; «الطريق إلى جوانتانامو».. فيلم يُحاكِي الواقع | مجلة المجتمع

العنوان «الطريق إلى جوانتانامو».. فيلم يُحاكِي الواقع

الكاتب سعيد أبومعلا

تاريخ النشر السبت 11-نوفمبر-2006

مشاهدات 66

نشر في العدد 1726

نشر في الصفحة 48

السبت 11-نوفمبر-2006

لم يتضرر أحد من سجن جوانتانامو أكثر من العرب والمسلمين، فهو سجن صمم خصيصًا لهم ولأجلهم- في ضوء ما يسمى بالحرب الأمريكية على الإرهاب- عـربـيـًا لم يأتِ أي عمل فنيٍّ يوازي مستوى حدث فعلة السجن الذي تطور إلى سجون سرية في دول عربية مختلفة.

الوضع في الغرب مختلفٌ جدًا، فالمخرجَات الإبداعية تتعامل وتعالج مثل هذه المواضيع بقوّة وجرأة، رغم الصعوبة النسبية في تنفيذها، بداية من أقلام الكتاب والصحفيين المعارضين لكل ما من شأنه أن يحول العالم إلى حلبة صراع مرورًا بالمسرح الذي قدم مسرحيات عدة ناقدة للسياسات الأمريكية والبريطانية، وصولًا إلى السينما التي نجدها تتسيد هذه المعالجات التي تطرح المأزق الذي تعيشه الحضارة الغربية، والإرهاب الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها بحجج كثيرة ليس مكافحة الإرهاب إلا إحداها.

محاكاة الواقع

ومن تلك الأعمال الجديدة فيلم «الطريق إلى جوانتانامو» وهو فيلم وثائقي بريطاني يذكرنا بفيلم الأمريكي مايكل مور «11 فهرنهايت».

فالمخرج -وبمقدار ما يعرض لحجم التعذيب والجرائم اللاإنسانية التي ترتكب بحق السجناء هناك- يؤكِّد أنَّ هناك من تضرر من غير المسلمين والعرب لوجود مثل هذا السِّجن، ألا وهي القيم الغربيّة التي كانتْ دومًا محط الأنظار والإعجاب.

 فيدرامية مدهشة بتقنياتها الجريئة تصويرًا وحوارًا، وأمكنة تمكِّن المخرج من محاكاة الواقع، كما بيّن خطأ تقسيم العالم إلى أسود وابيض كما تفعل إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش.

وبرأي المخرج مايكل وينتريوتوم: فإنّ الفيلم أراد أنّ يبين كيف أنه من الغريب أن تختار الولايات المتحدة الأمريكية كوبا بالذات لإقامة المعسكر، حيث يمكنها التصرف مع الناس بالشكل الذي لا

تستطيعه في أمريكا نفسها».

ويبدو أنّ الفيلم يريد أن يذكر بالأشخاص الذين تمَّ الإبقاء عليهم رهن الاحتجاز في المعسكر، في ظل نظام مرفوض، رغم أنّ العالم يبدو أنّه قد تعود على وجوده منذ زمن طويل، وبغض البصر عنه رغم استمرار احتجاز أكثر من ٥٠٠ إنسان فيه.

قصة حقيقية

«الطريق إلى جوانتانامو» فيلم المخرجين بريطانيين هما «مايكل وينتربوتوم» و«مات وايتكروس»، وكان قد عُرِض مؤخَّرًا في مهرجان برلين السينمائي الدولي، وحاز على جائزة الدُّب الفضي، بعد أن نال استحسان وتصفيق الجماهير، وبالتالي لجان التحكيم رغم مضمونه السياسي والإنساني البحث.

هذا الفيلم لقي رواجًا كبيرًا، ليس في کوبا أو فنزويلا أو إيران، وإنما في قلب العاصمة الأوروبية برلين تماماً كما هو حال فيلم مايكل مور «۱۱ فهرنهایت».

 القصة التي يسردها الفيلم هي لمعتقلين ثلاثة هم: عاصف إقبال ورحيل أحمد وشفيق رسول الذين بدعوا عملهم في باكستان ۲۰۰۱، وانتهى بهم المطاف خلف أسوار جوانتانامو. ثم أُطلِقوا بعد عامين دون أن توجَّه إليهم أي تُهَم.

الفيلم يحول وجهات نظر المعتقلين الثلاثة - إقبال وأحمد ورسول - إلى رواية يقصون فيها كيف انتهى بهما المطاف في جوانتانامو، حيث يقولون: إنّهم قرروا الرحيل إلى أفغانستان بعد سماع أحد الأئمة في مـسـجـد بـبـاكـسـتـان يـدعـو المتطوعين لتقديم يد العون لإخوانهم في أفغانستان، فوجدوا أنفسهم محاصرين عندما بدأت الحرب واعتقلوا من قبل قوات التحالف الشمالية الذين قاموا بتسليمهم إلى القوات الأمريكية.

حثٌّ على إعادة التفكير

لم يأتِ الفيلم وثائقيًا تسجيليًا، بل تضمَّن مشاهد تمثيلية نفذها المخرج ليقدم فيلمًا أكثر موضوعية عوضًا عن نقص المشاهد، وليكون أكثر قدرة على تقديم الحقيقة في ضوء الروايات التي قدمها المعتقلون الثلاثة.

وحول المَزْج بين المقاطع التسجيلية والمشاهد التمثيلية قال وينتريوتوم: «أردنا أن نبقي على الوسائل السينمائية بالقرب من الحقيقة للوصول إلى تأثير أكبر قدر الإمكان من أجل حث المشاهد على إعادة التفكير من جديد».

والفيلم استند - في وقائعه ومشاهده وحبكته الدرامية واستجواب المعتقلين وتعذيبهم - إلى معلوماتٍ حقيقيةٍ استقاها من مصادر صحافية، وسياسية وبعض الشهود الذين تولوا مهمات معينة داخل السجن الرهيب.

كما يُظهر المخرج كثيرًا من الوسائل المستخدمة في استجواب المساجين خصوصًا أولئك الذين تنسب إليهم تهمة المشاركة في مقاومة الغزو الأمريكي.

ويظهر أنّ الشريط استفاد إلى أقصى درجة ممكنة، من قدرات هؤلاء الممثلين ليقول في العلن ما لا يعرفه أحد عما يجري في الزنزانات وأروقة التحقيق، أو تلك المخصصة للتعذيب الجسدي والنفسي. وبرأي شفيق رسول أحد المشاركين في الفيلم والذي احتجز في جوانتانامو، فإنّ «الفيلم لا يعرض شيئًا مختلقًا، بل يحكي القصة كما كانت ويبين كيف سلَبت إنسانية الإنسان في السجن».

تجريد من الهوية

والفيلم، الذي يظهر بدرامية مؤثرة، يسرق الأنفاس منذ لحظاته الأولى، لا هامش فيه للتفكير بأسباب انتهاك أبسط الحقوق الإنسانية إلا على نحو يشير بأصابع الاتهام إلى التخبط الأمريكي في معاملة السجناء.

ومن مرتكزات الفيلم الأساسية قيامه على تكثيف المشاعر الإنسانية التي الحق بها ظلم كبير وقبيح في السجن.

ويفرِد المخرج مشاهد كاملة لحلقات التعذيب التي يتعرض لها هؤلاء المعتقلون الثلاثة على غير وجه حقّ، من دون أن يُسمَح لهم بالدفاع عن أنفسهم، وهم الذين كانوا يسعون إلى الخروج من أفغانستان في أثناء الغزو الأمريكي لها.

ووفقًا للإطار العام الوثائقي يجري تصنيف هؤلاء في مرتبة إنسانية دنيا ليبرر المحققون لأنفسهم تعذيبهم على نحو قد لا يخطر على البال.

ولا يستهدف الفيلم تسليط الضوء على التعذيب الجسدي فقط، إذ يُظهِر أنّ التعذيب النفسي أشد مهانةً، وأكثر تحقيراً للذات، حيث يظهرهم وهم يتحوّلون على نحوٍ مرعب، إلى نماذج تخضع لاختبار رهيب، وكأنّهم أشباح فقدوا هويتهم الإنسانية.

مقاربة مختلفة

المخرج يرى أنّ ما يثير الدهشة ليس التعذيب بحد ذاته، بل وجود السّجن نفسه، وفي هذا الإطار المؤثر يبدو العمل أكثر ميلًا إلى مناقشة ما يمكن اعتباره مفاهيم أمريكية محضة في مقاربة هذه القضية.

 فالمعتقَل ما إن يدخل جوانتانامو حتى يخرج من الكرة الأرضية، فتصبح هويته الثقافية وراءه، فتنزع منه قيمه التي نشأ عليها، ويتحوّل إلى فراغ قابل للامتلاء بما يلقيه المحققون في عالمه الداخلي.

 وفي هذا المجال: يُظهِر الفيلم مشاهد نادرةً لعدد من الأقفاص الحديدية المخرمة التي تذكر بالزنزانات المخصصة لاحتجاز الحيوانات.

ويقفزُ إلى الأذهان، على الفور، أنّ ثمَّة نوعًا من الدمج البصري بين الحيوان والسجين، والأغلب أن هذا الأخير أقل مرتبة وقيمة من الأول كما يظهره المخرج السبب رئيس هو أن الحيوان لا يمكن تجريده من هويته الحيوانية، بينما يصح هذا القول على الإنسان

  واقعية.. وطغيان السياسي

ورغم أنّ الفيلم يعدُّ سياسيًا بامتياز، غير أنّه إنساني بالمِثل استطاع أن يستقرئ الصورة والمشهد والسيناريو في أبعادها الخفية، وصولًا إلى الإقرار بأنّ الانتهاكات في جوانتانامو لا تدين أصحابها فقط، بل تشير أيضًا إلى تدنِّ مريع في القيم الإنسانية التي تزعم الولايات المتحدة أنَّها تدافع عنها.

والفيلم في ذلك لا يغرد خارج السِّرب، فهو يأتي ضمن سلسلة من الأفلام السياسية التي ظهرت مؤخرًا في محاولة لمعالجة وطرح القضايا التي تشغل العالم: كالحرب على العراق، والإرهاب وجرائم الصرب في البوسنة.

الرابط المختصر :