العنوان المؤامرة على الصحوة وأبعادها
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1984
مشاهدات 77
نشر في العدد 672
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 22-مايو-1984
- المؤامرة دبرت منذ سنوات للحد من نهضة العالم الإسلامي على كافة المستويات
- إيقاف النمو السكاني أساس مهم ضمن خطة القوى العدوة في المؤامرة على الإسلام والمسلمين
نشرنا في منبر العدد الماضي الجزء الأول من هذا الموضوع، حيث تحدث الأستاذ الجندي عن خطط المعسكرات الغربية والشيوعية والصهيونية لتدمير الصحوة الإسلامية، وتأخير نهضة المسلمين واستبقاء عالم الإسلام في براثن الاقتصاد الربوي العالمي، الذي يكدس الثروات ويسحق الأمم الإسلامية الضعيفة، وفي هذه الحلقة يوضح الأستاذ أنور الجندي بعض الحقائق المتعلقة بالمؤامرة على الصحوة الإسلامية.
وقد اتضحت اليوم هذه الحقائق:
أولًا: إن النمط الحالي من التنمية أصبح غير مرغوب فيه، وإن مساومة المادية والمعنوية تزعج أصحابه، وإن علامات التمزق الداخلي في هذه المجتمعات قد غدت واضحة للعيان، وإن تيارات العنف والاغتراب والصراعات بين الفئات فيه قد دعت الكثير من عقلاء هذه المجتمعات إلى إطلاق صيحات التحذير والدعوة إلى تغيير المسار ووقف تيار الاندفاع نحو الهاوية.
ثانيًا: هذا العالم المتقدم اعتمد في تحقيق نمائه والوصول إلى ما وصل إليه، على استنزاف الموارد الطبيعية التي بدت وقتها وكأنها بدون حدود، وهناك ملامح لنفاذ الحيوية من هذه الموارد، كما في حالة النفط مثلًا، ولن يتاح بناء صرح التنمية في بلادنا على أساس من الإهدار البيئي المسرف، والإتلاف البيئي المدمر الذي أصبح يهدد حياة موارد غذاء الإنسان في البر والبحر.
ثالثًا: جهود التنمية التي قامت في بلادنا على أساس محاكاة العالم المتقدم، قد انتهت إلى عكس ما كنا نتوقع (۱) اتساع الهوة بيننا وبين العالم المتقدم (۲) اتساع الهوة بين فئتين داخل مجتمعاتنا: فئة عريضة ازدادت فقرا وعزلة (۳) مظاهر القلق الاجتماعي.
والسؤال الآن: إذا كان علم الغرب وتكنولوجيته قد أدت إلى تغريب الإنسان المسلم عن حضارته، فهل سيترك الأمر لقوى خارجية- لا حكم لنا عليها- تصوغ حياتنا وتشكلها وفق مصالحها، ومن خلال التبعية التكنولوجية والسيطرة على أسواق التكنولوجيا.
والمطلوب هو بناء أصالة حقيقية في هذا المجال تقوم على أساس مفهومنا الإسلامي الحضاري، القائم على العدل والرحمة والإخاء البشري، وأن يكون لنا إرادتنا القوية في توجيه العلم والتكنولوجيا، إلى تطبيق إسلامي أصيل يختلف تمام الاختلاف عن التطبيق الغربي المادي الوثني.
۲) هذا عن تخريب اقتصاد الإسلام، فماذا عن تدمير قوة المقاومة الإسلامية؟
إن هناك مؤامرة يجري تدبيرها منذ سنوات طويلة تحت اسم الانفجار السكاني وتنظيم النسل، ويجري التخطيط لها والتنفيذ في عدد من الأقطار الواقعة تحت نفوذ الغرب الرأسمالي الذي يتقلص سكانه، ويخشى زيادة سكان العالم الإسلامي، ويهدف للمحافظة على وجوده وسلطانه، ذلك أن ظاهرة تقلص حجم المواليد في عالم الغرب، وزيادة هذا الحجم في عالم الإسلام من الظواهر التي تزعج الرأسمالية الغربية والنفوذ الربوي الغربي المسيطر الآن على بلاد المسلمين والعرب إزعاجًا شديدًا، ذلك لأنهم يحسون بمدى الخطر الذي سينتظرهم في السنوات القادمة، ويترصد بهم نتيجة نضوب المواليد، وتنازل نسبتها في البلاد الغربية، فيما تزداد هذه النسبة وتتضاعف في بلاد أفريقيا وآسيا، ولما كانت هذه الظاهرة ستصبح بعيدة المدى في متغيرات موازين السيطرة والنفوذ، وتملك المواد الطبيعية والطاقة وغيرها في السنوات القادمة، فإن الغرب يشن حملة شديدة وعاصفة عنيفة على هذه الزيادة المطردة، بوصفها بعيدة الأثر في عالم الإسلام، تحت اسم مثير هو ما يطلق عليه اسم الانفجار السكاني، ويجند له عشرات من الأقلام والمفكرين والساسة ، دون أن يشير إلى حقيقة الموقف وطبيعة التحول الاجتماعي والحضاري الذي يوحي بأن فساد المجتمعات الغربية، قد أدى إلى نضوب منابع «الوالدية» بها، نتيجة لشيوع الخمر والماريجونا والترف، وانصراف المرأة الغربية في رسالتها كلية وكراهيتها الشديدة للولادة وتربية الأولاد والإسراف في عمليات الزواج غير الشرعي، وظاهرة اللقطاء واستعمال حبوب منع الحمل، ولا شك أن الغرب يرى في ظاهرة التقلص في مواليده، وزيادة نسبة مواليد المناطق التي تسمى «البلاد النامية» خطرًا شديدًا على نفوذه، وعلى المقدرات التي يحصل عليها من الخامات والثروات والمواد الأولية، وعلى كل ما يعينه على التفوق المتصل على عوالم أفريقيا وآسيا، من أجل هذا نجد المجتمع الغربي لا يتبنى فكرة تحديد النسل فحسب، بل يفرضه فرضا على عالم الإسلام، بينما يعلن البابا بيوس الثاني للبشر، رأيه صراحة في تأييد المسيحية لكثرة النسل- ويواجه المسلمون- مع حملة تحديد النسل - ذلك التحدي الخطير تحدي الهجرة والنمو المتزايد لليهود في فلسطين، ونحو المسيحية في أوروبا، وفي أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي، بينما يجبر المسلمون بوسائل شتى فيها الإغراء أو التعليم الإجباري: كما حدث لمسلمي الهند على يد إنديرا غاندي على خفض تعدادهم، وهنا تنكشف المؤامرة، ويتبين أن هناك خطة مدبرة ضد المسلمين بالذات، ذلك أن غير المسلمين يخشون تكاثر المسلمين، ويحاولون إيقاف هذا النمو المتزايد بكل وسيلة، ولا ريب أن تهديد العالم الإسلامي بنضوب الثروات هو أكذوبة كبرى، فإن الخطر الحقيقي كله كامن في سوء استخدام الثروات والكنوز التي تفيض بها الأراضي البكر، وسوء التخطيط لتطوير إنتاجي أفضل، وبينما تنقل هذه الخامات إلى بلاد الغرب وتنهب، ثم يعاد تصديرها للأمم المترفة الاستعمارية، بينما لا يحصل أصحاب هذه الثروات إلا على الفتات.
ويشير الدكتور خورشيد أحمد- الأستاذ بجامعة كراتشي- في بحثه الضافي عن سوء نية الأوروبيين والتخطيط الاقتصادي للأمة سيطرة الدول المتقدمة على الشعوب النامية، ويقول إن آسيا والعالم الإسلامي هي أكبر مناطق العالم اليوم ازدحامًا بالسكان، وإن هذا التفوق السكاني سوف يقضي على الأسس التي أقامها الغرب لسيادته السياسية في العالم منذ القرون الخمسة الماضية، وعلى ذلك التفوق الفني والعلمي الذي كان له على الشرق، والذي استطاع أن يقم احتكاره السياسي على العالم، لقد آمن الاستعمار أن الغرب بوسعه أن يحتفظ باحتكاره السياسي على العالم إلى أبعد الأبعاد، ولقد ظهرت بوادر الانحطاط والأفول في السياسة، رغم الشعور بعد الحرب العالمية الأولى، خاصة بأن خطة تحديد النسل ضررها أكثر من نفعها من الوجهتين السياسية والاجتماعية، كان من نتائج ذلك أن فقدت فرنسا مكانتها العلمية شيئًا فشيئًا، وأعلن المارشال ميتان عقب الحرب العالمية الثانية اعترافه بأنه من الأسباب السياسية الرئيسية التي عملت على توهين قوة فرنسا وإزاحتها عن مكانتها العالمية: قلة عدد الأطفال والسكان، وقد بدأت آثارها السيئة في حياة إنجلترا وغيرها وأوجست خيفة من آثارها السويد وألمانيا وفرنسا وإنجلترا وإيطاليا، وشعرت بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في خطتها بشأن عدد السكان، ولهذا فهي جميعا تبذل الآن جهودا متتابعة لزيادة عدد سكانها بدلا من تقليله، إلا أن الغرب لا يستطيع مع كل هذه الجهود أن يزيد عدد سكانه إلى حد يستطيع معه أن يحتفظ بمكانته السياسية، ويبقى متربعًا على كرسي السيادة العالمية، بل الذي لا شك فيه أنه سيعود عاجزًا في المستقبل عن مقاومة الشرق، والعالم الإسلامي مهما بذل من جهوده لزيادة عدد السكان في أقطاره».
وهكذا يتبين لنا ارتباط أبعاد هذه المحاولة الخطيرة التي يقوم بها الغرب لإيقاف النمو السكاني والتفوق البشري في عالم الإسلام، وكذلك لإيقاف القدرة على استعمال التكنولوجية والسيطرة عليها أو تحويل إرادة المسلمين والعرب لتوجيه مقدراتهم وثرواتهم الاقتصادية والمالية إلىطريق الاستهلاك والترف.
وترتفع اليوم صيحة عدم كفاية الغذاء المتاح للاستهلاك الأولي لسد الحاجات الضرورية، والحقيقة أن المواد كثيرة وأن هناك قانونًا أصيلًا هو قانون الوفرة، وأن في أعماق البحار وفي الصخور والجبال ثروات ضخمة لم تكتشف بعد وأن الموجود فيها وفير لو أن هناك عدالة في التوزيع، وإذا كانت أمة واحدة تستفرد نسبة ستين في المائة من الإنتاج العالمي، بينما تعدادها لا يزيد على ١٥٪ من مجموع سكان العالم فإن هذا يعطي الإشارة الحقيقية إلى سوء التوزيع.
هذا يحدث في وقت يتسابق العالم على التسلح (٦٥٠) مليون دولار سنويًا في نفس الوقت الذي يعجز عن إطعام خمسمائة مليون فرد، يعانون اليوم من الجوع أو النقص الشديد من التغذية، حيث يموت ثلاثون مليون نسمة سنويا بسبب سوء التغذية، وإن ما تقدمه البلدان الغنية للبلاد الفقيرة لا يزيد على واحد في المائة من قيمة السلع التي تنتجها.
ولا ريب أن ما ينفق على إنتاج صاروخ جديد عابر للقارات يكفي لغرس (۳۰) مليون شجرة، أو ري مليون هكتار من الأراضي الزراعية أو إطعام (٥٠) مليون طفل من البلدان النامية، أو شراء مليون طن من الأسمدة، أو بناء ٦٥ ألف مركز لرعاية العجزة، أو بناء ٢٤٠ ألف مدرسة ابتدائية، وهكذا يكشف مدى الظلم والتآمر الذي يواجه العالم الإسلامي بهدف إكراهه على التسليم والركوع والخضوع لنفوذ الدول الكبرى وسيطرة القوى الغازية.
«يتبع في العدد القادم إن شاء الله»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل