; «المجتمع» تنفرد بنشر.. مشروع المعالجة الشاملة لأزمة الحكم في السودان | مجلة المجتمع

العنوان «المجتمع» تنفرد بنشر.. مشروع المعالجة الشاملة لأزمة الحكم في السودان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-2000

مشاهدات 49

نشر في العدد 1385

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 25-يناير-2000

 

  • الدولة تقوم على البيعة العامة لرئيسها وهي بيعة ملزمة في المنشط والمكره طالما أطاع الله وأقام الدين

• تجاوزًا للأزمة الماثلة يلتزم الطرفان بالنزول على حكم المحكمة الدستورية العليا والإبقاء على اختصاصات السلطة التنفيذية لتعدل في الوقت المناسب

• لا بد من تحديد الصلاحيات والاختصاصات تحديدًا دقيقًا منعًا للاحتكاك والتضارب بين الأجهزة العليا للدولة

• البديل لنزاع قيادتين ليس إنشاء جماعتين أو تكوين حزبين لأن النتيجة هي الضعف والفشل لكليهما

اضطلعت ثورة الإنقاذ في السودان بقيادة الدولة، في ظل ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد، وقد تعرضت البلاد في سياق ذلك إلى ضروب من الابتلاءات التي انعكست على مدى العقد المنصرم حصارًا سياسيًا وإقتصاديًا وإعلاميًا حينًا، وغزوًا عسكريًا سافرًاأحيانًا أخرى.

هكذا كان حالنا حتى أدركتنا دورة الابتلاء الداخلي الماثلة، والتي تشكل أخطر تحدٍ يواجه المؤتمر الوطني، ولعل أخطر ما في هذا الابتلاء أنه أصاب رأس التنظيم ثم مضى ينداح لا سيما بعد انعقاد مؤتمره التأسيسي الحاشد في أكتوبر الماضي، ولئن عصم الله الأيدي والدماء بلطفه، فقد استباح البعض في طرفي النزاع التجريح والتراشق، وإساءة الظن بالنوايا والخواطر، حتى أضحت سيرتنا قاعدة وقيادة على ألسنة خصومنا صباح مساء، وفي كل مكان.

وها هي النذر والأخطار المحدقة تلوح في سمائنا تنبئ عن مهددات خارجية وامتدادات داخلية، وقد توالت المساعي من المخلصين في الداخل والخارج لرأب الصدع الغائر وردم الهوة السحيقة، وها هي الأزمة المستعصية تأخذ طرفيها من الجسم الواحد في خط المواجهة التي بلغت ذروتها من خلال التصعيد الذي أحدثه عرض التعديلات الدستورية ثم ما تجاوزها من تصعيد مقابل أفضى لإعلان حالة الطوارئ وحل المجلس الوطني.

ورغم هذه الأجواء المكدرة، وما أفرزته من حالة إحباط في أوساطنا خاصة، والمواطنين عامة، فإن واجب المضي قدمًا بالسعي لاحتواء التصعيد، وتقديم معالجة شاملة وشافية وعاجلة وحاسمة، يبقى مهمة جليلة على عاتق أهل المشروع الحضاري.

نشأة المجموعة

في سياق البحث عن معالجة شافية للأزمة، انبرت مجموعات عديدة من الإخوة- المشفقين- للسعي في هذا الاتجاه، وشاء الله أن يكون من بين الساعين هذه المجموعة التي تداعى لها نفر كريم من رموز المؤتمر الوطني ومؤسسيه، وأضحت هذه المجموعة موضع ثقة القواعد ومناط رجائهم في الخروج من الأزمة، لأن أفرادها لم يتورطوا في الصراع الدائر، ولم يتمحوروا حول طرفيه، بل تجردوا لمعالجة هذه الفتنة، بعيدًا عن أي تطلعات.

اتجهت المجموعة لأول عهدها لتنظر في دواعي وأسباب الخلاف، فوجدتها تكمن على وجه الإجمال في الآتي:

  1. قضايا الانتقال الكبير من التنظيم للدولة ومن الأوضاع العسكرية للمدنية، ومن التنظيم الواحد للتعددية، والحريات الواسعة التي بسطها التطور الدستوري بعد الضبط الذي لازم مراحل التأسيس.

  2. السرعة التي تم بها ذلك الانتقال في بلد تحيط به التحديات الداخلية والخارجية.

  3. قضايا المؤسسية والشورية والمرجعية وحاكمية التنظيم، وما يتصل بها من معانٍ ومفاهيم ودلالات لدى الأطراف كافة.

  4. ازدواجية القيادة.

  5. البيعة ومدلولاتها والتزاماتها.

  6. عدم وضوح الخطوط الدقيقة الفاصلة بين الأجهزة والمؤسسات العليا في المؤتمر والدولة والتضارب في علاقاتهما، وضعف التشاور والتنسيق بينهما.

  7. السعي بالوقيعة بين الأطراف من بعض العناصر.

  8. ضمور معاني الإخاء والثقة على المستوى القيادي بسبب تلك العوامل جميعًا.

بداية التحركات: انتدبت المجموعة في بداية سعيها لجنة للاتصال بالأمين العام «الترابي» والرئيس «البشير»، والنائب الأول «علي عثمان طه» لإطلاعهم على المهمة التي تريد المجموعة القيام بها لاحتواء النزاع، ومعالجته على نحو شافٍ.

ثم صوبت المجموعة - بعد التداول - جهدها نحو تحقيق الأهداف التالية:

(أ)

1- حفظ وحدة المؤتمر الوطني وقيادته وعلاقاته.

2- ضمان سلامة الدولة وأمنها وسيادتها وسائر أجهزتها.

٣- الالتزام الصادق بالشورى وناتجها بعد التداول - من الجميع.

٤- الالتزام الصارم بالمؤسسية والاحتكام لأجهزتها.

5- الإقرار بحاكمية المؤتمر من خلال وضع السياسات العامة، ومحاسبة الأجهزة على تنفيذها حضوريًا.

6 - الاعتصام بجماع الثوابت والأهداف الواردة، ضمانًا لبقاء التوجه الحضاري، هديًا شاملًا للحياة والمجتمع والدولة.

(ب) حسم الصراع القائم بتدابير شافية عاجلة، على نحو شامل يؤمن الأهداف الواردة في بند «أ» وبأقل الخسائر إن لزم.

إن جهد المجموعة التي وصلت الليل بالنهار، تلمست آراء العديدين في القيادة والقاعدة، واستصحبت الكثير من المعلومات والرؤى، هذا الجهد نظر الأسباب والمسببات، وفي الرجال، والأجهزة، والأقضية، بغرض وضع الدواء الصحيح للأدواء العضال واستلهم روح القواعد العريضة لقياداتها، والتي تجلت رغبتها الكاسحة في خيار وحل يرفض كل أشكال الصراع والتمزق والانشقاق، ويلتزم وحدة المؤتمر، واستقرار الدولة، وتأمين المشروع الحضاري.

ولئن كان الصراع في شأن الحكم قدرًا نافذًا على العالمين، لم يسلم منه حتى الصحابة في صدر الإسلام، فقد لزمنا مقابلة ذلك الابتلاء ما استطعنا حتى لا تكون فتنة ﴿وَٱتَّقُوا۟ فِتۡنَةࣰ لَّا تُصِیبَنَّ ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمۡ خَاۤصَّةࣰۖ﴾ (سورة الأنفال: 25)، وإن من عوامل رد بلاء الفتنة السعي بالإصلاح بين الطائفتين المتصارعتين، ولو اقتضى حملها على الحق جميلًا حتى تتم العودة لأمر الله وعندها ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (سورة الحجرات: آية 9)، إنصافًا للطرفين من بعضهما، ومن أنفسنا، موقفًا ونصحًا، وحجزًا، في هذا السياق، واستشرافًا لمرحلة جديدة تتم فيها المعالجة والصلح والإصلاح، ويتحقق بها جمع الكلمة، ووحدة الصف، تتقدم المجموعة بهذه العواصم من تلك القواصم.

بنود المعالجة

استصحابًا لما حدث، وحفظًا لكيان المؤتمر والدولة التي بنينا وصيانة للمشروع الذي أنجزنا وتأمينًا للمكاسب التي حققنا، وحتى لا نكون ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ (سورة النحل: آية 92) يتم الآتي:

أولًا:

  1. يبقى كل من الأمين العام والرئيس في موقعه، لتجني الدولة والتنظيم رصيد الخبرة والتجربة والعلم والولاء الذي اكتسباه عبر السنين.

  2. إذا تعذر ذلك يقف الذي لا يبقى في منصبه موقف الناصح من غير اعتزال للجماعة، ولا خروج عليها، ولا شق للصف، ذلك أن البديل لنزاع قيادتين ليس إنشاء جماعتين، أو تكوين حزبين لأن النتيجة هي الضعف في كليهما، بل والفشل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (سورة الأنفال: آية 46) ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: 46).

ثانيًا:

  1. منعًا للاحتكاك والتضارب بين الأجهزة العليا في الدولة والتنظيم يلزم تحديدالاختصاصات والصلاحيات والسلطات تحديدًا دقيقًا، وأن يقوم التشاور والتنسيق بين قادة تلك الأجهزة في رئاسة الجمهورية، والأمانة العامة، والمجلس الوطني.

  2. يضطلع التنظيم في علاقته بالدولة برسم السياسات العامة ووضع الخطط والمساندة، وحشد التأييد، وتلقي التقارير من الجهاز التنفيذي لمحاسبته دوريًا.

  3. يتولى الجهاز التنفيذي تفصيل البرامج ويقوم بالتنفيذ، وقيادة الحكومة دون تدخل من التنظيم في عمل الدولة اليومي.

  4. إذا استجد طارئ يقضى فيه بالتشاور بين الحكومة والتنظيم والمجلس، وتحدد اللوائح كيفية إجراءات ذلك.

ثالثًا: البيعة:

يقوم المؤتمر على العهد والتواثق بين الجماعة، وتقوم الدولة على البيعة العامة لرئيسها، حيث يشترك فيها أعضاء المؤتمر مع الناس كافة، وهي بيعة ملزمة، توجب طاعة ولي الأمر في المنشط والمكره، ما أطاع الله، وأقام الدين، وجهد في مصالح الأمة.

رابعًا: الشورى: الشورى لازمة وملزمة، حيث يلتزم الرئيس والأمين العام بشورى الجماعة، عبر الأجهزة التنظيمية، وكذلك سائر القياديين.

خامسًا: الأزمة الدستورية: تجاوزًا للأزمة الدستورية الماثلة، يلتزم طرفاها بالنزول على حكم المحكمة الدستورية، تأكيدًا لالتزامها بالدستور.

سادسًا: رفع حالة الطوارئ السارية حاليًا في البلاد بأعجل ما تيسر.

سابعًا: تتحرى أجهزة المؤتمر والدولة الإجماع أو ما يقاربه في القضايا ذات الأهمية والخطورة.

ثامنًا: يتم لقاء أسبوعي دوري بين قيادة الأجهزة العليا للدولة والمؤتمر رئيس الجمهورية، الأمين العام للمؤتمر الوطني، ورئيس المجلس الوطني، تبادلًا للمعلومات وتشاورًا وتنسيقًا.

تاسعًا: سد باب الفتنة بمساءلة الذين خاضوا فيها - لاسيما الذين تولوا كبرها وأخذهم بأدب الشرع تذكرة، وإبعادًا عن مواقع التأثير والقرار.

عاشرًا: مقترحات تنظيمية: تأسيسًا على ما تقدم، واستصحابًا للدستور، والنظام الأساسي،تقدم اللجنة المقترحات التالية:

  1. وضع وإعـمال اللوائح المحددة للاختصاصات والمنظمة للعلاقات بين الأجهزة التنظيمية والتشريعية.

  2. الإبقاء على اختصاصات السلطة التنفيذية المحددة في الدستور واختصاصات أجهزة المؤتمر النظام الأساسي لتعدل في الوقت المناسب عبر القنوات المختصة بذلك.

  3. وضع وإعمال اللوائح المنظمة والمحددة لكيفية التنسيق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وفقًا للنظام الأساسي.

  4. وضع لائحة تفصل اختصاصات الهيئة القيادية المحددة في البند «1» و«2» من النظام الأساسي.

  5. تكون أجهزة المؤتمر حاكمة لأجهزته وعضويته ولسياسات الدولة العامة وخططهاالعريضة.

  6.  أ- تكون قرارات أجهزة المؤتمر ملزمة فيما يليها وبالنسبة للجهاز التنفيذي كسياسات عامة وخطط عريضة تفصلها الأجهزة التنفيذية في برامج عملية.

ب - تقوم أجهزة المؤمر المختصة بالمحاسبة الدورية لأداء الأجهزة التنفيذية ولا تتدخل في تفاصيل وتنفيذ السياسات والبرامج الخاصة بالأجهزة التنفيذية

7-أ- إعادة إنتخاب وتشكيل الأجهزة التنفيذية للدولة وأجهزة المؤتمر الوطني.

