العنوان الدخول السياسي الأول في عهد محمد السادس
الكاتب إبراهيم الخشباني
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1999
مشاهدات 67
نشر في العدد 1377
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 23-نوفمبر-1999
السرعة التي تحرك بها «الملك» في تغييراته الحاسمة وإنشائه لجان تعويض المتضررين من الإجراءات الأمنية تجعل الحكومة مطالبة بالتحرك على الإيقاع نفسه.
لم تكن إقالة إدريس البصري من مهامه كوزير للداخلية المغربية مفاجأة لمتتبعي الشأن السياسي المغربي، بل كانت متوقعة منذ مدة خصوصًا مع ما كان يروج دائمًا عن عدم رضا الملك - منذ كان وليًّا للعهد - على الطريقة التي كان البصري يتعامل بها مع شؤون السياسة الداخلية، ونظرًا كذلك إلى كون البصري وعقليته الأمنية لايتماشيان مع أسلوب محمد السادس الميال إلى تحقيق انفتاح أكثر و«ديمقراطية» أكبر للحياة السياسية.
فالدخول السياسي الأول في عهد محمد السادس لم يكن إذًا بنفس الهدوء والرتابة التي بدأ عليها في الظاهر، والمتأمل بعمق في الأحداث يكتشف أن هذا الدخول عرف - ومنذ البداية - الكثير من التغييرات شملت حتى الشبكات النافذة في العهد القديم، ولكن مع الحرص على إعطاء الانطباع بالاستمرارية.
الرباط : إبراهيم الخشباني
وهكذا تواصل تفكيك شبكات العهد القديم بأسلوب جد أنيق، والنباهة لا تنقص المتتبع وهو يقرأ مثلاً حدث التغيير الذي حصل في واحدة من أكبر المديريات حساسية في البلاد وهي «مديرية مراقبة التراب الوطني» وبالتالي تجريد وزارة الداخلية من جهاز كانت تستعمله - ليس كما هو منصوص عليه في قانونه الأساسي، أي في حماية التراب الوطني من العناصر الخارجية - ولكن في التجسس على الأحزاب والنقابات، وفي مراقبة أنفاس المواطنين.
تجريد السيد البصري لم يكن فقط من هذا الجهاز، ولكن كذلك من الملف الذي أصبح الكثيرون يظنون أنه وحده العارف بخباياه، وألا أحد غيره قادر على السير به على أحسن الطرق ألا وهو ملف الصحراء، فقد تم في اليوم نفسه إرجاع هذا الملف إلى مكانه الطبيعي «وزارة الخارجية»، بتعيين السفير محمد لوليشكي مكلفًا بالتنسيق مع الأمم المتحدة خلفًا للعامل (المحافظ) بوزارة الداخلية محمد عزمي.
وبذلك أصبحت وزارة الداخلية - التي كانت صحافة أحزاب المعارضة تسميها تهكمًا بـ «أم الوزارات» أو «الحزب السري» - وزارة مثل سائر الوزارات الأخرى تزاول مهامها الحقيقية المنوطة بها في الحفاظ على السير العادي للمصالح الإدارية بالمحافظات والبلديات.
التعيينان حصلا بالضبط غداة أحداث العيون - كبرى مدن الصحراء- التي عرفت تدخل شرطة البصري لتفريق اعتصامات طلابية بالعنف مما تسبب في انتفاضة عارمة.
ولم يتوقف الأمر عند هذه التغييرات، بل تلتها عدة إجراءات عقابية كتوقيف عميد الشرطة في هذه المدينة الصحراوية والعديد من المسؤولين الأمنيين بالمدينة.
وزاد من تحجيم الوزير القوي تزامن هذه الحركة التغييرية مع السماح بعودة زعيم المعارضة الماركسية - اللينينية المتطرفة خلال السبعينيات اليهودي المغربي - «إبراهام السرفاتي» من منفاه بفرنسا دون علم السيد البصري الذي كان يعارض هذه العودة بشدة.
وقد ربطت الصحافة المغربية وكذلك العديد من المتتبعين بين مسألة عودة السرفاتي واحتمال رفع الحصار عن الشيخ عبد السلام يس باعتبارهما القضيتين الوحيدتين العالقتين في ملف حقوق الإنسان بالمغرب.
غير أن الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان فتح الله أرسلان صرح أن جماعته لن ترفع أبدًا ملتمسًا كما فعل السرفاتي الذي بعث برسالة إلى الملك يلتمس السماح له بالعودة، وقال أرسلان: إن الحصار المضروب على الشيخ يس حصار جائر، ونحن الذين ننتظر اعتذارًا من السلطات التي أصبحت تشعر أنها متورطة في هذه القضية وتشعر أنها في مأزق.
وقد صرح الوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي لصحيفة برتغالية أن اليوم الذي سيعود فيه الشرطيان المرابطان أمام بيت الشيخ يس قريب جدًا غير بعيد. وبعد تصريح اليوسفي بأيام قلائل أقيل البصري من مهامه، فهل كان اليوسفي على علم مسبق بقرار الإقالة؟
ما يبعث على هذا التساؤل هو إقدام الوزير الأول قبل يوم واحد من صدور قرار إقالة وزير الداخلية على إصدار قرار يلغي بموجبه توجيهًا سابقًا، كان قد أصدره البصري إلى عمال الأقاليم (المحافظين) ليمنعوا بموجبه الهيئات السياسية والجمعيات من إقامة التجمعات في بنايات الدولة وقاعاتها العمومية بدون إذن رسمي.
ودعا الوزير الأول الوزراء إلى أن: «يسهروا على التقيد بنص قوانين الحريات العامة وغاياتها السامية تسهيلاً لعمل الجمعيات والأحزاب والنقابات بروح التعاون والمسؤولية، ولاسيما في إطار تمكين هذه التنظيمات من استعمال القاعات والبنايات العامة بشكل إيجابي وطبقًا للقوانين والأعراف والأنظمة».
هذه لغة تتناقض مع لغة الهاجس الأمني الذي كان البصري يعالج به كل الملفات المطروحة.
ومن جهة أخرى عرف الدخول السياسي جديدًا في البرلمان يتمثل في توصل حزب «العدالة والتنمية» (إسلامي) إلى تشكيل فريق نيابي لأول مرة بعد التحاق نائبين بصفوفه مكملاً بذلك النصاب المطلوب لتشكيل فريق (۱۲ نائبًا).
ولعل للحدث الأول تأثيرًا على الثاني بعد تحرر النائبين وغيرهما من النواب من الضغوط التي كانت ممارسة عليهم بقصد منع الإسلاميين من تشكيل فريقهم.
والنائبان الملتحقان بـ «العدالة والتنمية» هما حسين كرومي الذي كان من قبل منتميًّا لحزب «الحركة الشعبية» الذي صرح أنه كان قد غير قناعاته منذ مدة، وأن قراره الالتحاق بالحزب الإسلامي لم يكن إلا انسجامًا مع قناعاته الجديدة.
أما النائب الآخر الملتحق بالحزب فهو عبد الله آية شعيب، وهو عضو قديم في حركة التوحيد والإصلاح، ترشح لظروفه الخاصة في لائحة حزب الحركة الديموقراطية الاجتماعية، وعندما أصبح متاحًا تشكيل الفريق أعلن عن انتمائه.
أما الأمر الذي أثار الاستغراب مع افتتاح الدورة التشريعية الجديدة فهو حضور النائب المزور له من حزب الاتحاد الاشتراكي محمد أديب الذي سبق أن أعلن غداة إعلان نتائج انتخابات ١٤ نوفمبر ۱۹۹۷ م : أنه لم يفز حقيقة بمقعده في البرلمان، وأن الفائز الحقيقي هو عبد الرزاق توفيق من حزب العدالة والتنمية، وأنه حصل تزوير لصالحه، وأن مبادئه ومبادئ حزبه لا تسمح له أن يقبل أن يكون برلمانيًّا مزورًا، ورفع بالفعل رسالة إلى المجلس الدستوري، وطبلت صحافة حزبه حينها بقراره الشجاع وبنزاهته، واعتبرته رجل السنة، ولكنه فاجأ الجميع بعد أن غاب عن البرلمان سنتين بالحضور في السنة الثالثة، مما أثار امتعاض الكثيرين، وجعل سمة حزب الوزير الأول مع الكثير من التعليقات والسخرية.
وهو ما حدا برئيس الفريق النيابي لحزب الاتحاد الاشتراكي أن يعلن أن عودة أديب كانت بصفة شخصية لا دخل للحزب فيها.
حزب العدالة والتنمية كان في إمكانه تشكيل فريقه النيابي حتى قبل انضمام النائبين الجديدين إليه - وذلك منذ فوز عبد الإله بنكيران في الانتخابات الجزئية في مدينة سلا - لو أن المجلس الدستوري لم يتأخر إلى الآن في البت في قضية نائبي الحزب مصطفى الحيا وعبد الرزاق توفيق، وهما معًا من الدار البيضاء بعد اعتراف خصميهما منذ اليوم الأول، وهما معًا من الاتحاد الاشتراكي، أنه حصل تزوير لصالحهما، وبعد أن أعلنا معًا رفضهما أن يكونا نائبين مزورين قبل أن يفاجأ محمد أديب الجميع بتراجعه عن براءته من مقعده المزور، وهناك من يعتبر تقليص صلاحيات وزارة الداخلية وتجريدها من أهم مخالبها (الاستخبارات) ثم إقالة وزيرها القوي أمرًا يساهم في تحرير حركية المجلس الدستوري للبت فيما لا يزال عالقًا.
هل تحدث انتخابات مبكرة؟
والملاحظ أن السرعة التي تحرك بها الملك سواء في تعييناته الحاسمة أو في إنشائه لجان التقصي بقصد تعويض المتضررين خلال سنوات الصدام مع الدولة من معتقلين ومختطفين ومنفيين، واللجنة الخاصة بشؤون الصحراء التي ألح على أن تشكل في إطار من الشفافية حتى يمثل فيها سكان الصحراء مباشرة، وهو ما يعني إبعاد الوجوه القديمة التي ظلت تحتكر هذه التمثيلية - هذه السرعة فاجأت حكومة اليوسفي التي يؤخذ عليها بطؤها في التنفيذ وفي التعاطي مع ملفات لا تحتاج إلى كبير جهد ولا إلى كثير إنفاق، فأصبحت الحكومة مطالبة إما بالتحرك بنفس الإيقاع السريع الذي يتحرك به الملك أو بتسليم القيادة لمن يقدر على مسايرة الإيقاع ،مما يعني الدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها تفرز خريطة سياسية حقيقية ذات أغلبية قوية قادرة على السير بحرية عوض خريطة الائتلاف غير المنسجم الذي أعطى حكومة موسعة من ٤١ وزيرًا لا تستطيع التحرك إلا ببطء شديد.
هذه الوضعية جلبت على حكومة اليوسفي انتقادات عنيفة حتى من داخل ائتلافها، ومن ذلك الرسالة شديدة اللهجة التي بعث بها عباس الفاسي الأمين العام لحزب الاستقلال الحليف الرئيس للاتحاد الاشتراكي إلى الوزير الأول التي جعلها رسالة مفتوحة، نشرت على صفحات الجرائد ينتقد فيها بطء عمل الحكومة، ويطالب اليوسفي العزم في ضبط أداء حكومته.
فكرة الانتخابات السابقة لأوانها - كما خلصت إلى ذلك الندوة التي نظمتها مؤخرًا مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد التي حضرها عدة وزراء ومفكرين ينتمون إلى أحزاب الكتلة - قد تحدث انقلابًا جذريًّا في الخريطة السياسية القائمة لأنها قد تأتي بتركيبة غير مرغوبة في الوقت الراهن؛ لأن المؤشرات تؤكد احتمال فوز كبير للإسلاميين إذا ما أجريت انتخابات الآن.
وفي انسجام مع إيقاعه السريع والمفاجئ، فإن الملك مباشرة بعد افتتاح دورة البرلمان، انطلق في جولة عبر أقاليم الشمال التي ظلت مهمشة منذ الاستقلال ولم يزرها الملك الراحل أبدًا منذ أن كان وليًّا للعهد؛ ليوطد لأول مرة علاقات مباشرة بين القيادة المركزية بالرباط وهذه الأقاليم التي دشن في العديد منها مشاريع إنمائية مهمة قبل أن يعود لمواصلة التغيير الجذري في دواليب الدولة، متوجًا ذلك بالقرار الذي أُعتُبر من البعض أهم حدث يعرفه المغرب منذ وفاة الحسن الثاني.
صحيح أن القرار كان متوقعًا منذ وفاة العاهل الراحل، إذ إن لكل عهد رجاله، إلا أن محمد السادس فضل في هذه القضية التي تهم الوفاء لوالده التريث والتدرج في السير بالأمور، والأناة في اتخاذ القرارات الحاسمة، فحتى إعفاء البصري جاء بعد استقباله من طرف الملك الذي شكره على جهوده.
ويتوقع ألا يتوقف الأمر عند تغيير الشخص، ولكن أن تتبع ذلك إعادة هيكلة وزارة الداخلية وعصرتها، فالميداوي وإن كان من العارفين بدواليب الداخلية وسبق له العمل فيها كعامل (محافظ) إلا أنه لا يعتبر من أطرها الذين تم تكوينهم على عين البصري، فهو قبل كل شيء أستاذ جامعي متخصص في الاقتصاد، وسبق أن اصطدم بأساليب البصري عندما عينه الملك الحسن مديرًا عامًا للأمن الوطني سنة ۱۹۹۳م على إثر فضيحة عميد الشرطة «مصطفى ثابت» الشهيرة، فقد حاول الميداوي تدشين حملة تطهير واسعة، وعلى إثر خلافات بينه وبين أجهزة الداخلية تمت إقالته من إدارة الأمن، إلى أن عاد إلى الداخلية يوم 9 نوفمبر الجاري، ولكن هذه المرة كوزير.
أما السيد فؤاد عالي الهمة كاتب الدولة في الداخلية فهو على ما يبدو رجل المستقبل في هذا القطاع، وقد يعيد معه التاريخ نفسه، بحيث بدأ البصري كاتب دولة في الداخلية عندما كان الدكتور محمد بنهيمة وزيرًا قبل أن يصبح وزيرًا فعليًّا، وقد تكون هذه فرصة الميداوي لإكمال حملته التطهيرية في الجهاز، وتعبيد الطريق للشاب «عالي الهمة» الذي يعد - إلى جانب حسن أوريد الناطق الرسمي باسم القصر الملكي ومحمد رشدي الشرايبي وآخرين من رفاق الملك أثناء فترة الدراسة سواء بالمعهد المولوي أو بكلية الحقوق بالرباط- فريق العمل المنسجم مع تطلعات الملك الإصلاحية.