; «القفص الذهبي» يحميك من «قفص الاتهام» | مجلة المجتمع

العنوان «القفص الذهبي» يحميك من «قفص الاتهام»

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 09-ديسمبر-2006

مشاهدات 72

نشر في العدد 1730

نشر في الصفحة 58

السبت 09-ديسمبر-2006

إحدى الدراسات الحديثة التي أجريت في جامعتي «هارفارد» و «ميريلاند» بالولايات المتحدة الأمريكية، كان الهدف منها الكشف عن العلاقة بين الزواج والتقليل من ارتكاب «الجريمة» وقد شملت الدراسة عينة قوامها ٥٠٠ فرد ممن يرتكبون الجرائم ولديهم استعداد لارتكابها، وقد تتبع الباحثون أفراد العينة من سن السابعة عشرة حتى من الثانية والثلاثين، وجاءت النتائج لتؤكد أن دخول الفرد القفص الذهبي يقلل من وقوفه في قفص الاتهام. استوقفتني هذه الدراسة، ولما نظرت فيها وجدت في نفسي فضولًا نحو تحليل نتيجتها تحليلًا إسلاميًا اجتماعيًا نفسيًا، فوجدت علاقة قوية بين ما توصلت إليه هذه الدراسة وبين أهداف الزواج، كما شرعها الخالق سبحانه وتعالى، ففي أهداف الزواج تفسير لما أسفرت عنه هذه الدراسة، حيث إننا لو تأملنا أهداف الزواج لوجدناها جميعها تعين على تقليص الجريمة ومنعها.

حاجات الفطرة الإنسانية

للإنسان حاجات أولية وثانوية تحتاج إلى إشباع، وعدم إشباعها يؤدي إلى توتر وأضرار كبيرة ومن أهم هذه الحاجات وأقواها الحاجة إلى الجنس، ويختلف الأفراد فيما بينهم في قوة هذه الحاجة، العوامل الوراثية والبيئية وإشباع هذه الحاجة من أي طريق غير الطريق المشروع وهو الزواج يؤدي أيضًا إلى توترات واضطرابات نفسية وسلوكية، ناهيك عن الإصابة بالأمراض، وهذه كلها عوامل قوية لارتكاب الجريمة وصدق اللطيف الخبير إذ يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(٦) فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (المؤمنون: ٥-٧)

إن إشباع الحاجة إلى الجنس عن طريق الزواج يشكل، مع العلاقة الزوجية بين الزوجين، رحيقًا من السعادة لا يستشعر حلاوته إلا من جربه، إنه رحمة بين الزوجين، وعلاقة متفردة متميزة، فتصبح الروحان روحًا واحدة، ويصبح القلبان قلبًا واحدًا من نفس جنسها البشري، إنه كيان يخرج الصالحين، فينصلح المجتمع ويغدو أمنًا، فتنحسر الجريمة، وهذا ما قرره علماء النفس حيث ذهبوا إلى أن الاتصال غير الشرعي بين الرجل والمرأة يتم فيه اتصال الجسد بالحسد ولا يتم فيه اتصال الروح بالروح، لأن الزانية تعطي بضعها ولا تعطي قلبها وروحها، بدليل أنها تعطيه الرجال كثيرين، والسعادة لا تتم إلا بالاتصال الجسدي والروحي معًا، ولهذا فالاتصال غير الشرعي اتصال ناقص، ناهيك عما يعتريه من الخوف من العار والعدوى من الأمراض، والخوف من العقاب والشعور بالذنب وتأنيب الضمير، وذلك كله يؤدي إلى الاضطراب النفسي والأمراض النفسية، مما يزيد من ارتكاب الجرائم.

يحملنا المسؤولية ويحقق الاتزان

هذا السكن وتلك المودة التي أكدتها الآية الكريمة السابقة هما سر رياني يودعه الله قلب الزوجين، وهذا السر هو بمثابة الشريان الذي يمتلئ حنانًا، فيروي الأبناء وترتوي به شجرة الحب الأسرية، ويجعل كلا الزوجين يتحمل مسؤوليته، فيجعل الزوج يواجه الحياة بشجاعة وبسالة وحماس، ويزيد إحساسه بالسرور، ويزيد نشاطه في العمل لأنه يشعر في قرارة نفسه بأنه يعمل لنفسه ولأحب الناس إليه وهم زوجته وأولاده الذين هم من صلبه وفلذات كبده.

 وعلى العكس.. من ذلك، فإن شعور الفرد بالوحدة داخل المجتمع يقلل من نشاطه وفاعليته وحبه للناس، وهذا قد يؤدي إذا ضعف الإيمان، إلى الانتحار، أو إلى ارتكاب الجريمة، لأنه يضعف أمام الأزمات الشديدة وعظائم الصعوبات في الحياة، ولعل أوضح دليل على ذلك ارتفاع نسبة الانتحار والجريمة في البلاد غير الإسلامية وبين غير المتزوجين أكثر منها عند المتزوجين، وبين المشاهير أكثر منها عند العاديين.

وفي تفسير ذلك يقول المفكر الاجتماعي الفرنسي «دور كايم» «..... فالمرء يزداد تعرضا لخطر الانتحار كلما انفصمت العرى التي تربطه بجماعة أيًا كانت، أي كلما أوغل في الحياة الأنانية، ولذلك نرى أن الانتحار بين العزاب يكاد يبلغ ثلاثة أضعاف عدده بين المتزوجين، ولا شك في أن الفرد عندما يشعر بالروابط المتينة والوشائج العظيمة وتراوده فكرة الانتحار عند مواجهة الأزمات يشعر بأنه بذلك لا يقضي على حياته فقط، بل يقضي على حياة أولاده وزوجته وهذا يجعله يتحمل المسؤوليات والصعاب والشدائد، ولا يقدم على الانتحار». ويقرر «دور كايم» أيضًا أن نسبة الانتحار تتصاعد كلما قل عدد أفراد الأسرة، وأنه بين الأزواج الذين لم ينجبوا أطفالًا أكثر من نسبته بين الذين أنجبوا، وكلما كثر عدد أطفالهم قلت نسبة الانتحار.

يحقق الاستقرار والصحة النفسية

فمن الناحية النفسية فإن غير المتزوج، وخاصة إذا ضعف إيمانه وخلقه يعاني الاضطرابات النفسية والقلق يسبب انحرافاته، وذلك لخوفه من عقاب القانون في الدنيا وعقاب الله عز وجل في الدنيا والآخرة، أما المتزوج الذي نوى بزواجه العفة والحصانة وفقه مقاصد الزواج وأحسن الاختيار واتقى الله في زوجته... فإنه ينهل من نهر السعادة، ويعيش حياة طيبة مستقرة، يتمتع بالصحة النفسية، والطمأنينة القلبية، في سكينة ومودة ورحمة كما قال رينا سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21)، إنه يعيش مع زوجة تستره ويسترها. يعفها وتعفه، ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ﴾ (البقرة: 187)  يقول رسولنا الكريم ﷺ: «من أحب فطرتي فليستن بسنتي، وإن من سنتي النكاح» (صحيح الجامع الصغير).  وهكذا جاء الإسلام موافقًا للفطرة وسنن الكون، ومحصنًا للبشر كي يعيشوا في مجتمع الفضيلة الأمن، ومن ثم التحمت سنة الإسلام بسنن الكون في هذه الرابطة الزوجية المقدسة المباركة.

الرابط المختصر :