العنوان «الضَرُورَة».. «والجمُود».. «وتغيّر الزمَان».
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1975
مشاهدات 0
نشر في العدد 266
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 09-سبتمبر-1975
حول
«الضَرُورَة»..
«والجمُود»..
«وتغيّر
الزمَان».
إن الإيمان
بالله لا يتم إلا بالقيام بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا تتم
الطاعة إلا بالصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى وقد أمر الله المؤمنين بهذه الصفات
الموصلة إلى الفلاح بقوله: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل
عمران:200)
قال ابن كثير
رحمه الله في تفسـير هذه الآية: قال الحسن البصري أمروا أن يصبروا على دينهم الذي
ارتضاه الله لهم وهو الإسلام فلا يدعوه لسراء ولا لضراء ولا لشدة ولا لرخاء حتى
يموتوا مسلمين وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم، وكذلك قال غير واحد من
علمــاء السلف. أهـ.
وقد ابتلي
المسلمون بفتن كثيرة ينمي بعضها بعضًا ولا تزال في زيادة مستمرة وبسرعة هائلة
يزينها الأعداء ومرضى القلوب بشبه كثيرة منها ما يلي:
الشبهة
الأولى:
قولهم:
الحاجة تدعو إلى هذا الأمر أو الضرورة ويستدلون بآية المائدة ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ
مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المائدة:3)
وببعض آية الأنعام: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ﴾ (الأنعام:119) وغيرهما.
والجواب: نعم:
- يستدل بهما، ولكن بالشروط المذكورة فقال ﴿مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ﴾ (المائدة:3)
وفي آية الأنعام ذكر تعالى أنه فصل الحرام وإن الكثير يضلون بأهوائهم بغير علم
وسماهم معتدين. فلا بد من تمييز المسألة هل هي ضرورية حقًا أم لا؟ وليس لكل إنسان
تمييز كل مسألة وإنما للعلماء الذين أنار الله بصيرتهم وشرح صدورهم للإسلام،
العالمين بالأصول والفروع.
قال ابن
تيمية رحمه الله: لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم
بعلم وعدل ثم يعرف الجزئيات كيف وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل وظلم في
الكليات فيتولد فساد عظيم.
وقال رحمه الله في الأصول الثلاثة التي يعتمد
عليها أهل السنة والجماعة في العلم والدين وهي الكتاب والسنة والإجماع «وهم يزنون
بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له
تعلق بالدين». أهـ.
فعلى المسلم
أن يتثبت في أمور دينه ويحذر من الوقوع في الشبهات فقد يقصد الأعداء بإيراد الشبهة
تلبيس الحق على المسلمين لأجل إفساد دينهم حسدًا عليه أو لأغراض أخرى.
وتتجلى شبهة
دعوى الضرورة في كثير من المسائل عند كثير من الناس في حالتين لهم: -
الأولى: الحالة النفسية، فثقل الطاعة على نفوسهم وعدم
الصبر عليها واستبعاد قبول الناس لها وأيسهم الشديد في ذلك والجبن والضعف المخيم
عليهم عن إقامتها توقعهم في هذه الشبهة.
وميل النفس إلى
ما تهواه ومحبتها للراحة سبب لطلب الترخص والوقوع في المحرمات.
الثانية: حالتهم الفعلية فإذا تبينت المسألة التي وقعوا
فيها واتضحت بأنها ليست ضرورة كما زعموا فلا تجدهم يرجعون إلى طلب الحق فيها بل هم
في فرح وسرور بما يجري غير متألمين ولا حزينين وقد يتألمون بظهور الحق والتمسك به
ولا غرابة فإن غالب هؤلاء المعصية ظاهرة في وجوههم وأعمالهم وأخلاقهـم فحالتهم هذه
تجعل في النفس الشك إذا طلبوا الترخيص في حكم بأنهم غير صادقين في طلب الحق بل ولا
تمييزهم عندهم حتى يقبل منهم القول في المسألة فقد ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
وظواهرهم تدل على فساد بواطنهم وإن أدعوا الصلاح فهم مفسدون كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي
الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ
الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة:11-12).
الشبهة الثانية:
-
قولهم: الوقت اختلف والحالة تغيرت فزمننا غير
زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحــابته يشيرون إلى ما حصل من الانقلاب الصناعي،
وتقارب الأسواق، واختلاط البشر، وتشعب شئون الحياة.
والجواب عن
هذه الشبهة: -
إنه وإن اختلف
الوقت وتغيرت الحال فالشريعة الخالدة شاملة لجميع شئون الخلق في كل زمان ومكان وفي
كل حال من الأحوال إلى قيام الساعة ارتضاها لنا الرب جل وعلا العالم بأن الوقت
سيختلف وإن الحال ستتغير فهو عالم بما كان وما سيكون قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة:3).
فالقائل
بهذه الشبهة لقصد إبطال حكم شرعي طاعن في الشريعة متنقص لعلم الرب غير مؤمن بقول
الرسول صلى الله عليه وسلم: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ
عنها إلا هالك» أو جاهل ما في الكتاب والسنة مما جرى وما سيجري من الوقائع
والحوادث، ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا
أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (المائدة:49).
الشبهة
الثالثة:
وصفهم التمسك بالحق: جمودًا وتأخرًا، وتشديدًا، وتعقيدًا،
وقد يصرح التارك للحق بقوله: «إنهم يعيبوننا» مع اعترافه به.
والجواب: إن
هذه الكلمات من وساوس شياطين الإنس، فذرهم وما يفترون فالجمود ينطبق على من أصر
على المعصية واستمر في اتباع هواه والتأخر الحقيقي لمن تخلف عن طاعة الله ورسوله
واتبع غير سبيل المؤمنين أما التمسك بالشريعة فحزم وقوة لا تشديدًا فالشريعة جاءت
بما يطاق وإذا عرف الإنسان ثواب الأعمال الخيرة هانت المشقة. وخوف بعض الناس
ونفورهم من أهل الحق هيبة وعزة أودعها الله في المتمسك لا تنفيرًا منهـم.
وأما وصفهم
التمسك تعقيدًا فإن كان المراد التوثيق والاعتقاد الجازم فصحيح، وإن أرادوا
الوساوس التي تحدث القلق عند الإنسان والضيق فغير صحيح لأن الأمر بالطاعة غير
موسوس وكذلك الممتثل وما يحصل في نفسه من قلق هو بغضه لأعداء الله وضيق نفسه من
انتهاك حرماته وهذه علامة صدقه في إيمانه، وبذكر الله تطمئن القلوب.
وفي اللغة:
الوسواس بالفتح مرض يحدث من غلبة السوداء يختلط معه الذهن، ويقال لما يخطر بالقلب
من شر ولما لا خير فيه وسواس. وما في نفس المؤمن من القيام بالطاعة والتمسك بها
فتمييز وخير. وقد أمر الله نبيه بالتمسك بالشريعة وأمته أسوته في ذلك قال تعالى ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ
إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الزخرف:43) وقال تعالى: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ
أَهْوَاءَهُمْ﴾ (الشوري:15) وقال صلى الله عليه وسلم «عليكم
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» فعلى المسلم أن يسأل عن الحق أهل
العلم ولا يقول ما تميل إليه نفسه قال تعالى ﴿
فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن
كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:43)
وقال صلى الله عليه وسلم «ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال».
أما عيب
الناس للمؤمنين والسخرية بهم فسنة الله في خلقه ابتلاء للبشر حتى الرسل قال تعالى:
﴿وَلَقَدِ
اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا
كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (الأنعام:10).
فإذا صبر المؤمن فله الثواب وعلى الساخر العقاب علمًا بأن هناك من يثني على المؤمن
في السماء وفي الأرض كما أن العاصي يذم فهل من مدكر؟ فالصراع بين أهل الحق وأهل
الباطل سنة الله ليظهر الصادق في إيمانه من الكاذب قال تعالى ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ
الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ
ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. (آل عمران:186) قال ابن كثير رحمه الله: فكل
من قام بحق أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر فلا بد أن يؤذى فما له دواء إلا الصبر في
الله والاستعانة بالله والرجوع إلى الله.
الشبهة الرابعة:
-
قولهم: الأمر
بالمعروف لم يعمل بما يأمرنا به، أو عنده من لا يعمل به ويستدلون بقوله تعالى ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ
أَنفُسَكُمْ﴾ (البقرة: 44) ويقذفونه بقولهم «لا تغتر
بالمظاهر».
والجواب: أن
الحق يقبل من كل من جاء به، أما هذه الآية ففيها التوبيخ لمن يأمر بالمعروف ولا
يعمل به وليس فيها دليل على جواز ترك الطاعة المأمور بها، فعليك أن تنصحه وتعينه
على نفسه ومن عنده، فالمؤمن مرآة أخيه والدين النصيحة يكررها الرسول صلى الله عليه
وسلم قال الصحابة رضي الله عنهم لمن يا رسول الله قال: لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة
المسلمين، وعامتهم.
وذم الله بني
إسرائيل حيث لم يتناهوا عن منكر فعلوه قال تعالى ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي
إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا
عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ
ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة:78-79).
ومن أشد ما
يبتلى به المسلم أن يقال فيه إن ظاهره يخالف باطنه فهذا من الهمز واللمز ومن لحن
القول نسأل الله العافية فالقائل لهذه الكلمة مظهر لنفاقه كما قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ﴾ (محمد:30)،
وعلى فرض صحة ما يقوله في أخيه المسلم فليس نصحًا وإنما لقصد التشنيع به وتحطيمه
حتى يسكن عن الحق لكراهته له ومن الجدال بالباطل كمن قال الله فيهـم: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ
الْحَقَّ﴾ (غافر:5). فالله المستعان فلو صدقوا الله لكان
خيرًا لهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل