; الشيشان..الشيخ شامل يعود ثانية للقوقاز ويهز الهيمنة الروسية. | مجلة المجتمع

العنوان الشيشان..الشيخ شامل يعود ثانية للقوقاز ويهز الهيمنة الروسية.

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1995

مشاهدات 77

نشر في العدد 1155

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 27-يونيو-1995

  • عملية شامل باسييف في بودنيوفسكي الروسية حققت أهدافها التكتيكية والاستراتيجية 
  • موسكو تخضع لباسييف وتوقف العمليات العسكرية في الشيشان وتبدأ مفاوضات مع ممثلي دوداييف.
  • رغم أن العملية تمتبعيدًا عن دوداييف إلا أنها أكدت شرعية قيادته.
  • أنقرة تكذب ادعاءات يلتسين بطلب دوداييف اللجوء السياسي لتركيا.

إسطنبول: مراسل المجتمع

أكدت العملية العسكرية التي قام بها المجاهد القوقازي شامل باسييف مع ٧٠ من إخوانه المجاهدين في مدينة بودنيوفسكي الروسية يوم ١٤ يونيو «حزيران» الجاري، وانتهت بعد 5 أيام أن مبدأ العين بالعين والسن بالسن الإلهي هو الأسلوب الأمثل للتعامل مع الظلمة والعتاة الروس الذين يقومون بعملية إبادة جماعية للشعب الشيشاني المصر على الاحتفاظ باستقلاله، فحقًالا يفل الحديد إلا الحديد.

فالعملية التي نجح باسييف في احتجاز 1500 رهينة أثناء اقتحامه للمدينة الروسية لا يمكن توصيفها بالإرهاب بزعم أخذ رهائن خاصة وأن باسييف حافظ على أرواحهم رغم محاولات قوات الكوماندوز الروسية (۱۰۰۰) اقتحام مبنى المستشفى الذي تم احتجازهم فيه، وبعد معركة مسلحة يوم ١٧ يونيو الجاري، بناء على أوامر الرئيس يلتسين لتخليص الرهائن والقضاء على باسييف رغم تهديد الأخير بأنه في حالة القيام بذلك سيفجر المبنى بمن فيه، تقرر بعد ذلك البدء في مفاوضات مع المجاهد القوقازي الذي لم يستهدف من موضوع الرهائن سوى وقف عملية الإبادة الروسية للمسلمين في الشيشان والجلوس معًا على مائدة المفاوضات، وهو ما حدث بالفعل، وبالتالي فإن العملية استهدفت شد انتباه العالم إلى مأساة الشيشان بعدما تم إدخالها ثلاجة التجاهل الدولي بهدف تجميدها في ذاكرة الرأي العام العالمي، علاوة على إجبار الروس على وقف عملية الإبادة.

شامل الثاني

كما أن شامل باسييف والذي أطلق عليه الشيخ شامل الثاني في القوقاز ليس إرهابًيا رغم أنه كان قد اختطف طائرة روسية عام ۱۹۹۱م، وهبط بها في أنقرة مبررًا ذلك بشرح قضية بلاده للعالم، وتنبيه الرأي العام العالمي إلى الضغوط الروسية على الشيشان إذ إنه يعرف نفسه بأنه مقاتل من أجل الحرية، فهو بحق «تشي جيفارا» المسلمين، إذ إنه نجح في تشكيل مجموعة من المجاهدين الشيشان والأبخاز والأتراك كان لها دور بارز في المواجهة الإباظية- الجورجية قبل ٤ سنوات وانتهت باستقلال أبخازيا عن جورجيا، رغم عدم اعتراف أي من الدول الإسلامية كذلك بأبخازيا مثلما فعلت مع الشيشان.

ولم يستهدف باسييف من عمليته العسكرية زعزعة الموقع القيادي للرئيس جوهر دوداييف والذي لم يعطِ أوامره للقيام بها وفقًا لما صرح به بل استهدف تقوية موقعه والتأكيد على دوره، خاصة وأن شرطه الثاني لإطلاق سراح الرهائن كان قوله لفيكتور تشير نوميردين- رئيس الوزراء الروسي- أثناء المحادثات الهاتفية يوم ١٨ يونيو الجاري «اجلسوا على مائدة المفاوضات مع ممثلي الرئيس دوداييف» وذلك في الوقت الذي أشاع فيه الرئيس يلتسين أن الرئيس الشيشاني طلب حق اللجوء السياسي من تركيا، وهو ما تم نفیه رسميًا يوم ١٩ يونيو من جانب وزارة الخارجية التركية ومن جانب مساعدي دوداييف، إذ أكدوا أنه لا توجد لديه نية لذلك، ولن يترك الشيشان، وستستمر المقاومة حتى يجلس الروس على مائدة المفاوضات، وبالتالي كانت العملية محاولة لدعم دوداييف معنويًا وقياديًا، خاصة وأنه كان سيرفض عملية مثل تلك لمسببات سياسية، إذ إنه يتعامل كرئيس دولة يخضع لموازين خارجية وإقليمية عديدة تعيق إمكانية تحقيق عملية جهادية شجاعة كالتي قام بها شامل باسييف وجماعته، والذي يعمل كمجاهد ومحارب من أجل الحرية.