ب - إعادة تشكيل الجهاز التنفيذي بما يحقق الأداء الأوفق ويحقق الثقة والاطمئنان للجميع.

ج - استكمال مجلس الشورى بالقيادات المؤهلة لعضويته.

د- إعادة تشكيل الهيئة القيادية «القومية» بما يحقق الثقة والاطمئنان للجميع.

هـ - إعادة تشكيل لجنة التعيين والمحاسبة بالهيئة القيادية بما يتفق مع النظام الأساسي.

و - وضع وإعمال اللوائح المنظمة لاختيار القيادات.

ز - اختيار قيادات أجهزة المؤتمر والأجهزة التنفيذية وفقًا لفقه الجرح والتعديل مع توخي روح الإجماع في الاختيار ومراعاة النظام الأساسي.

8- أ-  إنشاء لجنة توفيق وتحكيم تفصل في تنازع الاختصاصات بين أجهزة المؤتمر والأجهزة التنفيذية وخلافات القيادات وتكون هذه اللجنة تابعة لمجلس الشورى.

ب - يكون قرار لجنة التوفيق والتحكيم فيما يلي النزاع ملزمًا لكافة الأجهزة وكل القيادات.

ج - تتكون عضوية لجنة التوفيق والتحكيم من خمسة إلى سبعة أعضاء ذوي خبرة وكفاءة ومحل إجماع.

د. وضع وإعمال اللوائح المنظمة للجنة التوفيق والتحكيم.

9 - أ - الالتزام بالنسق المؤسسي الشوري في اتخاذ القرارات مع مراعاة اختصاصات الأجهزة وتحاشي تغول جهاز على اختصاصات جهاز آخر.

ب - الرجوع في القضايا المهمة التي تطرأ على الجهاز التنفيذي أو المؤتمر والتي لا تشملها السياسات المجازة للأجهزة المختصة.

10 -  لا يتخذ الأمين العام أو رئيس الجمهورية أو أي قيادي في المؤتمر أو الجهاز التنفيذي قرارًا بمفرده فيما يلي شؤون المؤتمر وأمور الدولة المهمة.

11 - تتخذ كل القرارات عبر الأجهزة المختصة وفقًا للدستور والنظام الأساسي.

12 - تعديل النظام الأساسي بما يكفل إنقاذ المعاني الواردة في هذه الورقة.

13 - يكون لمجلس الشورى حق تعديل النظام الأساسي في غياب المؤتمر العام.

14 - تفوض هيئة الشورى رئيسها لتكوين لجنة لوضع اللوائح ومقترحات التعديل للنظام الأساسي، وإنفاذ سائر بنود مشروع المعالجة الواردة.

15 - دعوة مجلس الشورى لاجتماع طارئ فور انتهاء اللجنة من عملها للنظر في إقراره.

الخاتمة

وبعد، فلئن أصاب الأذى والتشويه كلًا من المؤتمر والدولة من جراء الصراع المرير وتداعياته الأخيرة، ومن عجز القيادة والقاعدة المتطاول عن حسمه، فقد جرى من جهة أخرى التشكيك في مصداقية المشروع وشعاراته المنصوبة التي رسخت المعاني الكبيرة، معاني تلاشي الذات وفنائها فى سبيله، وسقطت كذلك الهيبة، ولحق بنا جميعًا الهوان، وأهدينا الأعداء والخصوم صوارم قاطعة لألسنتنا ونافذة في صدورنا.

بيد أن في هذا الليل الطويل البهيم المدلهم، تلوح بارقة في السماء تهيب بنا جميعًا إلى وثبة تاريخية كبرى، ننصف بها المشروع الحضاري العزيز من أنفسنا ونتسامى بها فوق الجراح وفوق دواعي الانتصار للذات فنفاجئ الدنيا من جديد، ونخرج إلى العالم مرة أخرى على كلمة سواء، وبصف متحد، وتنظيم واحد، ودولة مهابة، تحمل مشروعها وتتقدم به في ثقة وعزة بين العالمين.

حينها فقط، يعلو أمرنا، وتشرق شمسنا، وتعود للمؤتمر والدولة ومشروعها الجاذبية، ويتألق للعالمين المثال: ﴿وَیَوۡمَىِٕذࣲ یَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ﴾ (سورة الروم آيات  4- 5).

 

الرابط المختصر :