العنوان «الخلاص من اليأس» «الحلقة الخامسة»
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-ديسمبر-1986
مشاهدات 68
نشر في العدد 796
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 16-ديسمبر-1986
- على الدعاة ألا يلتفتوا في كثير من الأحيان لعواء الباطل حتى لا ينشغلوا به عن أمور الدعوة.
(٤) قلة السالكين:
لا بد لسالك طريق الدعوة أن يعلم أن من طبيعة هذا الطريق أن يكون سالكوه دائمًا هم الأقلين عددًا، وتلك حقيقة كثر ذكرها في القرآن الكريم، منها ما ذكر خلال مناقشات إبليس مع رب العزة وذلك عند قوله تعالى على لسان إبليس ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ( الإسراء:٦٢) (۱) فهنا يطلب إبليس من الله أن يرجئ يرجئ إماتته إلى يوم القيامة، لكي يستولي على بني آدم بالإغواء والإخلال ثم يستثني من بني آدم فئة قليلة تتكسر كل إمكانياته بالإغواء أمامهم بسبب أنهم قد التجأوا إلى من هو أقوى منه وهو الله سبحانه وتعالى، ولكن هذه الفئة المتمسكة بالحق، والتي قد استثناهم الشيطان من إضلاله «قليلة» وجاء في سورة «ص» قوله تعالى على لسان نبي الله داود لأحد الخصمين ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ (ص: ٢١) ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾(ص: ٢٤)(۲) وفي سورة سبأ قال تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: ١٣) (۳).
يقول الإمام القرطبي «وإن الشكر حقيقته الاعتراف بالنعمة للمنعم، واستعمالها في طاعته، والكفران استعمالها في المعصية. وقليل من يفعل ذلك، لأن الخير أقل من الشر والطاعة أقل من المعصية، بحسب سابق التقدير» (٤). هذا ما استيقنه ذلك الرجل الصالح في عهد الفاروق رضي الله عنه حتى أنه كان يدعو الله أن يكون من الأقلين مما جعل عمر رضي الله عنه يستغرب هذا الدعاء ويسأله «وما الأقلون؟ قال: سمعت الله يقول: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود:٤٠) (٥) ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: ١٣) وذكر آيات أخر فقال عمر كل أحد أفقه من عمر.» (٦).
لا تستوحشوا لقلة السالكين:
ولعل السالك لهذا الطريق يستوحش لقلة السالكين معه، فيستشعر بالغربة في بحر من المخالفين لطريقه فيؤدي به هذا الشعور إلى الذوبان مع مخالفيه قلبًا وقالبًا خشية أن يبدو بصورة الشاذ في المجتمع، وقضاء على هذه الوحشة التي تؤرقه، فهذا هو إمام الحديث سفيان بن عيينة يناديه هو وأمثاله «اسلكوا سبيل الحق ولا تستوحشوا من قلة أهلها» (v)
موازين خاصة–
وطالب الآخرة له موازينه الخاصة، والتي تختلف عن موازين عامة الناس، فالناس يستصغرون شأنه لقلة عدد جماعته، ولكنه يرى نفسه كبيرًا وكثيرًا مع إخوانه لأنه يلجأ إلى ركن متين، ويراهم في عينه هم الأقل قدرًا وإن كانوا أكثر عددًا، لأنهم قد اعتصموا بالباطل، والباطل في معتقده زهوق. هكذا يصف الإمام ابن القيم السالك لهذا الطريق فهو في نظره «لا يكترث بمخالفيه الناكبين عنه له. فإنهم هم الأقلون قدرًا، وإن كانوا الأكثرين عددًا، كما قال بعض السلف عليك بطريق الحق ولا تستوحش لقلة السالكين، وكلما استوحشت في تفردك فانظر إلى الرفيق السابق، واحرص على اللحاق بهم.
غض الطرف عمن سواهم. فإنهم لن يغنوا عنك شيئًا. وإذا صاحوا بك في طريق سيرك لا تلتفت إليهم فإنك متى التفت إليهم (*) وعاقوك» (۸).
الظبي الجفول–
وقد يكون الالتفاف في كثير من الأحيان لعواء الباطل سببًا في الانشغال عما هو أهم من أمور الدعوة، وقد يكون سببًا في ضعف سير البعض، لهذا ضرب الإمام ابن القيم مثلًا للملتفت لنعيق الباطل بالظبي فيقول: «الظبي أشد سعيًا من الكلب، ولكنه إذا أحس به التفت إليه فيضعف سعيه. فيدركه الكلب ليأخذه» (۹) وقد نوه الأستاذ سيد قطب رحمه الله إلى هذه الحقيقة حينما قال:
فالسالك لهذا الطريق المخضب بدماء الأنبياء وحواريهم والصحابة رضي الله عنهم الشهداء لا ينبغي أن يهتم بغير العلم الذي (*) له فشمر له، وإلا فليس في الوقت متسع لتشتيته هنا أو هناك، ثم كيف يتأثر بأقاويل الباطل وادعاءاته من يثق بالطريق الذي يسير به.
وسليمان الداراني يضرب مثلًا للواثق في سلوك الطريق إذ يقول «لو شك الناس كلهم في الحق ما شككت فيه وحدى» (١٠) فالقضية العددية لا تغير من حقائق الأمور شيئًا، وإن غيرت فإنما تغير في النفوس المهزوزة الضعيفة، والتي خير للدعوة أن تزول عنها.
ثانيًا –الخلاص من اليأس-
واليأس هو العنصر الهدام في الجماعة المسلمة، وهو الجرثومة التي تخترق أصلاب أفراد الحركة الإسلامية لتورثهم الشلل الحركي وكل ما يتصل به من أمراض. وحتى نقضي على هذه الجرثومة لا بد لنا من تحديد الداء، وهو العوامل المؤدية إلى اليأس، حتى يسهل علينا بعد ذلك تحديدًا أدق للدواء لتعود العافية للأجزاء المشللة، ويمضي الجميع لتحقيق النصر الكامل بإذن الله.
العوامل المؤدية لليأس–
- التطبيق الخاطئ للإسلام–
عندما يئس خصوم الإسلام من محاربته كفكر وكمنهج حياة لجأوا إلى حربه بوسائل خبيثة تختلف عن وسائلهم التقليدية القديمة، ومن هذه الوسائل الحديثة، تسهيل وتشجيع قيام كيانات ترفع اللافتة الإسلامية ولكنها تحرف في تطبيق الإسلام، كتركيزها على تطبيق الحدود دون باقي الأمور التي هي من أصول الحكم الإسلامي بما يعطي انطباعا سيئًا لكل ذي أمل بعودة الأمة إلى الصراط المستقيم وهنا يتسرب اليأس إلى نفوس البعض من إمكانية عودة الإسلام الحقيقي في الوقت الحاضر.
- سقوط بعض القيادات
قيادات العمل الإسلامي مهما بلغوا من الصلاح فهم من البشر، وما داموا بشرًا فهم غير معصومين من الزلل والخطأ، وحتى من السقوط على أعقابهم. فلا بد لأفراد الحركة الإسلامية أن يدركوا قضيتين مهمتين الأولى هي أن قادة العمل الإسلامي ليسوا بمعصومين، وما هم بملائكة مبرئين من الخطأ والعصيان والقضية الثانية هي التعلق بالحق وصاحبه وعدم التعلق بالأفراد. لا ينكر أحد ما لهذا العامل من أثر عميق في خلق نفوس يائسة، خاصة عندما ترى بعض قدواتها التي عقدت عليها الأمل تنهار في وسط الطريق، وهي التي اهتدت على أيديها. ومع أهمية هذا العامل لخلق اليأس في نفوس البعض إلا أن الأمر يزداد سوءًا إذا لم نأخذ بعين الاعتبار تلك القضيتين، فما دام الإنسان حيًا فلا يؤمن عليه من الفتنة حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الرسول المعصوم كان يكثر من قوله «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (۱۱) ولهذا السبب كان الصحابي الجليل ابن مسعود يقول «من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات –يعني الصحابة– فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة» (۱۲).
التعلق بالأفراد–
إن من بديهيات العمل الإسلامي أن يتعلق أفراد الحركة الإسلامية بالحق وليس بحملته ما داموا غير معصومين، ويكون الاقتداء بهم ما داموا على الحق ثابتين، أما إذا زاغوا عنه فلا اقتداء ولا طاعة لمخلوق بمعصية الخالق.
(٤) تفسير القرطبي٨/ ٥٣٥٨
(٦) الزهد لأحمد ص ١١٤
(۷) صفة الصفوة٢/ ٢٣٥
(۸) (۹) مدارج السالكين۱/٢١، ٢٢
(۱۰) البداية والنهاية ١٠/ ٢٥٧
(۱۱) رواه الترمذي وصححه الألباني ص ج ص ٧٨٦٤
(۱۲) فتاوی ابن تيمية٤/ ۱۳۷، ۱۳۸