العنوان "المخلب" الأمريكي في السودان
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 24-أغسطس-2002
مشاهدات 68
نشر في العدد 1515
نشر في الصفحة 17
السبت 24-أغسطس-2002
لا ينكر المراقب للشأن السوداني أن السياسة الأمريكية تمكنت من إعمال مخالبها في قضية الجنوب حتى أصبحت طرفًا رئيسًا ومؤثرًا في المفاوضات الدائرة بين الحكومة والمتمردين.
ولم تحقق الإدارة الأمريكية هذه الخطوة بسهولة، فقد سبقتها حرب مريرة ومتعددة الميادين والأطوار منذ مجيء حكم الإنقاذ للسودان، ومن يراجع وقائع تلك الحرب يتذكر على الفور أنها حافلة بالمآسي على الشعب السوداني ومنها - على سبيل المثال لا الحصر:
- تلك الحملة الدعائية الواسعة التي اتهمت نظام الإنقاذ في سنواته الأولى بإيواء الإرهابيين، وتدريبهم وهي الحملة التي أفضت إلى وضع السودان على قائمة ما يسمى بـ«الإرهاب»، وفرض حصار اقتصادي أمريكي موجع على الشعب السوداني.
- ذلك الحلف العسكري الذي قادته الولايات المتحدة علنًا لإسقاط نظام الحكم في السودان وضم دول الجوار السوداني في الشرق والجنوب (إثيوبيا- إريتريا - كينيا - أوغندا)، وكان رأس الرمح فيه قوات المتمرد جارانج الذي تحالف يومها مع المعارضة الشمالية (حزب الأمة - الحزب الاتحادي)، وهو التحالف الذي تم عقب قرار الصادق المهدي من السودان عام ١٩٩٧م. وقد شن هذا التحالف حربًا طويلة ضد الوطن رافعًا شعار «إنقاذ الوطن»
ولا ندري في أي خانة من تاريخ المعارضة السودانية يضع السيد الصادق المهدي وزعماء الحزب الاتحادي الديمقراطي هذه الفترة؟!
- الحملة الدعائية الغربية بقيادة منظمات إغاثية مشبوهة وعلى رأسها البارونة كوكس التي روجت على نطاق واسع اتهام السلطات السودانية بممارسة تجارة الرق في جبال النوبة والجنوب، مطالبة بتحرك يمنع تلك المأساة الإنسانية (المزعومة) بالقوة، وهو ما مثل شماعة لمحاولات تدخل أجنبي في السودان.
وهكذا وقع السودان يومًا بين شقي رحى حرب شريرة وعنيفة على حدوده الشرقية والجنوبية، ومحاولات للتدخل العسكري في أراضيه من الداخل، وسط حصار اقتصادي وحرب دعائية تشوه مواقفه في المجتمع الدولي.
وظل السودان يومها يواجه ذلك وحيدًا.. فوسط تلك "المعمعة" كانت دول الجوار العربية للسودان إما على خلاف معه، منسقة في مواقفها مع الموقف الأمريكي أو تتعامل معه بفتور على أحسن الأحوال.
لقد أدار الجميع يومها ظهره للسودان منتظرين سقوط نظامه -بأي أيد وبأي طريقة- غير أن النظام لم يسقط ولكن الدولة أنهكت من الضربات المتواصلة «النازلة» فوقها من كل الاتجاهات ووسط حالات الإنهاك تتفتق الثغرات وينفذ منها العدو المتربص.. فكان ما نشاهده اليوم.. شبه انفراد أمريكي بحل قضية الجنوب فقد أصبح الجالس الرئيس على المائدة للتوفيق بين المتصارعين هو الطرف الأمريكي، منحيًّا تمامًا الدور المصري والمبادرة المصرية الليبية.
وأصبح المشهد الماثل أمامنا هو تمكن المخالب الأمريكية من السودان في قضية الجنوب، وهو الأمر نفسه الحادث مع مصر في قضايا كثيرة، ولا شك أن القرار الأمريكي الأخير بمنع أي مساعدات جديدة لمصر هو نوع من ممارسة الضغط عليها بهذه المخالب وهو الأمر الذي رفضته مصر ونتمنى ازدياد هذا الرفض قوة.
لكن السؤال: أليس غريبًا وعجيبًا استمرار العلاقات المصرية السودانية على النحو الذي نعاينه منذ سنوات بين توتر وفتور وسوء تفاهم؟.. إذا لم ينتفض البلدان فورًا ويصيغا علاقة استراتيجية تجعل من الحفاظ على وحدة الأرض والشعب قضية حياة أو موت في هذا الوقت.. فمتى يكون التحرك؟!
إن السودان مهدد في المستقبل القريب بإمكانية تمزيق أرضه وهو ما يعرض مصر للموت عطشًا، أما في المستقبل البعيد فإن ما يمكن أن يحدث ينذر بزلزال -لا قدر الله- سيفضي حتمًا إلى إعادة تشكيل خريطة المنطقة جغرافيًّا وسياسيًّا.. ولن يكون ذلك بعيدًا عن مصالح المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل