العنوان «المرأة المعاصرة» بين التحرر والانحلال
الكاتب د. إسماعيل الشطي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1978
مشاهدات 105
نشر في العدد 406
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 01-أغسطس-1978
حول حقوق المرأة تحدثت جيهان السادات قائلة: «إنني وزوجي ندرك قضية حقوق المرأة ونوليها عنايتنا.. وندرك أن رجال الدين هم العقبة الرئيسية في وجه تطوير قانون الأحوال الشخصية.. ولكننا على ثقة من أن هذه العقبة ستزول مع مرور الأيام.. ويتسنى لنا بعد ذلك أن نضع قانونًا يمنع الرجل من الزواج بأكثر من واحدة.. إلا تحت ظروف معينة.. ومن تحديد النسل بمولودين فقط.. ومن.. إلخ»المذيعة: كيف تقترحين قوانين كهذه مع أن زوجك متزوج بأكثر من واحدة ولديك أكثر من مولودين.. كيف.. إلخ».حول هذه المعاني دار الحديث بين مذيعة التلفزيون الأمريكي وبين جيهان السادات.. وبهذه الطريقة يسخر الشعب الأمريكي من هؤلاء..هؤلاء الذين يستميتون لتصفية ما تبقى من علاقة بين الإسلام والمرأة.. وقد قطع هؤلاء شوطًا كبيرًا في مهمتهم.. وخدموا الاستعمار الصليبي الحديث.. واستطاع الاستعمار أن يسخر هؤلاء في خدمته.. وأن يخرج المرأة من خدرها.. وأن يشكل مفاهيمها وتصوراتها من خلال أجهزة التربية والإعلام..واستطاع أن يتصرف في شكلها وتصرفاتها من خلال بيوت الأزياء وعندما استطاع أن يفعل ذلك.. كسب المعركة الاجتماعية بأكملها.. وحول مجتمعاتنا المعاصرة من الصبغة الإسلامية المتوارثة.. إلى الصبغة الجاهلية المستوردة.. فالمرأة _كما نقول_ هن محضن كل أفراد المجتمع.. منه يستقى ومنه يتطبع.. وفيه يتربى.. فكانت أسلحة الاستعمار.. موجهة بقوة وبعنف للسيطرة على المرأة.والمرء يحار.. كيف هذا التدحرج السريع الذي انزلقت به المرأة إلى الهاوية.. كيف خلعت حجابها.. وخرجت من بيتها.. وخالطت الرجال.. وخلفت حياءها وراءها.. وضيقت ملابسها.. وقصرتها.. إلى الركب.. ثم الأفخاذ.. ثم اكتفت بقطعتين صغيرتين على شاطيء البحر..
وتجد منهن بنات الأشراف وأهل المروءة والشهامة..والمرء يحار.. أين وقار المرأة للرجل؟.. وأين هيبة الاحترام للرجل التى لازمتها طوال القرون؟.. وأين حياؤها؟.. وأنوثتها؟.. ولينها وطواعيتها أين كل هذا؟ كل هذابين طيات قصة المرأة المعاصرة.