; "المجتمع" تفتح ملف "الحوثيين" | مجلة المجتمع

العنوان "المجتمع" تفتح ملف "الحوثيين"

الكاتب فتحي عبدالقادر

تاريخ النشر الأربعاء 01-أكتوبر-2014

مشاهدات 81

نشر في العدد 2076

نشر في الصفحة 18

الأربعاء 01-أكتوبر-2014

العاصمة صنعاء سقطت فكرياً وسياسياً بيد "حركة أنصار الله" الشيعية الحوثية وهي الآن تترنح على وشك السقوط عسكرياً

تشير بعض التقارير إلى أن العاصمة صنعاء تم تقسيمها عسكرياً إلى 10 مناطق جغرافية تنتشر فيها "كتائب الحُسين" المسلَّحة

مثّلت صعدة دوماً عبر التاريخ نقطة انطلاق عسكري صوب العاصمة صنعاء للاستيلاء على السلطة عبر القوة العسكرية

الحراك الحوثي في اليمن يأتي في سياق توظيف الأقليّة الشيعية على مستوى العالم الإسلامي بغرض تطويع وتذليل وإخضاع المسلمين السُّنة وكسر شوكتهم

وزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي: هناك علاقة قويّة بين الحوثيين والحرس الثوري الإيراني من خلال سعي طهران لتوفير التدريب والأسلحة والمعدات والأموال للحراك الحوثي

يبدو أنَّ اليمن السَّعيد بدأ يفقد شيئاً من سعادته التي ظلَّت مقترنة باسمه منذ فجر التَّاريخ؛ فاليمن اليوم، كما يرى المراقبون، يقف على مفترق طرقٍ، كلّها تؤدّي إمّا إلى "الفوضى الخلاَّقة" والحرب الأهليّة، وإمّا إلى الانفصال والانقسام؛ فالحركة الحوثية باتت خصماً عنيداً، وقوى الثَّورة المضادّة الـمُتغلْغِة في كل مفاصل الدَّولة ومختلف طبقات المجتمع اليمني وجدت ضالتها في الانتقام من "الرَّبيع العربي"، وإيران لم تألُ جهداً في تعزيز روح الانفصال وتغذية الصراع الطَّائفيّ، والدّولة من ناحيتها تشكو ضعفاً عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً، وفساداً إدارياً ومالياً، ودول الجوار لم ترقب في الجار الفقير إلاًّ ولا ذمّة، والأحزاب السّياسيّة الهزيلة تحوّلت إلى مُجرّد أدوات وظيفية لمشاريع خارجيّة، و"الإسلام السّياسي" أصبح على رأس قائمة المطلوبين، والمجتمع الدَّولي يمارس دور المتفرج دون أن تكون له مواقف واضحة وحاسمة ضد معرقلي العمليّة السياسية.

في البداية، لابد من الإشارة إلى أنّنا حاولنا خلال إعداد هذا التقرير أن ننوّع في مصادر المعلومات لدينا بالقدر المتاح، فلم نعتمد فقط على المصادر الإعلامية على اختلاف تنوعها، وإنّـما تحرينا دقّة المعلومة، ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وذلك من خلال المصادر الأمنيّة، وبعض القيادات السّياسيّة الفاعلة، والإعلاميين المخضرمين، كما لم نغفل – أيضاً - مقابلة بعض النّازحين والمتضرّرين من محافظتي عمران وصعدة، هذا فضلاً على رجوعنا لبعض المراجع والمصادر الأكاديمية، متوّخين في ذلك الحقيقة.

الحَركَة الحُوثيّة.. النَّشأة والمنْهَج والمَسَار

تُنسب "الحركة الحوثيّة" في اليمن إلى مُؤسّسها "حُسين بن بدر الدِّين الحوثيّ"، الذي يُعتقد أنّه ينتسب إلى سُلالة أهل البيت، وقد جاء في بعض مصادرهم أنّهم هم (أي: أهل البيت) الذين لهم الحقّ - وحدهم دون غيرهم - في الحكم والولاية السّياسيّة.

وُلد "حُسين" عام 1956م في قرية "آل الصَّيفي" بمنطقة "حيدان" التَّابعة إدارياً لمحافظة صعدة على بعد 240 كلم شمال العاصمة صنعاء، وتلقى تعليمه الأوّل في المعاهد العلميّة السُّنيّة، كما تلقَّى مبادئ المذهب الزَّيدي على يد والده "بدر الدِّين الحوثيّ"، وحصل على البكالوريوس في الشّريعة والقانون من جامعة صنعاء، كما حصل أيضاً على الماجستير في العلوم الشَّرعيّة من السُّودان، أسهم مع شخصيات زيديّة في تأسيس "حزب الحقّ" الشِّيعي عام 1990م، وانتخب عضواً في مجلس النُّواب ممثلاً للحزب، زار إيران ومكث مع والده في "قمْ" فترة من الزمن، كما زار "حزب الله" في لبنان، وأسَّس مع مجموعة من الشَّباب تنظيم "الشّباب المؤمن" عام 1991م، والذي تحوّل بعد ذلك إلى تنظيم مسلح(1)، وتفرَّغ وقتئذٍ لإلقاء الدّروس والمحاضرات، وقاد لاحقاً تمرداً عسكرياً ضد الحكومة اليمنية انتهى بمقتله عام 2004م(2).

تنتمي "الحركة الحوثيّة" من النَّاحيّة الفكرية والعقائدية إلى المدرسة الزَّيديّة الهادويّة الجاروديّة.

والزَّيديّة، كما هو معلوم، فرقة من الفرق الإسلاميّة، التي تُنسب إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (ت: 122ه)، أما المذهب الهادويّ، المنسوب إلى الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم الرَّسيّ (ت: 289 هـ)، والذي كان له فضل تأسيس الدَّولة الزَّيديّة الأولى في اليمن، وهو الذي وضع أُسس "نظريّة البَطْنَيْن)"، وجعل منها أصلاً كلياً من أصول الهادويّة، وتعني هذه النظرية باختصار أنّ الخلافة لا تصح، بأي حالٍ من الأحوال، أن تكون في غير سلالة الحسن أو الحُسين، ويؤكّد هذه المسألة الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى، أحد أئمة الهادويّة، فيقول في كتابه "متن الأزهار": "ويجب على المسلمين شرعاً نصب إمامٍ مكلَّفٍ ذكرٍ حرٍّ علويٍّ فاطميٍّ ..."(3).

أما الجاروديّة فهي فرقة من فرق غُلاة المذهب الزّيدي، تنسب إلى أبي الجارود زياد بن أبي زياد، وهي أقرب الفرق الشّيعيّة إلى فرقة "الإماميّة الاثنيْ عشْرِيّة"، وتعتقد الجاروديّة أنَّ النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلّم قد نصّ على إمامة عليٍّ رضي الله عنه بالوصف لا بالتَّسمية، فهو الإمام بعده (أي: بعد الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم)، والنَّاس قصَّروا حيث لم يتَعرَّفوا الوصف ولم يطلبوا الموصوف، وإنما نصَبوا أبا بكر باختيارهم فكفروا بذلك(4).

وفكر "الحركة الحوثيّة"، كما هو ملاحظ، لا يخرج عن المدرسة الجاروديّة في كثير من الأمور، خصوصاً تلك التي لها صلة بالإمامة؛ ومن خلال هذه المرجعيّة النّظريّة "المذهبيّة الهادويّة الجاروديّة" يمكن أن نفسّر ممارسات الأئمة الذين حكموا اليمن على مدار ألف عام، ويمكن من خلالها – أيضاً - فَهم ما يقوم به الحوثيون اليوم؛ فهو أمر له جذوره التّاريخيّة بلا شك؛ إذ يرى الحوثيون اليوم - كأسلافهم من الأئمّة - أنّ النّظام الجمهوريّ الحالي الذي يترأّسه اليمنيّون غير شرعيّ.

وقد مثّلت صعدة دوماً عبر التّاريخ نقطة انطلاق عسكريّ إماميّ صوب العاصمة صنعاء للاستيلاء على السّلطة عبر القوّة العسكريّة والسّطو المسلّح ابتداء من "إبراهيم الجزّار" الذي دخل اليمن وانطلق من صعدة، واستباح الدّماء والأموال وأكثر القتل حتى لُقّب بـالجزّار، ووصل إلى جدر على ضواحي صنعاء وقُتل فيها(5).

وبناءً على ما سبق ما الذي يريده الحوثيون ويسعون إليه؟

الحُوثيون.. وإسقاط صنعاء

تسود هذه الأيام في العاصمة صنعاء حالة من القلق والخوف من المستقبل المجهول، ولا نبالغ إذا قلنا: إن اليمن اليوم، كما يقول المثل، "يقف على كفّ عفريت"، ومن هذا المنطلق يعتقد بعض المراقبين أنّ العاصمة صنعاء قد سقطت فكرياً وسياسياً بيد "حركة أنصار الله" الشّيعيّة الحوثيّة، وهي الآن تترنح على وشك السقوط عسكرياً، فالمجاميع المسلّحة الحوثيّة باتت منتشرة على مداخل صنعاء من جهاتها الأربع، دون أن يكون للدولة موقف حازم ضد هذه التهديدات؛ بل إنّنا نجد تصريحات وزير الدِّفاع تؤكد صحة تلك التخوفات، حيث قال في آخر تصريح له: "إنَّ الجيش يقف على مسافة واحدة بين جميع الأطراف المختلفة"، وهو ما يؤكد مخاوف تكرار تجربة "السِّيسي" في مصر وإعادة إنتاجها في اليمن.

ومن خلال المتابعة لما يجري في السّاحة اليمنيّة، وما يتداول بين الحُوثيين وما ينشر على وسائلهم الإعلامية وبالخصوص على قناتهم "المسيرة"، فإن حال العاصمة صنعاء بات في أسوأ حال، حيث تشير بعض التقارير إلى أن صنعاء قد تم تقسيمها عسكرياً إلى 10 مناطق جغرافية، تنتشر فيها "كتائب الحُسين المسلَّحة"، ومن بينها ثلاث مناطق أساسيّة، وهي: "الحَصَبَة" و"صُوفَان" و"حَدَّة"، حيث تتمركز قوات "آل الأحمر" وعلى رأسهم الشيخ صادق، والشيخ حميد، والشيخ حمير، وأيضاً حيث يتواجد اللواء علي محسن.

ويشير تقرير أعده فوزي أمين العزّيّ تحت عنوان "خطّة جماعة الحوثيين للسيطرة على العاصمة اليمنيّة .. حقائق وأسرار"، إلى أنَّ خطّة إسقاط صنعاء تنقسم إلى مرحلتين رئيستين، وكلّ مرحلة منهما تتضمّن الكثير من التَّفاصيل الميدانيّة:

المرحلة الأولى: قبل السيطرة على العاصمة صنعاء وهي "مرحلة الانتشار والنفوذ":

وتتضمن عدة مهمات، منها: نشر الأفكار والمعتقدات، وهذا ملحوظ بشكل واضح، حيث ينتشر شعار الصرخة "الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لـ"إسرائيل"، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام" في كل أنحاء صنعاء، كما يتم العمل على استقطاب الشباب وبث الفكر الشيعي الحوثي بين أوساطهم، وتتمثل المهمة الثانية: في كسب الولاء والنّفوذ السّياسيّ، وذلك من خلال استقطاب بعض القيادات العسكرية والسياسية وبعض المتنفِّذين في الدَّولة، وقد استطاعوا أن يحققوا اختراقات مهمة في هذا الجانب، وأكبر دليل على ذلك ما حدث أثناء سقوط محافظة عمران، حيث تم شراء ولاء بعض الزعماء من قبائل "حاشد" وبعض الأجهزة الأمنية، ولا تزال محاولات الاختراق جارية إلى حدّ الآن في الحرب المستعرة في محافظتي الجوف ومأرب، كما يسعى الحوثيون في هذه المرحلة إلى تبني مطالب الشعب مثل تحسين الأوضاع المعيشية، وإسقاط حكومة الوفاق الوطني، وتخفيض أسعار مواد المحروقات.

والمهمة الثالثة في هذه المرحلة: هي مدّ نفوذ الحركة في عدّة مناطق واسعة من اليمن، وذلك من خلال التَّوسّع والسَّيطرة على مناطق مجاورة لمحافظة صعدة، والتي يمكن أن تُشكّل خطراً على الحوثيين، خصوصاً تلك المناطق التي يسيطر عليها حزب الإصلاح، أو تدين بالولاء والطاعة للواء علي محسن الأحمر، أو أسرة الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، ويأتي في مقدمتها: محافظات صنعاء، وعِمْران، والجُوف، وحَجَّة.

كما يسعى الحوثيون على إحكام القبضة على الحزام الأمني المحيط بالعاصمة صنعاء، ويتمثّل في ستِّ مديريات من مديريات محافظة صنعاء؛ وهي: هِمْدان، وأَرْحَب، ونِهِم، وبني حْشِيش، وسَنْحان وبني بهلول، وبني مَطَر، وكلّ هذه الأمور هي حقائق واقعية في الميدان، وليست مجرّد تخمينات أو تحليلات سياسيّة، ويمكن أن نجزم بأن فصول المرحلة الأولى من المخطّط قد انتهت بكامل تفاصيلها.

أما المرحلة الثَّانية: السَّيطرة العسكريّة على العاصمة صنعاء (أي: مرحلة الحسم النِّهائي): وتُعدّ هذه المرحلة هي الأخطر على استقرار البلد برُمّته، وهي النَّفق المجهول الذي بات يقُضُّ مضاجع اليمنيين، وهذه المرحلة هي التي يتم التّجهيز والإعداد لها الآن، حيث سيتم من خلالها الحسم العسكري والسَّيطرة الكاملة على محافظة صنعاء، وسيشارك فيها حسب ما هو متوقع الخلايا النّائمة التابعة للنظام المخلوع، لكونها تلتقي على نفس الهدف المرسوم، وهو القضاء على الثَّورة الشَّبابيّة وتحويل "الرَّبيع العربي" إلى "خريف عربيّ"، ولكن، ومن خلال المعطيات الميدانيّة المتوافرة، لا أعتقد أنّ المعركة الحاسمة، كما يطلق عليها الحوثيون، والتي يتوّعدون بها مُخالفيهم ستكون بالسلاسة واليسر الذي يتوقعونه، ذلك أن الملحمة المنتظرة تعدّ معركة مصيرية بين جميع الأطراف المتنازعة، ولا يستبعد في أن تنعكس آثارها على المنطقة برمّتها، فشبح الفوضى بات يهدد سعادة اليمن، ولن يكون اليمن في منأى من عموم الفوضى التي تشهدها المنطقة كما هي الحال في سورية والعراق وليبيا ومصر.

ومن هذا المنطلق، فإنّ الحراك الحوثي في اليمن يأتي، باعتقادي، في سياق ما يمكن أن نطلق عليه بتوظيف الأقليّة الشّيعيّة على مستوى العالم الإسلامي؛ بغرض تطويع وتذليل وإخضاع المسلمين السُّنّة وكسر شوكتهم، وهذا يعكس فلسفة الغرب في التّعاطي مع الأحداث السّياسيّة في المنطقة العربيّة، وفحواها: اعتماد الأقليات مهما كان شأنها؛ دينية أو مذهبية أو عرقية، كأداة سيطرة ومهماز تحريش وتحريض(6).

ولا شك أن الحديث عن الأقلية الشيعية في اليمن سيجرنا للحديث عن إيران ودورها في الأحداث الأخيرة.

الدّور الإيراني في اليمن

إنّ المحاولات الإيرانية الحثيثة للتغلغل في اليمن لم تعدّ تخفى على أحد، ولا تحتاج إلى الكثير من المهارة لرؤية ملامحها، كما يؤكِّد ذلك د. عبدالله الفقيه، أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء، حيث تستغل إيران الضَّعف الكبير الذي تُعاني منه الدَّولة من أجل تنفيذ أجندتها، وقد أشار الرَّئيس "عبد ربه منصور هادي" في أكثر من موطن، مُتَّهِماً إيران بالسَّعي إلى تنفيذ مُخطّطٍ يهدف للسيطرة على مضيق باب المندب، واعتبر ما تقوم به إيران إنَّما يأتي في سياق التَّعويض عن خسارتها الإستراتيجيّة مع تزايد مؤشِّرات انهيار النِّظام في سورية.

وفي ذات السّياق، تحدَّث أيضاً وزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي عن وجود علاقة قويّة بين الحوثيين والحرس الثَّوري الإيراني؛ من خلال سعي طهران لتوفير التّدريب والأسلحة والمعدات والأموال للحراك الحوثي.

وعلى هامش مؤتمرٍ أمني عُقد في البحرين في ديسمبر 2012م؛ قال رئيس جهاز الأمن القومي اليمني، د. علي الأحمدي: إنَّ إيران انتهزت الفرصة لتوسيع الصراع لممارسة دور معيّن، وقال: ليست لدينا عداوة مع إيران، كلّ ما نطلبه هو عدم التَّدخل في شؤوننا، وأضاف: لدينا أدلة واضحة على وجودهم، واعتقلنا عدداً من الأشخاص، ولدينا أدلة كافية على تدخلهم(7).

وتتحدثت تقارير عن الدعم بالسّلاح حيث تعمل إيران بشكل حثيث على ضمان تدفّق السِّلاح إلى الحوثيين، سواء عبر تهريب شتَّى أنواع الأسلحة إلى صعدة بشكل مباشر، أو عبر الدَّعم المالي لشراء السّلاح من الأسواق اليّمنيّة، وهي متوافرة بكثرة.

وأشارت تقارير دوليّة - في السَّنوات القليلة الماضية - إلى قيام إيران بإنشاء قاعدة لها في إريتريا لمدّ الحوثيين بالسّلاح عبر رحلات بحرية إلى المناطق القريبة من سواحل مينائي "مِيِدي"، و"اللُّحَية" القريبين من صعدة، وهناك أنباء تشير إلى قيام السفن الإيرانية الموجودة في منطقة خليج عدن - بحُجة المساهمة في مكافحة القرصنة - إضافة إلى سفن تجارية إيرانية؛ بتهريب كميات من الأسلحة عبر قوارب صيد يمنية إلى داخل اليمن.

أما على الصعيد السياسي، فإن إيران تسعى إلى التأثير في المشهد السياسي اليمني من خلال الاتصال بجميع القوى السياسية الفاعلة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن جنوب اليمن حتى شماله؛ فإيران تدعم عبر وسطائها سياسيين في القوى اليسارية ممن شاركوا في الثورة الشعبية، ولديهم عداء أيديولوجي مع حزب الإصلاح والتّيّارات السّلفية؛ لإيجاد أرضيّة من القبول للتحالف أو التنسيق مع الحوثيين كقوة ممثلة لها في اليمن.

سر الاهتمام الإيراني باليمن

يمكن القول: إن لليمن خصوصيتين فيما يتعلق بعلاقتها مع إيران، الخصوصية الأولى: دينيّة، والثَّانية: تاريخيّة.

أما فيما يتعلق بالخصوصية الدينية، فهي ترتكز على ما يُسمَّى بـ"الثورة السُّفيانيّة"، التي روّج لـها العلاّمة الشّيعي علي الكوراني العاملي في كتابه "عصر الظهور"، وملخصها يتحدث عن ثورة ستكون في اليمن، ووصفها بأنَّها "أهدى الرايات في عصر الظهور على الإطلاق"، وتحدد الروايات الشيعية على أن ظهورها قبيل ظهور المهدي ببضعة أشهر، وستكون في العاصمة صنعاء، أما قائدها المعروف في الروايات باسم "اليماني"، فتذكر رواية أن اسمه "حسن" أو "حسين"، وأنه من ذرية زيد بن علي عليهما السلام(8).

أما عن الخصوصية التاريخية، فإن اليمن كان ولاية تابعة للإمبراطورية الفارسية في وقت من الأوقات، قبل أن يحررها الإسلام، وبالتّالي فإنَّ إيران تسعى لاستعادة الهيمنة السياسية على المنطقة لكن بثوب ديني طائفي،

وعليه، فإن تحقيق نفوذ إيراني في اليمن لا يمكن أن يتم في ظلّ وحدة مجتمعية ودولة مهيمنة ومستقرة.

ومن هنا، نجد أن الحوثيين حاولوا - ولا يزالون - بكل الوسائل، جرّ القوى الإسلامية إلى الدخول في صراع عسكري مسلح، عوضاً عن الحروب التي كانت تتم مع نظام "صالح"، وهذا ما دفعهم لمهاجمة السلفيين في صعدة، ومهاجمة الإصلاحيين (الإخوان المسلمون في اليمن) عقب الثورة الشعبية في أكثر من محافظة يمنية، كمحافظات الجوف وعمران وحَجّة، إضافة إلى محافظة صعدة ذاتها، وقد حذَّر مراقبون سياسيون وخبراء عسكريون من سيناريو من هذا القبيل يجري الإعداد له إيرانياً وحوثياً.

إلى أين يسير اليمن؟

يبدو أنّ المرحلة القريبة القادمة، كما تدل على ذلك بعض المؤشرات، ستشهد مزيداً من التّوتر والتَّصعيد الحوثيّ؛ وذلك من أجل الحصول على مكاسب سياسية أكبر، وسيحظى هذا التصعيد بدعم لوجستي من قوى الثَّورة المضادّة، وهو ما سيعدُّ بمثابة انقلاب على الثّورة الشَّعبيّة، وهو ما من شأنه أن يفجر الوضع داخل صنعاء باتجاه احتراب داخلي قد يأتي على الأخضر واليابس..

فهل تصلح "الحكمة اليمانيّة" ما أفسدته الثورة المضادة؟

1 - د. أحمد محمد الدغشي، الحوثيون (الظاهرة الحوثية) ص: 16.

2  - د. مسلم محمد جودت اليوسف: الحوثيون: من أين وإلى أين؟ مقال منشور على موقع (صيد الفوائد)، ود. راغب السّرجاني: قصة الحوثيين، موقع (قصّة الإسلام)، ومن هم الحوثيون، موقع (طريق الإسلام).

3  - الشهرستاني: الملل والنحل، 1/157-158

4  - حارث عبد الحميد الشوكاني، جذور قضية صعدة .. من أجل رؤية عميقة، منشور في موقع: مؤتمر الحوار الوطني الشامل.

5 - من مقال لزهير سالم، بعنوان: التحالف ضد الإرهاب المزعوم المدحلة الأمريكية أمام المشروع الشيعي، منشور على موقع مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والإستراتيجية بلندن، بتاريخ 12/9/2014م.

6  - الموقع الإلكتروني لوكالة الأنباء (رويترز)، في 9 ديسمبر 2012م.

7  - الحوثية في اليمن، اعداد: مجموعة باحثين، ص: 87

الرابط المختصر :