العنوان «الخلوة الشرعية» للمساجين.. تفتح نقاشًا ساخنًا في مصر
الكاتب محمد جمال عرفه
تاريخ النشر الجمعة 01-أكتوبر-2004
مشاهدات 69
نشر في العدد 1620
نشر في الصفحة 42
الجمعة 01-أكتوبر-2004
علماء دين واجتماع: منع الخلوة أدى لانتشار الشذوذ في السجون!
المفتي أباحها وربط التنفيذ برغبة الحكومة.. والعلماء مختلفون
محامون: الخلوة مسموحة في السجون ولكنها تحولت لمنحة ترغيب أو ترهيب.
يوم ٢٩ يوليه ٢٠٠٤ الماضي أرسل مواطن مصري بسؤال إلى دار الإفتاء المصرية يسأل عن حكم الشرع «في اختلاء المسجون بزوجته».. وقد أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى رسمية ممهورة بشعار وزارة العدل يؤكد فيها المفتي د. علي جمعة أنه «يجوز شرعًا اختلاء المسجون بزوجته وكذلك الزوجة المسجونة بزوجها لممارسة الحقوق الشرعية الخاصة بالزوجين وليس هناك ما يمنع في الشريعة من ذلك لأن العقوبة في الإسلام شخصية لا تتعدى الجاني إلى غيره»...
إلا أن المفتي قال في نهاية فتواه: «والأمر في ذلك راجع إلى جهة الإدارة لفعل ما تراه صالحًا للمجتمع من المنع أو الإباحة»..
غالبية علماء الأزهر أيدوها وأبدوا الشق الأول من فتوى المفتي، ولكن البعض لم يؤيدها، وأرجع المنح أو المنع إلى «القاضي» أو «الإدارة» مما زاد البلبلة.. جمعيات حقوق الإنسان ومساعدة السجناء رحبت بالفتوى.. وزارة الداخلية المصرية بدأت دارسة فتوى المفتي لتقرير إمكانية تعميم فكرة الخلوة.. محامون رفعوا عشر قضايا لصالح مسجونين يطالبون بالخلوة الشرعية.. البرلمان ناقش بدوره الفكرة، وقال نواب إنه يستعد لإقرار قانون يسمح بالخلوة الشرعية للمسجونين بعدما أقرتها فتوى المفتي، وتحول الأمر إلى أزمة!.
بداية يؤكد علماء الاجتماع أن هذا الحق الشرعي غير معمول به رسميًا في مصر لأن القانون لم يقر أو يمنع الخلوة، ولكنه مطبق في بعض السجون وبعض الحالات ولكنه لا يطبق بشكل رسمي على جميع المساجين والمعتقلين الذين تقدر أعدادهم في السجون المصرية بحوالي ٦٠ ألف سجين وسجينة ٤٥٪ منهم متزوجون ومتزوجات.
ويؤكد هذا المحامون الذين يترافعون عن هؤلاء المساجين، مشيرين إلى أن هذا الحق معمول به في السجون بالفعل منذ زمن ولكنه عشوائي وغير منظم، وأصبحت السجون تطبقه وفق هوى ومزاج ضباط السجون أو تعطيه كمنحة للترغيب أو الترهيب للمسجونين، وأنه لا توجد أماكن لقضاء الخلوة الشرعية في السجون مما يعرقل الأمر كله، وأن رفض إعطاء المساجين حق الخلوة ترتب عليه انتشار الشذوذ!.
ويؤكد د. أحمد المجدوب الخبير في مركز البحوث الاجتماعية والجنائية أنه أجرى بحثًا داخل عدد من السجون المصرية ووجد أن نسبة الشذوذ «تقريبًا» تصل بداخلها إلى ٤٠٪ من المساجين، وهي نسبة أقل من تلك التي توجد في سجون العرب مثل إنجلترا (۷٠٪) وأمريكا (٨٠٪).
ويؤكد د. المجدوب أن العديد من دول العالم بما فيها دول عربية كاليمن والسعودية تسمح بالخلوة الشرعية، وأن هناك تجارب في دول عديدة بعضها يعتمد على توفير أماكن للخلوة الشرعية بجوار السجون تشبه الفنادق لقضاء الخلوة الشرعية فيها، أو العمل بنظام الإجازات بمعنى إعطاء السجين إجازة يوم كل فترة للذهاب لمنزله بحراسة أو بدون لقضاء الخلوة الشرعية ثم العودة، وأن الدراسات تشير إلى تحسن سلوكيات المسجونين في هذه الحالات.
أيضا يؤكد محمد زارع رئيس جمعية رعاية السجناء أن الدراسات داخل السجون المصرية رصدت حالات شذوذ رجالي ونسائي بسبب منع الخلوة الشرعية وابتعاد هؤلاء المساجين عن أسرهم، كما تم رصد انتشار حالة من القلق من جانب المساجين على أسرهم، فضلًا عن لجوء زوجات عديدات لطلب الطلاق من المسجون، خصوصًا إذا كانت عقوبته كبيرة؛ لأنه أصبح بعيدًا عن أسرته ولا يوفر لها احتياجاتها النفسية والشرعية والمادية، والجمعية تتلقى عشرات الشكاوى من زوجات مسجونين يطلبن الطلاق.
أيضًا تؤكد الجمعية المصرية لمساعدة السجناء أن من حق الزوجة أن تجتمع مع زوجها على الأقل مرة في الشهر، إلا إذا كان هناك ما يعيق ذلك، وطالبت بمراجعة قانون السجون على أساس هذه الفتوى لتفادي الانحرافات الجنسية في السجون ومساعدة السجناء على إعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع.
تحركات قضائية ورسمية
وتحرك عدد كبير من المحامين وأخذوا فتوى المفتي إلى ساحات القضاء مطالبين ـ نيابة عن مسجونين ـ بالسماح بحق الخلوة الشرعية، وبلغ عدد هذه القضايا وفقًا للمحامين حوالي عشر قضايا أبرزها دعاوى رفعها المحاميان منتصر الزيات وممدوح إسماعيل عن أفراد في الجماعات الإسلامية في السجون.
وقد أكد المحامي منتصر الزيات لـ المجتمع: أن الدعوة التي رفعها لدائرة منازعات الأفراد نيابة عن خمسة مساجين من تنظيم الجهاد اعتمدت على فتوى المفتي الأخيرة، وقال إنه لم يتحدد بعد موعد لنظرها.
ويشير الزيات إلى أن حق الخلوة الشرعية كان مطبقًا ومعمولًا به في السجون حتى عام ۱۹۸۷ عندما عرب ثلاثة من أعضاء الجماعات، فبدأت إدارات السجون تضيق على المساجين وأن الخلوة كانت تتم بشكل طبيعي في إحدى حجرات مستشفى السجن.
ويؤكد المحامي ممدوح إسماعيل أن مسألة الخلوة الشرعية مطبقة بالفعل ولكنها مطبقة حسب قوله بمزاج مسؤولي السجون بحيث تحولت إلى «منحة» من إدارة السجون لترهيب أو ترغيب المسجون.
العودة إلى نظام الإجازات
ويروي د. أحمد المجدوب قصة الخلوة الشرعية في السجون فيؤكد أنه عقب قيام وزير الداخلية المصري الأسبق ممدوح سالم في عهد الرئيس الراحل أنور السادات بإلغاء أمر قيام السجناء بتكسير الحجارة في الجبال صار لدى المساجين وقت وطاقة لا بد من تفريغها، وبدأ الشذوذ يظهر فتقررت دراسة الأمر.
وأصدر الوزير سالم قرارًا وزاريًا بالسماح بالخلوة الشرعية، واقترحنا هنا نظام الإجازات للمسجونين وطبق بالفعل، بحيث تم في العام الأول للتطبيق هذا النظام منح إجازات الخلوة الشرعية لعدد ٢٨٠ مسجونًا، وفي العام الثاني تم منح إجازات لعدد ٢٤٠ مسجونًا، وبعد ترك الوزير للوزارة بدأت هذه الإجازات تقل بشكل كبير، حتى أصبحت ٤ في العام فقط من قبل وزراء الداخلية ولأسباب إنسانية أخرى مثل حضور جنازة أو زواج.
ويطالب د. المجدوب بالعودة إلى نظام الإجازات للمسجونين، لأنه الأنسب لمصر في ظل تضخم عدد السجناء وصعوبة توفير أماكن داخل السجون لقضاء الخلوة الشرعية.
البرلمان يستعد بتشريع جديد
ويؤكد نواب برلمانيون أن مجلس الشعب المصري يستعد لإقرار قانون يسمح بالخلوة الشرعية للمسجونين بعدما أقرتها فتوى المفتي، وإن القانون الجديد الذي أعده بعض النواب خصوصًا من الكتلة الإسلامية (١٦ نائبًا) يطالب باللقاء الشرعي ٣ مرات في الشهر، وأنه تقرر تحويل الفتوى إلى مشروع قانون جديد من المنتظر أن يصدر في بدايات الدورة البرلمانية الجديدة (نوفمبر ٢٠٠٤).
ويؤكد النائب المستقل محمد خليل قويطة أنه سيقدم مشروع قانون مماثلًا إلى البرلمان في بداية الدورة القادمة، وأن سنده الرئيس في تقديم هذا المشروع هو الفتوى الأخيرة للمفتي، وأن مشروع القانون الجديد سيحمل العديد من الضوابط والقواعد التي تنهي إلى غير رجعة مرحلة العزلة ما بين الزوج وزوجته خلال فترة قضاء العقوبة.
رأي العلماء
الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق يؤكد أنه أول من أفتى بأحقية اختلاء الزوجة المسجونة بزوجها لممارسة الحقوق الشرعية، وأرجع فتواه في هذا الصدد بأن الحقوق والواجبات يجب أن توفي «وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، والزوج هنا مسئول عن رعيته والزوجة مسؤولة وأصحاب وسائل التنفيذ مسؤولون.
الدكتور محمد المختار المهدي رئيس الجمعية الشرعية بمصر أكد أن «الخلوة مطلوبة وليست فقط مباحة على أساس أن الحبس عقوبة شخصية على الشخص نفسه وعلى مرتكب الجريمة وزوجته لیست شريكة في هذه العقوبة».
ويضيف: «إن حرمان الزوجة من للقاء زوجها نوع من فرض عقوبة على غير مرتكب الجريمة والحكم القضائي لا يكون شاملًا لهذه العقوبة، والحرمان يترتب عليه انحرافات كثيرة» و «من الناحية الشرعية لا يجوز حرمان الرجل المسجون أو المرأة المسجونة من هذا الحق».
ويؤكد أن هذا الحق لو لم يطبق «تأثم الأمة وتتحمل الآثار المترتبة على ذلك».
وعلى العكس تمامًا يتحفظ د. عبد المعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية التابع لجامعة الأزهر على فكرة الخلوة الشرعية لجميع السجناء، ويقول إنها لو كانت حقًا من حقوق الإنسان كما يقال لما بقيت فكرة السجن، ويشرح لـ المجتمع فكرته قائلًا: إن تقرير الخلوة الشرعية من حق القاضي وحده في كل حالة على حده فقد يرى القاضي أن يسمح للمسجون بذلك وقد لا يسمح.
بينما يؤكد د. محمد رأفت عثمان عميد كلية الشريعة والقانون سابقًا أن من حق الزوجة الاستمتاع بزوجها، ولو نفذت عقوبة منعها عن زوجها ورفض الخلوة الشرعية فسيكون هذا معناه نفاذ العقوبة من الجاني إلى شخص آخر، والأصل في الشريعة والقانون أن تكون العقوبة شخصية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل