; المساواة في الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان المساواة في الإسلام

الكاتب هائل سعيد الصرمي

تاريخ النشر السبت 20-يونيو-2009

مشاهدات 60

نشر في العدد 1857

نشر في الصفحة 50

السبت 20-يونيو-2009

  • المساواة تعني التمتع بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون تمييز بسبب الدين أو اللون أو اللغة أو الجنس أو الجاه.
  • الإسلام أول حضارة أقرت المساواة وقضت على الانقسام الطبقي الذي خلفته الحضارات المصرية والهندية والرومانية.
  • المنهج الإسلامي في تحرير العبيد تحرى العدل في العتق ثم ساوى بين العبد وسيده.
  • لا فرق في الإسلام بين عربي وعجمي أو قوي وضعيف أو غنى وفقير إلا بالتقوى والعمل الصالح.
  • الإسلام كفل للذميين حقوقهم والرسول صلى الله عليه وسلم حذر من ظلمهم أو تكليفهم فوق طاقاتهم أو أخذ أموالهم بغير حق.

لقد شغل مفهوم المساواة أذهان المفكرين عبر الزمان والعصور؛ لأنها ذات دلالات متعددة فلسفية وتشريعية وتأتي أهميتها بأنها تحفظ الحقوق بين البشر ولا تستقيم الحياة بغيرها. وتعرف المساواة بأنها التمتع بجميع الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون تمييز بسبب الدين أو اللون أو اللغة أو الجنس أو المستوى الاجتماعي.

وقيل في المساواة إنها المماثلة والعدالة والمراد المشابهة بين الشيئين في القدر والقيمة. والمساواة وفق حقوق الإنسان هي: اشتراك الناس جميعا في الحقوق.

ولقد عرفها أفلاطون بقوله: "هي فضيلة أخلاقية يحققها الفرد في نفسه حينما ينسجم عقله وعواطفه وهي - فضيلة سياسية تحققها الدولة حينما يتم الانسجام بين أفرادها".

وتجدر الإشارة إلى أنها لم تطبق في الحضارة الإغريقية (جمهورية أفلاطون) حيث كان الناس طبقتين: أشرافاً وعبيداً، فكان العبيد يعملون لصالح الأشراف، حتى قال "أفلاطون": "أناسا خلقوا للحكم والسيطرة، وبعضهم خلق لكي يكون محكوما يعمل من أجل غيره وهذا وإن كان منشأ التقسيم لم يكن بسبب الجنس أو النسب وإنما بسبب اختلاف القدرات".

ولم تطبق المساواة قبل حضارة الإسلام مطلقا فالحضارة المصرية والهندية والرومانية وغيرها كلها كان فيها انقسام طبقي، حتى جاء الإسلام فقضى على الانقسامات الطبقية والفوارق التي كانت سائدة؛ لأن مفهوم المساواة في الإسلام: «الناس سواسية كأسنان المشط، في أصل نشأتهم وتكوينهم وبشريتهم، وأنه لا فرق ذلك بين الذكر والأنثى، ولا بين العربي والأعجمي، ولا بين الأبيض والأسود، ولا بين السيد والعبد، ولا بين الغني والفقير لأن هؤلاء جميعا ينحدرون من أصل واحد هو آدم وآدم من تراب».

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]، فالتكريم هنا شامل للجنس كله فجنس الإنسان مكرم عند الله بلا تفرقة فالإسلام لا يسمح بقيام نظام طبقي تسيطر فيه طبقة على أخرى، بل إنه الغى كل سبب يدفع الإنسان إلى الاستعلاء والتحكم في الآخرين(۱)، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 1].

الإسلام حرر العبيد

إن الإسلام اتخذ منهجا عادلا في تحرير العبيد ، جمع فيه بين التحرير للعبيد وحفظ الأموال لمالكيهم، حيث جعل التحرير طواعية لا جبر فيه، وذلك بجعله أجرا كبيرا لمن يعتق الرقاب ، وجعل العتق كفارات لكثير من الحدود، وأقر الاكتتاب وغير ذلك مما يضمن التحرير ومواءمة تصرفات المسلم وفق ما يرضي ربه، ويجعله مطمئناً لا يشعر بحرج شرعي بعد أدائه للكفارة. وبفضل هذا المنهج تحرر كل العبيد في فترة وجيزة عن رضا وقناعة وحب للإسلام، فلو جاء الإسلام لينزع من الناس أموالهم لما دخل الناس في الإسلام.

بل لقد مضى الإسلام إلى ما هو أبعد من تحرير الرقيق فلم يتركهم في عالم الحرية الجديد دون عصبية وشوكة وانتماء. وإنمـا سـعـي إلـى إدماجهم في القبائل والعشائر والعصبيات التي كانوا فيها أرقاء، فأكسبهم عزتها وشرفها ومكانتها ومنعتها وما لها من إمكانات، وبذلك أقام نسيجاً اجتماعياً جديداً عن طريق "الولاء" الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الولاء لحمة كلحمة النسب» (رواه الدارمي).

حتى لقد غدا أرقاء الأمس "سادة" أقوامهم بعد أن كانوا "عبيدا" فيهم. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه - وهو من هو - عن بلال الحبشي الذي اشتراه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأعتقه: "سيدنا وأعتق سيدنا" ! كما تمنى عمر بن الخطاب أن يكون سالم مولى أبي حذيفة حيا فيختاره في منصب الخلافة؛ فالمولى الذي نشأ رقيقاً قد حرره الإسلام، فكان إماما في الصلاة وأهلا لخلافة المسلمين.

ورغم انتكاس الواقع التاريخي للحضارة الإسلامية بعد عصر الفتوحات وسيطرة العسكر المماليك على الدولة الإسلامية، إلا أن حال الأرقاء في الحضارة الإسلامية قد فات أخف قيوداً وأكثر عدلا بما لا يقارن من نظائرها خارج الحضارة الإسلامية.

وعندما سعت أوروبا في القرن التاسع عشر إلى إلغاء نظام الرق وتحريم تجارته لم تكن دوافعها في أغلبها روحية ولا قيمية ولا إنسانية، وإنما كانت في الأساس، دوافع مادية؛ لأن نظامها الرأسمالي قد رأى في تحرير الرقيق سبيلا لجعلهم عمالا أكثر مهارة وأكثر قدرة على النهوض باحتياجات العمل الفني في الصناعات التي أقامها النظام الرأسمالي ولقد كان القرن الذي دعت فيه أوروبا لتحرير الرقيق هو القرن الذي استعمرت فيه العالم، فاسترقت بهذا الاستعمار الأمم والشعوب استرقاقاً جديداً، لا تزال الإنسانية تعاني منه حتى الآن(٢).

مبدأ المساواة في الإسلام

لقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ المساواة في كثير من المواطن منذ بداية الدعوة، ولأهميته بايع عليه المسلمين في أول الإسلام، ففي بيعة العقبة كان أحد شروطه صلى الله عليه وسلم على القوم أن يبايعوه على المساواة لأصحابه إن هاجر وإياهم إليهم.

عن الشعبي قال: لما جاءت الأنصار وعدهم النبي صلى الله عليه وسلم العقبة، فأتاهم ومعه العباس رضى الله عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الأنصار، تكلموا وأوجزوا فإن علينا عيونا» فقال أبو أمامة أسعد بن زرارة: اشترط لربك واشترط لنفسك واشترط لأصحابك فقال صلى الله عليه وسلم: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم، ولأصحابي المساواة في ذات أيديكم» قال: فما لنا؟ قال: «الجنة» قال: ابسط يدك فأنا أول من يبايعك(۳).

لا فرق بين مسلم وذمي في الحقوق

الإسلام كفل للذمي حقوقا وساواه بالمسلم. فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ظلم معاهدا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة».

"وقد اتفق علماء المسلمين على أن للذمي حقاً في بيت المال وأنه سواء مع المسلم في هذا الحق، إذا صار شيخا كبيرا، أو عاجزا عن الكسب والعمل، وقد روي عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدق على بيت من اليهود ثم أجريت عليهم الصدقة من بعده.

لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتَّقْوَى

أكد النبي صلى الله عليه وسلم على مبدأ المساواة الذي قرره في حجة الوداع فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلا إِنَّ رَبَّكُم وَاحد، وَإِنَّ أَبَاكُم وَاحد، أَلا لا فَضْلَ لِعَرَبِي عَلَى أَعْجَمِي، وَلَا لَعَجَمِي عَلَى عَرَبِي، وَلَا الأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لَأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلا بِالتَّقْوَى».

لا فرق بين القوي والضعيف عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمْ المرأَةُ الْمَحْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أَسَامَةً حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٌ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ؟!» ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةً بِنْتَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا»(٤).

أي تجسيد للمساواة أكثر من هذا الذي يقرره النبي صلى الله عليه وسلم حتى على أقرب الناس إليه وهي فاطمة ابنته.

لا فرق بين غني وفقير

لقد عاتب القرآن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما انشغل بعلية القوم من قريش رجاء أن يسلموا، معرضا عن ابن أم مكتوم، فنزل القرآن معاتبا له على ذلك، قال تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) ﴾ [عبس: 1 - 5]

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع في مجلسه الأغنياء والفقراء؛ فمن الأغنياء أبو بكر، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما ومن الفقراء بلال، وصهيب رضي الله عنهما، فأبى مشركو قريش أن يجتمعوا والضعفاء في مجلس واحد، وقالوا لرسول الله: نريد أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا مع هؤلاء العبيد فإذا نحن جئناك، فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا، فاقعد معهم إن شئت، فنزل قوله تعالى : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28]

الهوامش

(۱) القيم الإسلامية، 1/52 .

(۲) مفاهيم إسلامية أ. د. محمد عمارة، 1/164 .

(۳) أخبار مكة للفاكهي، 7/38 .

(٤) صحيح البخاري، كتاب الحدود.

الرابط المختصر :