; «الصهيوني الأخير» | مجلة المجتمع

العنوان «الصهيوني الأخير»

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 26-مارس-1996

مشاهدات 65

نشر في العدد 1193

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 26-مارس-1996

«الصهيوني الأخير» هذا هو الوسام الذي وضعته صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية على صدر الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بعد زيارته التي قام بها إلى «إسرائيل» في أعقاب مؤتمر شرم الشيخ، الذي عقد في مصر في الثالث عشر من مارس الجاري، ففي زيارته لإسرائيل التي استغرقت اثنتين وعشرين ساعة، وكانت الثالثة له خلال ثمانية عشر شهرًا، قدم كلينتون للكيان الصهيوني ما لم يكن يحلم به اليهود منذ قيام إسرائيل، وحتى الآن، مما دفع بيريز أن يفرط في الإطراء على كلينتون حتى وصفه تارة بأنه من أعظم شخصيات العالم، وتارة أخرى بأنه من أعظم الرؤساء وفي أعقاب اطلاعي على منح صحيفة (يديعوت أحرونوت).. إحدى أكبر الصحف الإسرائيلية هذا الوسام الرفيع للرئيس كلينتون سعيت في البحث والاستقصاء عن دوافع ومبررات الصحيفة في منح هذا الوسام لكلينتون ومدى أحقية الرئيس الأمريكي في الحصول على هذا الوسام الذى لم يحصل عليه رئيس أمريكي من قبل فوجدت من خلال الحصر الشامل لكل ما حصلت عليه من معلومات عن الاثنتين والعشرين ساعة التي قضاها كلينتون في «إسرائيل» أن دوافع وحيثيات الصحيفة في منح كلينتون هذا الوسام الرفيع تتلخص في أمور عديدة من أهمها:
أولًا: أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون استطاع أن يمارس ضغوطه على ٢٩ دولة وجمعها تحت سقف واحد وخلال وقت زمني محدود حتى إن مايك ماكوري المتحدث باسم البيت الأبيض وصف تحرك كلينتون قائلًا: «لقد شرع كلينتون إلى إسرائيل للمساعدة في رأب الصدع...
وقد نجح كلينتون في جعل الدول المشاركة جميعًا تتعهد بالحفاظ على أمن إسرائيل، مما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز أن يعلق بذهول على حجم التأييد الذي حصلت عليه «إسرائيل» من وراء قمة شرم الشيخ، قائلا: لم أر في حياتي شيئًا كهذا قط.
ثانيًا: أن الرئيس كلينتون سجل سابقة في تاريخ الرئاسة الأمريكية وتاريخ الكيان الإسرائيلي كذلك، حيث كان أول رئيس دولة يحضر اجتماع مجلس الحرب الإسرائيلي الذي يعتبر أرفع المجالس التنفيذية في «إسرائيل» وهو المعني بمناقشة واتخاذ أدق القرارات الأمنية والسياسية للكيان الصهيوني.
ثالثًا: لم يغادر كلينتون غرفة اجتماعات مجلس الحرب الإسرائيلي إلا وقد وضع على الطاولة مبلغ مائة مليون دولار كمنحة أولى لمساعدة «إسرائيل» على مواصلة قمع الفلسطينيين تحت بند مكافحة الإرهاب، وقال كلينتون: أبلغت رئيس الوزراء بيريز أن الولايات المتحدة ستلتزم بتقديم أكثر من 100 مليون دولار لهذا المسعى، لقد اتخذت هذه الخطوة لأنني مصر على استخدام كل الوسائل المتاحة لدينا لمكافحة عنف المتطرفين ، وأضاف كلينتون قائلا: ومهما كان الجهد المطلوب ومهما استغرق ذلك من وقت علينا أن نقول لهم إننا سنتعقبكم ونقتلعكم.
رابعًا: تعهد كلينتون مرة أخرى بأمن إسرائيل، وتفوقها على كل جيرانها العرب ليس هذه المرة من حيث إمدادها بالسلاح المتطور فحسب بل كما قال كلينتون: توفير الولايات المتحدة المعدات والتدريب لإسرائيل وتعاون البلدين في تطوير أساليب وتقنيات جديدة ضد الإرهاب وتقوية الاتصالات والتعاون بين إسرائيل والولايات المتحدة وبينهما وبين الدول الأخرى، وأضاف كلينتون «بأن كلًا من وارن كريستوفر . وزير الخارجية الأمريكي ورئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية سي. أي إيه، سوف يقومان مع مسئولين إسرائيليين بصياغة المعاهدات الأمنية المشتركة التي ستضع أمن إسرائيل مع أمن الولايات المتحدة كتفًا بكتف وذراعًا بذراع، وسيتم التوقيع عليها في واشنطن في إبريل القادم.