كيف سنبدأ القصةفي مجلة الهلال عدد أول أبريل سنة 1927 وتحت عنوان حديث مع السيدة هدى شعراوي كتبت المجلة مقدمة تسبق المقابلة: «سيجد المؤرخ في المستقبل مادة دسمة لتاريخه في الشهر الماضي. فإني أظن أنه من البديهيات أن مؤرخي المستقبل لن يقصروا همهم على الحروب والملوك ونحو ذلك بل هم سيسجلون للأمم حوادث تطورها ورقيها الاجتماعي والعمراني ويروون ثوراتها الصامتة والناطقة ولن يقتصروا على الرواية بل يعللون ويستنتجون. ففي الشهر الماضي حدث شيئان عظيمان بل ثورتان صامتتان يحتاج المؤرخ في المستقبل إلى أن يبحث تاريخنا في الألف سنة الماضية لكي يقف على كنههما ويعرف مبلغ أثرهما.. وهذان الحادثان هما:1 - أن الحكومة ألفت لجنة لإصلاح الزواج والطلاق في مصر وقررت هذه اللجنة منع تعدد الزوجات إلا بإذن من القاضي ومنع الطلاق إلا في حدود تحول دون الإكثار منه.2 - اجتمعت لأول مرة في تاريخ الإسلام في مصر نساء مسلمات في سوق خيرية أقامتها جمعية الاتحاد النسائي التي ترأسها السيدة هدى شعراوي وكن في اجتماعهن مختلطات بالرجال ومع ذلك سافرات.فكلتا هاتين الحادثتين ثورة صامتة سيكون لها آثارها البعيدة في تطور الأمة المصرية وسيجد فيها المؤرخ مادة صالحة يغزو بها تاريخه..» والقصة لا تبدأ بتلك الحادثتين.. بل سبقتهما حوادث أكثر وأكبر ولا تبدأ بقاسم أمين كما تنوه المجلة فيما بعد.. وإن كان البروز لهذه القصة بكتابي قاسم أمين.. إن القصة تبدأ مع بداية الحملة الفرنسية على مصر وعندما بدأت المعركة الاجتماعية والثقافية. مع بداية عهد الاستعمار الصليبي الحديث.. وعندما أعلن الاستعمار معركته الاجتماعية لم يدخل وحده ولم يتفرد بسلاحه.. استخدم أناسًا من داخل تلك المجتمعات.. وأسلحة من نفس أسلحة تلك المجتمعات.. ودخل بهدوئه الخبيث.. وسكينه الماكر.. وأولئك الناس.. الذين أعانوا الاستعمار على هزيمة الإسلام.. لن نحكم عليهم بالعمالة .. إلا من عرف بذلك.. ولكن سنزنهم بميزان الإسلام ونزن أعمالهم.. فقد يكون بينهم من خدع وغرر به.. وقد يكون بينهم النفعي والوصولي الذي لا يعنيه دمار الإسلام وأمته..أول خيوط القصة..كانت الدولة العثمانية في أتعس مراحلها عندما بدأ النزاع بين الاستعمار الصليبي لاقتسام هذه الدولة.. وكانت انجلترا وفرنسا وروسيا أكثر الدول تنازعًا.. كان كل يمهد لذلك.. ومصر كانت الجوهرة الكبرى التي يطمع فيها الجميع وما كان ينافسها إلا القسطنطينية.. يقول ناظر الخارجية الروسية رومانيتزوف «كانت فرنسا تتوق دائما إلى الاستيلاء على مصر..
وفي أيام كاترينا الثانية _ملكة روسيا_ سمحت، أي فرنسا، لنا بأخذ القسطنطينية على شريطة أن نسمح لها بأخذ مصر» وعندما خرجنابليون من مصر.. كان هناك فراغ سياسي هائل.. فكان محمد علي باشا رجل فرنسا المفضل.. وكان ألفي بك رجل بريطانيا المفضل.. واستطاع محمد علي باشا أن ينفرد بحكم مصر بمعونة فرنسا.. وهذا يتضح جليًا من خلال مراسلات المسيوديلسبس ودروفتى قنصليْ فرنسا في القاهرة والإسكندرية مع تليران وزير خارجيتهما..ومحمد علي رجل نفعي وصولي.. بدأ حياته بتجارة الدخان مع رجل فرنسي اسمه «ليون» فكان ذلك الفرنسي يصبغ الشاب بأمجاد فرنسا كما يروى عنه.. ومحمد علي استطاع بذكائه أن يستغل فرنسا وبريطانيا لتمكين نفسه وتحقيق أغراضه أما فرنسا وبريطانيا فكانتا تعلمان أن الرجل يحمل بين طيات نفسه طموحًا كبيرًا وحبًا للحضارة الغربية ولامبالاة بدينه.. فتنافستا على مساعدته..بدأ محمد على بصبغ مصر بالروح الغربية. فشجع نصارى سورية لأخذ مراكز الدولة وأدخل الثقافة الغربية وطابعها.. وأنشأ المدارس الحكومية منافسة لمدارس الأزهر.. وفتح الكليات الحربية لتكوين جيش قائده رجل فرنسي.. واستجلب مدرسين أجانب.. وأرسى أولى قواعد الإسلام بإنشائه جريدة الوقائع المصرية.. وأرسل بعثات إلى الخارج.. وكما نراه يخطو خطوات طيبة.. ولكنها ليست لعزة الإسلام إنما لتمكين نفسه.. واستغل الغرب خطواته لضرب الإسلام..ومما فعله محمد علي هو إقدامه على تعليم المرأة.. فأنشأ أول مدرسة لتخريج مولدات متعلمات يشرف عليها كلوت تاشا وأنشأ معها مستشفى صغيرًا لأمراض النساء.. كانت هذه أول عمل جديد يقصد فيه المرأة.. في مجتمع لا يعني بالمرأة إطلاقًا والجهل يطبق عليه.. وتعليم المرأة عمل عظيم لو لم يسلم للأيدي الأجنبية.. فمن أول لحظة كانت المدرسة تحت إشراف كلوت بك وبيرون والآنسة جولييت والأنسة غو.. فمن الطبيعي أن تتأثر الصغيرات بطابع أساتذتهن.. هذا مع ملاحظة الطابع العام للدولة المتأثر بالروح الغربية فهذا رفاعة الطهطاوي أحد مبعوثي محمد علي إلى فرنسا يبدأ بترجمة الكتب الفرنسية ويدعو إلى اتخاذ فرنسا قدوة لنا.. ويبدأ بنشر شيء جديد على المجتمع المسلم وهو الوطنية متأثرًا بالروح الغربية.. وينشر أفكاره في مجلة الوقائع المصرية التي أصبح أهم محرريها.. وفي أناشيده:
مصر أبهى مولد **** لنا وأزهى محتد
ومربع ومعهد **** للروح أو للبدن
كل فتى جليل **** يعشق وادي النيل
كم فيه من نزيل**** يقول مصر وطني
وتبدو آثار إعجابه بفرنسا من خلال كتابه «تلخيص الإبريز» و «مناهج الألباب المصرية».. يكتب مطالبًا بتعليم المرأة «المرشد الأمين».. ولكن يخلف محمد علي آنذاك عباس حلمي الذي يحمل عداء وبغضًا للغرب مما عطل خطة الغرب آنذاك.. فكان كثيرًا ما يعاكسهم في مشاريعهم وجمد مشروعاتهم القديمة.. بل إنه نفى الطهطاوي وزمرته إلى السودان ولم يتمكن الغرب من انطلاقهم بيسر إلا بعد مقتل عباس حلمي بصورة غامضة وغريية ليندفع الغرب في تلوين المجتمع المصري بالطابع الغربي.. وخطوات محمد علي خطوات طيبة لو كانت لصالحالإسلام.. ولكنها كانت بجملتها لمحاربة الإسلام..
- مصر قطعة من أوروبا..
وهي أمنية الخديوي إسماعيل.. أن يجعل مصر قطعة من أوروبا.. بكل ما تحويه الجملة.. والكاتب الصليبي الحاقد سلامة موسى يكتب في الهلال مقارنة بين الخديوي إسماعيل وأتاتورك ويبين أن لهم نفس الهدف وإن اختلفا بالمنهج.. وهذهنتيجة صحيحة وإسماعيل جاء بعد الخديوي سعيد الذي تشرَّب الروح الغربية منذ صغره.. فقد كان مهذبه فرنسيًا يدعى «كونيج بك». وقضى كثيرًا من فترات شبابه في فرنسا لإكمال تهذيبه.. صديقه فردينان ديلسبس صاحب مشروع القناة.. واشتهر سعيد بحبه وعطفه على الأوروبين.. وهو الذي بدأ بصبغ مصر بالطابع الغربي لكي يأتي إسماعيل ويؤكد هذا.. أما ما يعنينا من جانب المرأة.. فإن الحياة الاجتماعية أخذت طابعًا آخر.. فقد شهدت قصوره الحفلات الراقصة وشهد عصره أذواق الملابس الجديدة حتى ألوان الطعام تنوعت وتحدثنا الوثائق أنه أشترك لزوجاته وسيدات أسرته في سبع مجلات «للموضة» فكانت نماذج الأزياء في مصر والشرق العربي تخرج من قصوره.. وبعد أربع سنوات من حكمه في ٢١ مارس١٨٦٧ شكَّل لجنة للنظر في شأن مدارس جديدة للبنات.. وتقدمت زوجته الثالثة حشمة آفت هانم أفندي لرعاية هذا الموضوع.. فاشترت قصرًا وحولته مدرسة للبنات.. واستطاعت بنفوذها القضاء على تردد المصريين في إرسال بناتهم. واشتد إقبال الفتيات على تلك المدرسة.. وكان التعليم بالمجان وبنظام السكن الداخلي.. وتقدمت أور طنجة هانم أفندي زوجة إسماعيل الثانية إلى هذا الميدان وافتتحت مدرسة أخرى.. وأنشأ ديوان الأوقاف مدرسة أخرى لنفس الغرض.. وأخذت هذه المدارس بتنظيم حفلات ومهرجانات تحضرها الأميرات وتنشر صحيفة الوقائع المصرية تفاصيلها.. شيء لم تألفه مجتمعاتنا آنذاك.. وساعد على ذلك التغيرات الأخرى التي حدثت في الدولة من إنشاء الإدارات المركزية.. والبطاقات الشخصية، ونشوء مبدأ الوطنية والإقليمية وإنشاء الشوارع والطرق على الأسلوب الفرنسي والعمارات الشاهقة والكازينوهات وظهور المطربات والفرق الموسيقية.. وتأسست شركة التلفونات الإنجليزية.. وافتتحت السينما وأنشأ أول خط ترام.. وأسس البنك الأهلي ومنح امتياز إصدار الأوراق المالية... وانتشرت الخمارات وافتتحت دور البغاء المرخصة من الحكومة.. وتجرأ الناس على ارتكاب الموبقات والجهر باسم الحرية الشخصية.. وتؤسس النوادي والمحافل الماسونية ويقدِم الأفغاني إلى مصر ليؤسس محفلًا ماسونيًا آخر.. ويؤسس الحزب الوطني الذي يجعل العلمانية أحد أسس برامجه.. ويبدأ حزبه بالترويج للسفور.. ويتوالى خروج الصحف الجديدة التي يدعمها الأفغاني بواسطة محفله.. ويتصدر النصارى رئاسة تحرير هذه الصحف.. ويقول «فيليب حتي» عن هذه المدرسة وأستاذها الأفغاني إنها الباعث الرئيسي الأول للروح العصرية.. وكما ترى مجلة الهلال بأن فِرَق التمثيل بدأت تتوافد على مصر في زمن الخديوي إسماعيل وكان البادئون نصارى سوريا واليهودي عندما قدم حاخام اليهود في تركيا إلى مصر مصطحبًا معه مجموعة من اليهوديات، مثل روز اليوسف وغيرها ليبثهن في المجتمع المصري.. ويبدأ الخديوي بالاهتمام بهذا الفن، فكما تقول الهلال أول نوفمبر سنة ١٩٢٤«وحدث أن الخديوي السابق عرف فتى سوريًا متمصرًا يعشق التمثيل وكأنه قد خلق له نعني به جورج أبيض فأرسله إلى أوروبا على نفقته الخاصة حيث درس هذا الفن على يد أساتذته وعاد إلى مصر سنة ١٩١٢».. أمام هذا التغير الرهيب كانت لاتزال نساء المجتمع العريض لم بجرؤن على الخروج عن المعروف والمألوف.. كان التغير محصورًا في نساءالطبقة الراقية الثرية التي دأبت على استقدام الأجانب كمربيات لأبنائهن.
- الجهاد:
الجهاد باب من أبواب الجنة فمن تركه ألبسه الله لباس الذل وأشمله بالبلاء وألزمه الصغار، وسامه الخسف، ومنعه النصف.