العنوان »المجتمع» تتفقد أحوالهم في مستشفيات»مقديشو«: الأمراض والأوبئة تفترس أبناء الصومال بشكل غير مسبوق.
الكاتب شافعي محمد
تاريخ النشر السبت 15-يناير-2011
مشاهدات 63
نشر في العدد 1935
نشر في الصفحة 24
السبت 15-يناير-2011
مقديشو:
يعاني القطاع الصحي في الصومال وخصوصًا العاصمة »مقديشو«، وبقية مناطق الجنوب نقصًا حادًا يتمثل في غياب الخدمات الصحية المجانية؛ حيث لا يستطيع العديد من الصوماليين دفع تكاليف الفحوصات الطبية وشراء الأدوية، إضافة إلى تحمل معاناة ثقيلة قد يفرضها الواقع المعيشي في العاصمة، لا تقل عن دوي المدافع المتبادلة بين الفرقاء الصوماليين، فالوصول إلى المستشفيات أمر ليس باليسير حيث تتوقف حركات التنقل كلها بعد حلول النصف الثاني من النهار الذي لا يتعدى تسع ساعات على الأكثر.
وهناك حالات نقص حاد في الكوادر الطبية حيث لا يوجد سوى 250 طبيبا و 860 ممرضا وممرضة فقط في جميع المستشفيات !
عشرات الأطفال والأمهات يفترشن صالات مستشفى »بنادر« في حال يرثى لها .. وقد نفدت المساعدات الطبية
المستشفى استقبل خلال عام 2010م عشرين ألف مواطن يعانون من مختلف الأمراض... نصفهم فقط تلقوا علاجًا
وقد قامت »المجتمع« بزيارة إلى مستشفى »بنادر« للأمومة والطفولة؛ حيث يرقد عشرات الأطفال والأمهات بصالات المستشفى في حال يُرثى لها، وقد نفدت المساعدات الطبية، بينما المسؤولون في المستشفى يطلقون تصريحات عبر الإعلام المحلي لإيصال المساعدات الإنسانية إلى المستشفى لتخفيف معاناة المرضى .
أمراض مستعصية
تنتشر الأمراض والأوبئة في أوساط الصوماليين بشكل غير مسبوق، وعلى الأخص أولئك الذين يعيشون حياة التشرد في ضواحي »مقديشو»، ومن أشد الأمراض فتكا بحياة الأطفال في الصومال الكوليرا والحصبة والتيفود والدفتريا إلى جانب أمراض مستعصية مثل استسقاء الرأس وتضخم الكبد والإسهال والأنيميا وشلل الأطفال.
تقول الأم »دهبة محمود« التي ترقد مع طفلها في مستشفى»بنادر»: «ولدي يعاني من مرض تشنج الأعصاب من عام، ولا يستطيع التحرك ولا التقلب يمينًا ويسارًا أثناء النوم .. ولم الاحظ تحسنًا بعد لصحته رغم أني بقيت هنا لمدة أيام.«
بينما تقول »فاطمة محمد حسن« الأم لطفل يعاني من مرض تضخم الكبد: »كان المرض فجائيًا لطفلي، ولاحظنا أنه يعاني من حمى شديدة ثم نقلناه إلى هذا المستشفى قادمين من منطقة «جلهريري» بإقليم »جلجدود» وسط الصومال، وحالته الصحية لم تتحسن رغم الجهود التي يبذلها الأطباء«.
وتوضح الأم »آمنة عبدي إبراهيم« أنها تمكث في هذا المستشفى لمدة ثلاثة أشهر مع ابنتها التي تعاني من مرض الحصبة الذي وصل إلى حالة غاية في الخطورة، حتى فقدت الطفلة الصغيرة نور بصرها بسببه...وتقول بأسى وحزن:«ابنتي يتيمة وتعاني من الحصبة منذ سبع سنوات، ونحن لا نستطيع دفع تكاليف العلاج، ونطالب الجميع بأن يساعدونا في نقل فلذة كبدي إلى الخارج لعلاجها وإجراء عملية جراحية في عيونها لتستعيد بصرها .«
قلة المتخصصين
»طفلي يعاني من مرض تضخم الكبد يئن في الليل، ويتصبب عرقًا إذا حاول المشي، ويعاني من هذا المرض منذ ست سنوات، وحالته مستعصية«...بهذه الكلمات المليئة بالأسى والمرارة والرجاء تعبر الأم »حبيبة علي يوسف« عن معاناتها وعجزها عن توفير ما يتطلبه علاج ابنها من تكاليف باهظة لنقله إلى الخارج..وهناك حالات مشابهة لكثير من الأطفال الذين يعانون من مرض تضخم الكبد، وخصوصًا الأطفال الصغار الذين تقل أعمارهم عن عشر سنوات.
وما يزيد الأمر حرجًا هو نقص الكوادر الطبية المتخصصة بأمراض الأطفال في الصومال، والباقون لا تتوافر لديهم الإمكانات لعلاج الأطفال الذين تلدهم أمهاتهم في بلد يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وليس من السهل علاج بعض الأمراض عند الأطباء المحليين؛ حيث يتطلب سفرهم إلى الخارج في الوقت الذي يبدو فيه ذوو الأطفال عاجزين أمام هذا الأمر.
ويموت عدد كبير من الأطفال والأمهات الصوماليات سنويا في »مقديشو»؛ بسبب غياب الخدمات الصحية في المدينة، ويزداد عددهم عند تدهور الأوضاع الصحية في ظل قلة المساعدات الدولية؛ ما يشكل مأساة كبيرة تواجه الصوماليين، حيث لا تقل خطورة الأوضاع الصحية عن الأخطار الناجمة عن الصراع بين أبناء الصومال.
أعباء ثقيلة
تقول «لول محمود» رئيسة قسم الأمهات والأطفال في مستشفى «بنادر»: إن هناك خطرًا يواجه النساء الصوماليات الحوامل؛ حيث يخضعن لعملية الولادة في المنازل ما يضاعف الأخطار الصحية عليهن، وقد تتسبب في إصابتهن بحالات نزيف دموي تؤدي إلى وفاتهن في المنازل.
والواقع أن صعوبة الوصول إلي المستشفي ليلًا قد تجبر الصوماليات الحوامل على الخضوع لعملية الولادة في المنازل من قبل القابلات الصوماليات اللواتي يتاجرن بمهنة الولادة، وعلى الرغم من كل ذلك إلا أن معظم الصوماليات الحوامل يلجأن إلى المستشفيات للحيلولة دون مواجهة مشكلات أثناء الولادة.
وتوضح »لول محمود«، أن أكثر من 1200 من الصوماليات الحوامل وصلن إلى المستشفى، وتمت عملية الولادة إما عن طريق سحب الأطفال من الأم باستخدام الآلات، أو بإخضاع الحوامل لعمليات جراحية، كما أن بعض الحوامل أتممن عمليات الولادة بنجاح.
سجلات المستشفى
وبالرجوع إلى سجلات المستشفى، اطلعت »المجتمع« على تقرير يوضح أن أكثر من خمسين حالة وفاة شهدها المستشفى خلال عام 2010م ؛ بسبب قلة الوعي الصحي عند الصوماليات وإصرارهن على الولادة في المنازل وتحت المجمعات السكنية.. إضافة إلى عدم قبولهن الخضوع لعملية جراحية إذا دعت الضرورة، وقد يستغرق الأمر وقتًا طويلا لإقناعهن، وبعد مضي الوقت تضطر المرأة الحامل إلى إجراء العملية الجراحية رغمًا عنها.
وترجع رئيسة قسم الأمهات والأطفال بالمستشفى هذا الأمر إلى أن الصوماليات يخفن من عملية الجراحة التي لا مفر منها في بعض الحالات الحرجة، إذ يصبح الأطباء مرغمين على إنقاذ حياة الطفل أو حياة الحامل في هذه الحالة ما يحمل أعباء نفسية ثقيلة على كاهل الأسر الصومالية... وتقول: إن »المستشفى استقبل خلال العام الماضي عشرين ألف، مواطن صومالي يعانون من مختلف الأمراض، نصفهم فقط تلقوا علاجًا وحصلوا على الأدوية من المستشفى».
السفر إلى الخارج
وخلال تجوالنا في المستشفى رأينا ما يعجز القلم عن وصفه؛ حيث يرقد عشرات الأطفال وهم في حالات حرجة ليس من السهل علاجها في مستشفيات «مقديشو» نظرًا لقلة الإمكانات والأجهزة الطبية الحديثة، وعدم وجود أطباء متخصصين بالأمراض التي يعانون منها، كما أن أسر الاطفال لا تستطيع دفع تكاليف السفر إلى الخارج فضلًا عن العلاج والأدوية في بلد آخر.
وهناك عشرة أطفال يعانون من أمراض مستعصية عجز الأطباء عن وصف دواء لها، وهي مرض تضخم الكبد الذي يعاني منه طفلان، ومرض استسقاء الرأس الذي أصاب أربعة أطفال، ومرض هشاشة العظام الذي أفقد ثلاثة أطفال القدرة على الحركة، وهي حالات يصعب علاجها في مستشفيات البلاد، وتستدعي السفر إلى الخارج.
ويُعد «الإسهال» المعدي أكثر الأمراض انتشارا بين الأطفال والعجائز، وفي أوساط الصوماليين البسطاء؛ حيث استقبل مستشفى «بنادر» في عام 2010م أكثر من 150 مصابًا بهذا المرض الناتج عن سوء التغذية والتلوث البيئي، بالإضافة إلى قلة التوعية الصحية لدى الصوماليين.
تقرير دولي
أكد تقرير صادر من منظمة الصحة العالمية، أن مليوني شخص في الصومال بحاجة إلى مساعدات عاجلة لإنقاد حياتهم من خطر الأمراض والأوبئة التي تنتشر بشكل سريع في أوساط النازحين المقيمين في مخيمات اللجوء خارج «مقديشو».
وأشار التقرير إلى أن مليونًا ونصف المليون من المتضررين الصوماليين بحاجة إلى إغاثة عاجلة، وأن ثلاثة من مستشفيات مقديشو استقبلت عددًا كبيرًا من الجرحى الذين سقطوا في القتال الدائر بين الصوماليين، وبلغ عدد المصابين نحو سبعة آلاف شخص.
وأوضح التقرير أن معظم المصابين نساء وأطفال، فيما توفي 500 آخرون جراء العنف المتواصل في مقديشو خلال عام 2010م، وأن الصوماليات اللاتي يعانين أمراضًا مختلفة بعد الولادة يفاجئهم الموت .. وأضاف التقرير : إن الأطباء الذين كانوا يتمتعون بخبرة طبية هاجروا البلاد، وبقي في الصومال 250 طبيبًا، إلى جانب 860 ممرضًا وممرضة، ما يوحي بوجود نقص حاد بالكوادر الطبية في مستشفيات «مقديشو.«
ولا تزال الهيئات والمنظمات الصحية تدق ناقوس الخطر تجاه الأوضاع الصحية المتردية في الصومال، ورغم كل هذا، يتجاهل المجتمع الدولي الأزمة المنسية في الصومال، تاركًا أبناء البلد يخوضون وحدهم الصراع من أجل البقاء على قيد الحياة!.