التي أسقطتها الانتخابات من اتحاد الحزبين المسيحيين، وحزب الديمقراطيين الأحرار.. فسياسة الأجانب عموماً لا تصيب المسلمين الأجانب فقط بنتائجها، بل تصيب أيضاً حملة الجنسية الألمانية ويمكن أن تصيب ذوي الأصل الألماني بصورة غير مباشرة وكأنهم من الأقلية التي لوحظ أن بعض الساسة من اليمين، كانوا يحاولون أثناء المعركة الانتخابية التقرب على حسابها من أنصار اليمين المتطرف، وكان من أبرز تلك المواقف إقدام وزيرة التربية في ولاية بادن فورتمبيرج على رفض الترخيص المسلمة ألمانية ذات أصل أفغاني بمزاولة مهنة التدريس التي حصلت على الشهادة بمزاولتها في ألمانيا، وهو ما سبق أن نشرت المجتمع مقالاً موجزاً عنه. ومن تلك المواقف الشاذة الإصرار على ترحيل مئات اللاجئين المسلمين من كوسوفا إليها عن طريق بلجراد رغم الحرب الدائرة، وكذلك محاولة إدارة محلية في بافاريا ترحيل أسرة تركية بكاملها، مضى على وجودها ثلاثون عاماً في ألمانيا، بسبب إقدام ولد قاصر فيها على عدد من الجنايات.. هذا مع ملاحظة أن ارتفاع نسبة الجريمة يتصاعد باستمرار بين الأطفال والناشئة في ألمانيا عموماً. وليس بين فئة دون أخرى، وقبل الانتخابات بأيام معدودة صدرت عن أحد المسؤولين من الحزب المسيحي الاجتماعي مواقف تحذر من أن المسلمين في ألمانيا يريدون إقامة جمهورية إسلامية ألمانية... وهو ما أثار الغضب والاستياء بين المسلمين عموماً، باعتباره نوعاً من التحريض الأغراض انتخابية محضة، كما بث التليفزيون عدداً من الدعايات الحزبية من اليمين المتطرف. كان منها دعاية تحذر من ارتفاع عدد المآذن في ألمانيا من بضع عشرات إلى بضعة ألوف خلال سنوات معدودة.
ومع ملاحظة أن القضايا السياسية الخارجية لا تلعب دوراً حاسماً في المنافسات الحزبية ولا في مواقف الناخبين يظهر أن الميدان الحقيقي للتأثير، هو ميدان القضايا اليومية الداخلية، على مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والتعليمية.. وهنا يستطيع الناخبون المسلمون أن ينشطوا نشاطاً كبيراً، ففي كثير من القضايا المطروحة يمكن أن تجد المواقف الصادرة عن اقتناعات إسلامية ودراسات موضوعية تجاوباً كبيراً، لاسيما إذا صدرت بصورة مشتركة مع فئات أخرى لها منطلقات غير إسلامية.. ومثال ذلك البيئة وحقوق الإنسان، والقيم المطلوبة في البحث العلمي، بل حتى الاختلاط في المدارس، فقد ظهرت دراسات ألمانية عديدة تبين مساونه من وجهات نظر تعليمية محضة.
بين السلوك.. والصيغة المطلوبة
ويوجد مسلمون منتسبون إلى بعض الأحزاب القائمة، ويعملون من خلالها .. ولكن لا توجد صيغة مطروحة لكيفية الجمع بين الانتماء الإسلامي والعمل الحزبي، بل يسمع في غياب تلك الصيغة تنديد شديد بأي محاولة للاقتراب من العمل الحزبي، ويصل أحياناً إلى درجة التكفير، ولعل علماء المسلمين، وعلى وجه التحديد أصحاب المعرفة المباشرة بأوضاع الدول الغربية ووجود المسلمين فيها، هم المسؤولون عن طرح اجتهادات توجيهية بهذا الصدد، مع ضمان «المرونة» في الأخذ بها وتطبيقها، فلا يكون الاجتهاد المعارض حجة يتذرع بها المتسرعون بأحكام التكفير، ولا يكون الاجتهاد المؤيد حجة يتذرع بها المتسرعون في الاندماج في المجتمع الغربي في ميادين أخرى يزعم أن الضرورات تبيح المحظورات.
وعند الاطلاع الموضوعي الدقيق على الأوضاع الراهنة في ألمانيا كمثال، يمكن التأكيد على أن العمل الحزبي لا يتطلب من المسلم الكفر أو ارتكاب أعمال الكافرين والمنافقين.
وبالمقابل فالاطلاع الموضوعي الدقيق يؤكد أيضاً أن المحظورات تبقى محظورات، وأن الإسهام في التأثير على صناعة القرار وصانعيه لا يمثل ضرورة، ولا هو مطلوب من غير القادرين عليه إلا بارتكاب المحظورات، فلا داعي للتمادي في التطرف ذات اليمين وذات الشمال في تعميم الأحكام.
وتبقى في الختام إشارة عابرة ولكنها ضرورية للرد على من يزعم أن السبيل الوحيد لخدمة قضايا الإسلام والمسلمين في بلد لا يمثل المسلمون الغالبية فيه، هو تأسيس حزب إسلامي».. والواقع أن مثل هذه الخطوة – في ألمانيا كمثال - تعني تجميع المسلمين في الحفرة التي يحفرها لهم اليمينيون المتطرفون والعلمانيون المتشددون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل