; «الكواكبي».. وتشخيص طبائع الاستبداد (1 من 2) | مجلة المجتمع

العنوان «الكواكبي».. وتشخيص طبائع الاستبداد (1 من 2)

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

مشاهدات 85

نشر في العدد 1229

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

أن تعيش عصر الظلم والاستبداد، قد يكون، أن ترى الاستعباد والقهر، يجوز، أن يقع عليك البغي والعسف والجور، ممكن، ولكن هل تطأطئ له رأسًا، وتحنى له هامة، وتخفض له جناحًا؟ وهل تتتدرب عليه وتعايش معه، وتفقد الإحساس به، وتحترم فاعله، وتجل مقترفه، وتبجل صاحبه؟ أم تحس أنك من طينة غير طينته، وطبيعة غير طبيعته؟ تتحرك فيك النخوة لمصارعة الباطل، وتتواءب في نفسك الشجاعة لإحقاق الحق، وتتصارع في ضميرك العزة لمطاردة الاستعباد.

هذا هو السؤال الذي يفرق بين البشر، بين الأبي والذليل، بين العصي والمهين بين المجاهد والمنافق، بين المكافحين والمتخلفين، بين الرواد والمستعبدين، حيث يشعر الرواد والمكافحون بهول الحال والمال وحجم المصيبة، وفداحة الكارثة، وعظم الداء، وانعدام الأطباء، وتسلط الجراثيم، فتراهم يتفطرون ويتمزقون، واللاهون هجوع، ويفكرون ويسهرون ويؤرقون، والخليون ناعمون، ترى هذا وتحسه في حديث رجل مجاهد مثل الإمام البنا، حيث يقول في وصف هذه الحالة: «وليس يعلم إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها، ونحلل العلل والأدواء، ونفكر في العلاج وحسم الداء، ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء، وكم كنا نعجب إذ نرى أنفسنا في مثل هذه المشغلة النفسية العنيفة والخليون هاجعون يتسكعون بين المقاهي، ويترددون على أندية الفساد والإتلاف، فإذا سالت أحدهم عما يحمله على هذه الجلسة الفارغة المملة قال لك: أقتل الوقت، وما درى هذا المسكين أن من يقتل وقته إنما يقتل نفسه، فإنما الوقت هو الحياة، كنا نعجب لهؤلاء الناس، وكثير منهم من المثقفين، ومن هم أولى منا بحمل هذا العبء، ثم يقول بعضنا لبعض: أليس هذا داء من أدواء الأمة، ولعله أخطرها، ألا تفكر في مرضها، وألا تعمل لعلاج نفسها، ولهذا وأمثاله نعمل ولإصلاح هذا الفساد وقفنا أنفسنا فنتعزى ونحمد الله على أن جعلنا من الداعين إليه العاملين لدينه».

وليس هناك داء للأمة في العصر الحديث أعظم من الخنوع المؤدي إلى الاستبداد السياسي، ولا علة ملكت عليها أقطارها مثل الضياع الذي أدى إلى الديكتاتوريات والتسلط والبغي والظلم، وقد اعتنى عبد الرحمن الكواكبي- رحمه الله- بكشف علل الاستبداد، وتوضيح جوانبه، فعرفه تعريفًا ذكيًا فقال: «الاستبداد في اصطلاح السياسيين: هو تصرف جمع أو فرد في حقوق قوم برأيه وهواه بلا خوف تبعة، وقد يضاف إلى هذا المعنى الاصطلاحي أشباه أخرى فيستعملون بدل كلمة «استبداد» كلمات: استعباد، اعتساف، تسلط، تحكم، مستبد، جبار، طاغية، حاكم بأمره، حكم مطلق» ورجل مثل الكواكبي عاش هذه العصور، وصاحب حقبة مريرة عانى فيها من الاستبداد الذي حطم الأمة، لا بد وأن يكون قد اختزن في نفسه علل هذه العصور وتجرع صابها وعلقمها، ولهذا نراه يقذف بالحمم تلو الحمم ليحرق هذا الاستبداد ويدل على عوراته، ويفضح عوامله، ويكشف أسبابه، فنراه يحدد سببًا مهمًا في استبداد الحكومات، ويلفت إليه الأمة فيقول: «إن أي حكومة مهما كانت في بدء أمرها عادلة ولكنها تأمن المساءلة والمؤاخذة، بسبب غفلة الأمة، أو التمكن من استغفالها، إلا وتسارع في التقمص والتلبس بصفة الاستبداد، وبعد أن تتمكن فيه لا تتركه، وفي خدمتها إحدى الوسيلتين العظيمتين: جهالة الأمة، والجنود المنظمة «الجيش والبوليس»، وهما أكبر مصائب الأمم وأهم معائب الإنسانية، وقد تخلصت الأمم المتقدمة من هاتين العلتين»، ثم ترى الرجل لحكمته وكثرة بحثه وتطوافه في عمق الأمم وثنايا الحوادث، يشخص الداء ويدل على الدواء بحكمة وسعة إطلاع، وبجمل بليغة وكأنه يقول للفرد المسلم هذا عدوك، فانظر ماذا ترى، ثم يوجهه إلى التفكر في العلاج ويعطيه مفتاحه، من ذلك قوله:

«المستبد: يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم أنه الغاصب المعتدي، ولكنه يضع رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته بالعدل.

 المستبد عدو الحق، عدو الحرية، وقاتلهما، والحق ابو البشر، والحرية أمهم، والعوام صبية أيتام نيام لا يعلمون شيئا، والعلماء هم إخوتهم الراشدون إن أيقظوهم هبوا وإلا فنومهم موت.

المستبد يتجاوز الحد ما لم ير حاجزًا من حديد، فلو رأى الظالم على جنب المظلوم سيفًا لما أقدم على الظلم، كما يقال: الاستعداد للحرب يمنع الحرب.

المستبد إنسان مستعد بالطبع للشر، ولا يفعل الخير إلا مرغمًا، فعلى الرعية أن تعرف ما هو الخير وما هو الشر، فتلجئ حاكمها للخير على الرغم من طبعه، وقد يكون الإلجاء بالقانون إذا علم الحاكم أن وراء القانون شعبًا وفعلًا، ومن المعلوم أن مجرد استعداد الشعب للردع يكفي شر الاستبداد.

 المستبد يود أن تكون الرعية كالغنم درًا وطاعة، وكالكلاب تذللًا وتملقًا، ولكن على الرعية أن تكون كالخيل إن خدمت خدمت، وإن ضربت شرست، وعليها أن تكون مثل الصقور لا تلاعب ولا تستأثر عليها بالصيد كله، وعلى الرعية أن تعرف مقامها، هل خلقت خادمة لحاكمها، تطيعه إن عدل أو جار، وخلق هو ليحكمها كيف يشاء بعدل أو اعتساف؟ أم جاءت به ليخدمها لا ليستخدمها»، إلى أن يقول الكواكبي في الاستبداد قولًا يعيش أبد الدهر ويظل يطعن الأمة في خواصرها وعقولها إلى أن تستفيق للخطر، فيقول: «الاستبداد أعظم البلاء، يتعجل به الله الانتقام من عباده الخاملين، ولا يرفعه عنهم حتى يتوبوا توبة الأنفة، نعم، فالاستبداد أعظم بلاء، لأنه وباء دائم بالفتن، وجدب مستمر بتعطيل الطاقات والمواهب، وحريق متواصل بالسلب والغصب، وهيل جارف للعمران، وخوف يقطع القلوب، وظلام يعمي الأبصار، والم لا يفتر، وصائل لا يرحم، وقصة سوء لا تنتهي، وإذا سأل سائل: لماذا يبتلى الله عباده بالمستبدين؟ فأبلغ جواب مسكت هو: إن الله عادل مطلق لا يظلم أحدًا، فلا يولي المستبد إلا على مستبدين، ولو نظر سائل نظرة الحكيم المدقق لوجد كل فرد من المحكومين مستبدًا في نفسه، لو قدر لجعل القانون تحت قدمه، وجعل زوجته وعائلته وعشيرته وقومه والبشر كلهم حتى وشرع الله الذي أنزله هداية لخلقه تابعًا لرايه وأمره وهواه».

وبعد.. ألست معي يا أخي أن الخلاص من الكوارث يجب أن يبدأ من الفرد والأسرة ثم المجتمع، وحينئذ وحين ذاك يكون قد ﴿جَآءَ ٱلحَقُّ وَزَهَقَ ٱلبَٰطِل إِنَّ ٱلبَٰطِلَ كَانَ زهوقا﴾ [الإسراء: 81] ؟ قد تقول: هذا يا أخي صعب، أقول: ولكنه الطريق، ولكنه الطريق!!.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 43

472

الثلاثاء 12-يناير-1971

الشورى أم الاستبداد؟ (3)

نشر في العدد 38

0

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

الشورى  أم الاستبداد!