ولذلك صرح شمس الدين يوسف- وزير الخارجية الشيشاني- لفراي تينش- الكاتبة في صحيفة «حريت»- يوم ١٨/٦/١٩٩٥، «أنه لم يكن لديهم شيء آخر يفعلونه الروس، يمحون بلدي، ماذا عسانا أن نفعل؟ كيف يمكننا أن نسمع صوتنا وأضاف أن العملية لم تتم بناء على تعليمات الرئيس دوداييف ولكن بعدما تمت فيجب دعمهاومساندتها».

كما أن العملية تجيء في إطار تخفيف الضغط الحالي على قوات المجاهدين الشيشان الذين يعيشون حاليًا في جحيم القاذفات الروسية التي تغطي كل متر من الأراضي الشيشانية، فالقصف من الجو والأرض تحولت خلاله الشيشان إلى كتلة من اللهب لا يمكن لإنسان أن يرفع رأسه.

واستهدفت العملية كذلك إحراج الرئيس الروسي بوريس يلتسين أثناء حضوره قمة الدول السبع التي عقدت في هاليفاكس يوم ۱۷ يونيو الجاري، إذ طالبه زعماء تلك الدول بإيجاد حل سلمي للمشكلة الشيشانية في أسرع وقت ممكن، ولولا تلك العملية لنجح في إقناعهم بالانتهاء من العملية، خاصة وأنه صرح بأن دوداييف على وشك الخروج من الشيشان، إذ طلب حق اللجوء السياسي من تركيا- وهو ما تم تكذيبه رسميًا- وكان يلتسين قد أعطى تعليماته بضرورة التخلص من قوات المقاومة الشيشانية قبل سفره للقمة ولذلك كانت المواجهة خلال الأسبوعين الأولين من الشهر الجاري الأكثر دموية ووحشية وبالتالي فإن العملية كانت ردًا عمليًا على ما سيحاول يلتسين ترويجه في القمة من أكاذيب ولتنبيه العالم إلى المأساة الشيشانية.

وتأتي العملية في إطار ترجمة التهديدات الشيشانية السابقة الخاصة بشن عمليات انتحارية داخل الأراضي الروسية وهو ما نجح فيه شامل باسييف، إذ نجح في اقتحام مدينة عدد سكانها ١٠٠ ألف نسمة، ودخل في مواجهة مع قوات الأمن فيها، واحتجز ١٥٠٠ رهينة، وهو الأمر الذي وعاه رئيس الوزراء الروسي، ولذلك قرر التفاوض لإنهاء الأزمة التي تسبب في حدوثها واستمرارها الرئيس بوريس يلتسين، خاصة بعدما فشلت أفضل قوة روسية مدربة في إطلاق سراح الرهائن وكذلك لمنع حدوث مصادمات إثنية خاصة بعدما هدد القاذاق باحتجاز سكان الشيشان في مناطق تواجدهم، من المعروف أن القاذاق طوال تاريخهم يدعمون الروس، وهو ما يعني حدوث ردود فعل غير مأمونة العواقب من المسلمين في روسيا الاتحادية، خاصة في باقي مناطق القوقاز وجمهوريات نهر الفالوجا، مما يهدد السلام الاجتماعي في روسيا الاتحادية نفسها ويفتح أبواب تفسخها.

قدرة تفاوضية شيشانية

كما أثبت شامل باسييف من خلال مفاوضاته مع رئيس الوزراء الروسي قدرة تفاوضية عالية، حيث نجح في تحقيق ٣ من شروطه الأربع، والتي كانت كما يلي:

  1. وقف كافة الأعمال العسكرية من جانب القوات الروسية في الشيشان وهو ما تم إعلانه بالفعل من جانب موسكو اعتبارًا من الساعة الثامنة بالتوقيت المحلي الروسي يوم (١٨/٦/١٩٩٥م).
  2. بدء مفاوضات في جروزني بين الجانب الروسي وممثلين عن الرئيس جوهر دوداييف (وهو ما تم بالفعل يوم ١٩/٦/١٩٩٥م) إذ رأس الجانب الروسي فيتشسلاف ميخائيلوف نائب وزير القوميات، ورأس الجانب الشيشاني عثمان إيماييف- النائب العام ومن المساعدين المقربين من دوداييف- وشارك في الوفد الشيشاني أصلان مشهدوف- رئيس الأركان- وسلطان غاليشانوف رئيس الأمن الشيشاني.
  3. إجراء استفتاء عام على الاستقلال- وهو ما رفضه رئيس الوزراء الروسي لمخالفة ذلك للدستور الروسي- وإن كان ذلك لا يعني موافقة شامل باسييف على عدم تحقيق ذلك الهدف الاستراتيجي.
  4. ضمان عودة المجاهدين الشيشان إلي الأراضي الشيشانية سالمين، وهو ما وعد به رئيس الوزراء الروسي، إذ وفقًا للمعلومات التي وصلت إلى أنقرة يوم ۲۰ من الشهر الجاري «الثلاثاء» فإنه تم إطلاق سراح الرهائن عدا ١٥٠ رهينة احتفظ بهم شامل لضمان عدم الوقوع في فخ روسي منهم ٨ نواب و ١٥ صحفيًا، وتحرك ركبهم بالفعل في أتوبيسات روسية، وتوجهت إلى قصبة «فودي منار العالم» لتنتهي الأزمة –إذ لم تحدث خديعة من الجانب الروسي– إذ خرج ١٤٣ مقاتلًا شيشانيًا معهم ١٥٠ رهينة من مدينة بودنيوفسكي واتجهوا نحو الحدود الشيشانية في الساعة 12.30 ظهر يوم ١٩/٦، وأفرجوا بعد ذلك عن الرهائن بالفعل بعدما وصلوا آمنين إلى مواقعهم في الشيشان.

كما أن شامل باسييف في الثلاثينيات من عمره والذي قتل الروس والده ووالدته، وبدأت شهرته منذ خريف ۱۹۹۲م، عندما توجه مع مجموعة من المجاهدين إلى أبخازيا للدفاع عنها ضد الغزاة الجورجيين، وقاتل مع الأباظة ليس من أجل المال ولكن بهدف تأكيد الأخوة الإسلامية والوصول إلى مفهومها الحقيقي كما يقول، وقد نجح في تأكيد ذلك المفهوم ويقول بعض الشباب الأتراك ذوي الأصول الأبخازية والذين ذهبوا لأبخازيا للقتال معه أنه شغوف بالجهاد والتاريخ الإسلامي وأسطورة الشيخ شامل الذي تحدى الروس وأسس جمهورية شمال القوقاز الإسلامية، ويرفض وصفه «برامبو» مؤكدًا بأنه يترسم خطى الصحابة، والشيخ شامل والذي يسعده أنه يحمل اسمه، كما أنه إنسان متواضع للغاية.

ووفقًا لما نشرته صحيفة «يني يوزيل» يوم ٢٠/٦/١٩٩٥م، عنه تقول إنه نجح في دخول سخومي العاصمة الأبخازية التي كانت تحت الاحتلال الجورجي عبر القنوات ونجح في قتل ۲۳ جورجيًا دون أن يفقد أحدًا من مجموعته، كما كان شامل عدوًا للشيوعية والاشتراكية.

وعمومًا فإن عملية شامل باسييف أعادت ذكرى الشيخ شامل إلى أذهان القوقازيين بشكل عملي، مما سيساهم في تنامي الروح الجهادية خاصة بعدما نجح باسييف في إذلال الروس، وأعاد إلى الأذهان إمكانية تحقيق حلم الشيخ شامل بإقامة دولة إسلامية في القوقاز فتوريث الحلم يظل دائمًا مكسبًا استراتيجيًا حتى إذا لم يتمكن الجيل الحالي من تحقيقه فإنه يظل الحلم يغلي في الوجدان أفضل بكثير من أن يتوارى في ثلاجات النسيان التي تعتبر استسلامًا للهزيمة، بينما يظل الأمر الأول محاولات استعداد للمعركة المقبلة، ولذلك فإن الشيخ شامل باسييف نجح في حمل مسئولية توريث الحلم القوقازي الإسلامي، وهو أمر لا يمكن إنكار دلالاته وأهميته بغض النظر عن النتائج الآنية الناجحة لعمليته العسكرية التي أذلت روسيا إحدى القوتين العظميين في العالم ..

الرابط المختصر :