خامسًا: أن كلينتون أطلق العنان لإسرائيل في أن تفعل بالفلسطينيين أو جيرانها العرب ما تشاء دون رقيب أو حسيب مدعيًا أن الجميع يتفهم ضرورة هذه الإجراءات، وهذه الإجراءات التي قال كلينتون إن الجميع يتفهما هي تجويع الفلسطينيين وحصارهم، وهدم منازلهم، واعتقال وإبعاد ناشطي حماس وتدمير قرى الجنوب اللبناني وغير ذلك من الإجراءات التي ترك لإسرائيل وحدها تحديد أبعادها والتي أوجزها كلينتون في خطابه قائلًا: إننا نسعى جميعًا لتعزيز أمن إسرائيل.
ثم عقب على ذلك بعد عودته إلى واشنطن أمام أعضاء منظمة النداء اليهودي، قائلًا: «لا أحد يعتقد أن من العدل مطالبة إسرائيل بالتخلي عن أمنها كي يتحقق السلام فإسرائيل يجب أن تكون قوية وآمنة ومطمئنة إذا أردنا السلام والعدل لكل إنسان في الشرق الأوسط».
سادسًا: فعل كلينتون ما لم يفعله رئيس أمريكي سابق، ففي الوقت الذي كان فيه بن جوريون وغيره من زعماء «إسرائيل» الأوائل يترقبون ويتمنون صدور دعوة لهم من البيت الأبيض لزيارته انقلب الحال الآن وأصبح سيد البيت الأبيض يأتي إلى «إسرائيل» «مهرولًا حسب وصف الناطق باسم الخارجية الأمريكية ويذهب هو لمقر الرئيس الإسرائيلي عزرا وايزمان لزيارته في القدس واسترضائه بعدما رفض وايزمان استقباله في المطار بسبب هبوط طائرة كلينتون في تل أبيب بدلًا من القدس.
سابعًا: الخشوع الكامل الذي ظهر به كلينتون وهو يقف ذارفًا دموعه على قبر رابين ثم أمام الشموع المضاءة في ذكرى الذين قتلوا في الانفجارات  الأخيرة حيث خاطب الحضور قائلًا: والتأثير باديًا على وجهه: لقد فقدتم أصدقاءكم في الهجمات الإرهابية وجئت لأعبر لكم عن دعمي وتعاطفي، وقد دفع هذا الكلام بيريز أن يتحدث عن كلينتون قائلًا: "إنه أول رئيس دولة في العالم يضع السلام في مقدمة أولوياته وأنه قد غير مصير منطقة الشرق الأوسط فعلا" ثم توجه بالتحية إلى كلينتون واصفًا إياه بـ الصديق المتأثر الذى تغرورق عيناه بالدمع على ما أصاب إسرائيل من كوارث وفي مقدمتها اغتيال إسحاق رابين وموجة الاغتيالات الأخيرة، أما بنيامين نتنياهو – زعيم الليكود - فلم يكن أقل إطراء لكلينتون من بيريز حيث قال عن كلينتون بأنه قد أودع البلسم في قلوب الإسرائيليين.
ثامنا: إلزام "آخر الصهاينة"، الدول العربية بأن تتحمل مسئولية أمن إسرائيل، وهذا ما أكده في القدس حينما قال: لقد أظهرت قمة شرم الشيخ بأن إسرائيل باتت مقبولة أكثر فأكثر من جيرانها العرب وأنها ليست وحدها في مكافحة الإرهاب الدولي والعمل من أجل السلام، ثم أكد على ذلك في خطابه الذي ألقاه أمام منظمة النداء اليهودي، في واشنطن، حينما قال: للمرة الأولى بدأت الشعوب العربية في المنطقة تدرك أن الألم في إسرائيل خطر عليها أيضًا.
تاسعًا: إعطاء الضوء الأخضر للقضاء على كل معارضي مسيرة التسوية في المنطقة حتى لو كانت المعارضة كلامية أو إعلامية وأن كل ما تفعله «إسرائيل» أو سلطة عرفات أو غيرهم مشروع للحفاظ على إسرائيل، وأمنها.
هذه بعض الحيثيات والمبررات التي جعلت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية تمنح الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وسام الصهيوني الأخير، فهل سيكون هذا الوسام الذي علقه الصهاينة في «إسرائيل» على صدر الرئيس كلينتون كفيلا باستبقائه لفترة رئاسية ثانية في البيت الأبيض؟

الرابط المختصر :