; «الربيع العربي» أسقط فتاوى سد ذرائع الحرية (7) | مجلة المجتمع

العنوان «الربيع العربي» أسقط فتاوى سد ذرائع الحرية (7)

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2012

مشاهدات 84

نشر في العدد 2014

نشر في الصفحة 66

السبت 04-أغسطس-2012

ما لم ينتبه إليه كثير من المتابعين لتحولات الفكر الإسلامي وعلاقاته المتشابكة بشؤون المجتمع والدولة والسياسة في الواقع الراهن هو أن فتاوى سد ذرائع الحرية كانت أول ضحايا أحداث «الربيع العربي»، بعد أن أسقطت جماهير الأمة حاجز الخوف وانقشعت ظلمة الاستكانة التي استسلمت لها شعوبنا العربية لعقود متطاولة.

 لقد وجدت قاعدة «سد الذرائع»، طريقها إلى التطبيق السلبي في قضايا المجتمع والدولة ومشكلات الحرب والسياسة في الدولة العربية الحديثة عبر «فتاوى»، كثيرة، كان من أشهرها ، «فتاوى حرب الخليج الثانية» التي اندلعت ضد العراق يوم 29/6/ 1411هـ - 16/1/1991م، ثم تكاثرت هذه الفتاوى في سياق المظاهرات الشعبية التي اتسع نطاقها في أجواء ما سُمي «الربيع العربي»، في سنتي ١٤٣2/١٤٣3هـ - ٢٠١1/٢٠١2م، وبالرغم من الصعوبة البالغة في تتبع تلك الفتاوى؛ نظرًا لكثرة عددها وتضاربها في الموضوع الواحد، فإننا سنحاول التعرف على أهم أليات تشغيل قاعدة «الذرائع»، فيها، وما المآلات التي آلت إليها هذه القاعدة على أرض الواقع: هل أدت مهمتها في قطع الطرق المؤدية إلى تضييع المصالح وحسم ذرائع الفساد أم لا؟

لقد انخرط كثير من المفتين الشرعيين في إصدار فتاوى منع التظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات التي مهدت ورافقت أحداث «الربيع العربي»؛ وذهب أغلبهم إلى تحريم التظاهر والاحتجاج الجماعي، وتعللوا في ذلك بقاعدة سد ذرائع الفساد والفوضى, تمامًا كما فعل بعض أسلافهم أو كثير منهم في الأزمنة السابقة ولكن دون أن يتعلم المفتون المعاصرون الدرس من السابقين؛ حيث لم تؤد فتاواهم إلى درء مفاسد الفوضى والفتن؛ بل تسببت فقط في مزيد من التضييق على الحريات العامة، وإهدار الحقوق. صحيح أن بعض المفتين المعاصرين ذهب إلى إجازة الاحتجاجات والتظاهرات العامة المطالبة بالحقوق والحريات والمناهضة للاستبداد والفساد فتحًا لذرائع الحرية في عديد من مجتمعاتنا، إلا أن صوت المفتين بالسد والمنع ظل أعلى وأشيع من نظرائهم المفتين بالفتح والإجازة، وبعيدًا عن الفريقين؛ فإن الملاحظة المباشرة تقول لنا: إن أغلب المتظاهرين في عواصم ومدن العالم العربي في أغلبهم لا ينتظرون مثل تلك الفتاوى كي يقرروا المشاركة أو عدم المشاركة فيها، فضلًا عن أن أكثرهم لا يهتم بقراءتها أو التدقيق في أدلتها.

إن الخلافات بين مراجع الإفتاء واقعة في شأن «التظاهر السلمي», وغيره من أشكال الاحتجاج السلمي مثل: الاعتصامات والإضرابات, والعصيان المدني, أما الاحتجاجات غير السلمية فلا خلاف بين الجميع في منعها لكون المفاسد والأضرار التي تؤول إليها راجحة, ولا تغيب قاعدة «الذرائع» سدًا أو فتحًا عن الحجج التي يسوقها المؤيدون والمعارضون.

الحجة الأساسية للذين يفتون بجواز التظاهرات وغيرها من صور الاحتجاجات السلمية هي: أنها من باب «العادات والعرف», و«المصالح

المرسلة»؛ حيث إنها تجلب المنافع وتدفع الأضرار، وأن الأصل هو الأمر الشرعي بالتغيير إلى الأفضل، وعدم الرضا أو السكوت على الفساد والمعاصي والظلم، وإلا أصابنا الله بالخذلان في الدنيا، والنيران في الآخرة؛ فقد جاء في التنزيل: ﴿ولَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (هود: 113). إلى غير ذلك من الأدلة.

أما الحجة الأساسية للذين يفتون بمنع التظاهرات فهي: أنها بدعة مستحدثة من أفعال الكفار في الغرب، وأنها ذريعة للشغب والفوضى والتخريب والصدام مع الشرطة, واختلاط الرجال بالنساء «لاحظ تكرار أخبار حوادث التحرش بالنساء في التظاهرات، وقد يكون بعضها مفتعلًا وبعضها الآخر غير ذلك»، وهي أيضًا باب للخروج على الحكام وفتح ذرائع الفتنة.

وفتاوى منع التظاهرات استنادًا لتلك الحجج وأمثالها متظاهرة متكاثرة، منها ما جاء في فتوى قديمة للشيخ ابن عثيمين، والتي يرددها كثيرون في شأن منع تظاهرات «الربيع العربي», وفيها قال: «المظاهرات كلها شر؛ سواء أذن فيها الحاكم أو لم يأذن، وإذن بعض الحكام بها ما هي إلا دعاية, وإلا لو رجعت إلى ما في قلبه لكان يكرهها أشد كراهة, لكن يتظاهر بأنه كما يقول: ديمقراطي!، وأنه قد فتح باب الحرية للناس، وهذا ليس من طريقة السلف», ومنها فتوى الشيخ عبد العزيز الراجحي: «السؤال: ما رأيكم فيمن يجوز المظاهرات للضغط على ولي الأمر حتى يستجيب له؟ الجواب: المظاهرات هذه ليست من أعمال المسلمين، هذه دخيلة، ما كانت معروفة إلا من الدول الغربية الكافرة».

تستند تلك الفتاوى التي تمنع المظاهرات والاحتجاجات السلمية إلى قاعدة «سد الذرائع»، خشية وقوع ما أشار إليه المفتون من مفاسد، أما الأضرار والمظالم التي يئن منها الناس؛ فلا يعدم أولئك المفتون عشرات الأدلة للبرهنة على فضيلة الصبر واحتساب الأجر عند الله تعالى وتفويض الأمر إليه، وعندما يرد الحديث عما هو واقع من المفاسد وليس «المتوقع»، يأتي رد أولئك المفتين باستدعاء تراث «السياسة الشرعية», مع تكثيف التركيز على ما فيه من وصايا «الرضا»، على الحاكم مهما كان ظلمه وفسقه وفجوره «حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر», كما قال بعضهم, وهكذا يبدو المشهد «الإفتائي» في مجمله «سورياليًا»، فحجج كل فريق منقوضة عند الفريق الآخر, لا حجر منها يبقى على حجر.

 ولا يزال الوقت مبكرًا لمعرفة «مآلات»، فتاوى تظاهرات «الربيع العربي»، وهل ستكون كسابقاتها مثل فتوى منع الأوقاف في عهد محمد علي, وغيرها من الفتاوي التي تناولت «مصالح عامة» على الأقل في العصر الحديث, ولم يأبه بها جمهور الناس؟ أم سيختلف مآلها من بلد لأخر بحسب ضغوط عمليات التغير الاجتماعي ومطالبات الإصلاح السياسي, وظهور محاولات اجتهادية جديدة من داخل منظومة الفكر الإسلامي السياسي؟.

الرابط المختصر :