العنوان السعودية: الخطاب المسجدي.. خط الدفاع الأول ضد العنف في السعودية
الكاتب عبدالحي شاهين
تاريخ النشر السبت 11-يوليو-2009
مشاهدات 80
نشر في العدد 1860
نشر في الصفحة 18
السبت 11-يوليو-2009
- الخطبة أهم أداة إعلامية في المجتمع الإسلامي.. لكنها لم تتمكن من إثبات نفسها لعدم اهتمام الخطباء بالإعداد الجيد لخطبهم.
- الشيخ الصواط:الضعف الثقافي والفكري للخطباء يشكا حاجزًا أمام أداء رسالتهم في التصدي لظواهر العنف.
- د.سعيد الغامدي:حملات إعلامية تصور التدين على أنه تطرف مايدفع بعض العلماء إلي الإحجام عن تناول الغلو.
- د.جميل اللويحق:العنف والتطرف يجب أن يكونا في صدارة مايعالجه الخطاب المسجدي.
يعول العلماء المهتمون بقضايا العنف وطرق استئصاله من المجتمع السعودي على الخطاب المسجدي في المساهمة في القضاء على هذه الظاهرة، باعتبار أن هذا الخطاب بوسعه أن يكون خط الدفاع الأول في هذه «المعركة» إذا تم تفعيله بالطريقة الصحيحة و«المفترضة» فهو –كما يرى أكثرهم –يخاطب شريحة كبيرة ومهمة للغاية، خاصة في خطب الجمعة والخطب القصيرة التي تعقب الصلوات، والدروس التي تكثر في مساجد المملكة بصورة لافتة.
وفي محاولتها لاستقصاء واقع هذا الخطاب والدور الذي يقوم به في المجتمع وكيفية تعاطيه مع قضية العنف في المملكة، استطلعت «المجتمع» آراء مجموعة من العلماء والمشايخ من الذين مارسوا الخطابة في المساجد، فتحدثوا باستفاضة عن الدور المأمول للخطاب المسجدي والعوامل التي تعيقه عن أداء دوره.
حملات إعلامية
الشيخ د.سعيد بن ناصر الغامدي قال:
إن الخطاب المسجدي يفترض فيه أن يكون داعيًا للوسطية ومنكرًا لكل أشكال التطرف والغلو، بيد أن هناك عوامل كثيرة أصبحت تؤثر على هذا الخطاب وتعيقه عن أداء هذه المهمة، ومن ذلك قناعات الخطيب الشخصية ومدى اقتناعه بطرق المعالجة لهذه الظاهرة، إضافة إلى عامل يعد الأهم في جملة هذه العوامل، وهو ما يحدث في الإعلام حاليًا من «قصف عشوائي» ضد التدين .
ويرى الشيخ الغامدي أن بعض وسائل الإعلام وبعض الإعلاميين استغلوا مدخل الإدانة للتطرف والعنف إلى تدشين حملات كبيرة ضد التدين بصفة عامة ومهاجمة المتدينين ومختلف الصيغ الإسلامية للمجتمع، وتوجيه انتقادات كبيرة وغير موضوعية للعلماء والمناهج الدينية في المدارس والجامعات والمساجد، وما يلقى فيها من دروس ودورات، والمراكز الصيفية وما فيها من منافع للطلاب، وذلك على اعتبار أن هذه المؤسسات تمثل الإسلاميين في المملكة.
وقال: «إن هذا الهجوم «الكاسح» جعل لدى بعض الخطباء والمشايخ قناعة بأن تناول العنف والتنديد به سيكون في الواقع خدمة لهذه الحملات الإعلامية التي تسعى للنيل من «المتدينين» بشكل عام، فهم مع اقتناع أكثرهم بأن العنف منبوذ ومرفوض إلا أنهم يحجمون عن تناوله في خطبهم.. فيما لو كان الإعلام إعلامًا راشدًا ويعرف مكمن الخلل ويعالجه، أو يشير إليه دون أن يتعدى ذلك لخدمة أغراض وتصفية حسابات لكانت النتيجة مختلفة، ولكان الخطاب المسجدي عاملًا مساعدًا لهذه الحملات، بيد أن هؤلاء الإعلاميين ومن ورائهم وسائلهم الإعلامية، استغلت حوادث العنف لكي توجه سمومها لجهات وشخصيات».
وأوضح الشيخ الغامدي أن حوادث العنف التي حدثت في المملكة لقيت إدانة واسعة من العلماء المعروفين بعلمهم وفهمهم الصحيح للدين، مشددًا على ضرورة التفريق بين الفئة التي تقوم بهذه الأعمال «المتطرفة». وبين الإسلاميين بشكل عام الذين يجنحون في غالبيتهم نحو الوسطية دون إفراط ولا تفريط.
وأكد أن وضوح هذه الرؤية في الإعلام السعودي يمكن أن يحقق تكاملًا بين جميع فئات المجتمع وصيغة المدنية في التخلص من هذه الظاهرة أو تحجيمها بشكل كبير، فيما سيكون مصير «الضرب العشوائي» وعدم التمييز، والأخذ بمقولة: «من لم يمارس العنف فقد نوى»، هو المزيد من الزعزعة وعدم الاستقرار، وتقسيم المجتمع بين جهات تهاجم وتلصق بالطرف الآخر ما ليس فيه وجهات تدافع عن نفسها، وجهات أخرى تتطرف وتتخذ من وسائل كالعنف آيات لها .
خطباء لا يخاطبون أحدًا!
من جانبه، يرى الأكاديمي بجامعة الطائف د. جميل اللويحق
أن مشكلة كثير من الخطباء والقائمين بالخطاب المسجدي تكمن في عدم منح هذا الخطاب الاهتمام الكافي، فأكثرهم لا يستعد ولا يتهيأ لهذه المهمة بالسبل المناسبة، مع أنه من الضروري لكل خطيب يقف ليعرض عقله وفكره وعلمه على الناس في كل أسبوع أن يكون في كامل الاستعداد لهذه المهمة.
ويشير «اللويحق» لما أسماه «الخطباء الغائبون»، قاصدًا بهم هؤلاء الذين يتصدرون لهذه المهمة، لكنهم لا يتطرقون للقضايا المتعلقة باهتمام الأفراد في أوقات الخطبة، فتجد مثلًا أن الخطباء في غمرة أحداث العنف والتطرف يكرسون خطبهم الموضوعات بعيدة كل البعد عن المشكلة التي كان المجتمع يعاني منها في ذلك الوقت.
وقال: «إن قضية العنف والتطرف يجب أن تكون في صدارة القضايا التي يعالجها الخطاب المسجدي في مختلف صوره، باعتبارها قضية تتعلق بالفهم المغلوط للدين الإسلامي، ومن واجب الفقيه والخطيب توضيح النظرة الصحيحة لهذه القضية»، موضحًا أن الخطاب المسجدي ينبغي أن يؤسس على حاجة الناس، وأن يتلقي الفرد في كل يوم جمعة تنويرًا لمختلف القضايا.
وينادي «اللويحق» بفهم جديد للخطاب المسجدي وآلياته، مؤكدًا أن استمرار الحال بالطريقة التي عليها الآن يعني أن ينعزل المسجد عن القضايا المهمة التي يعاني منها المجتمع، وهذا يعني أنه يفقد التواصل مع هذا المجتمع الذي هو فيه، ويعني أيضًا أنه فقد وظيفة من أهم وظائفه في مجتمعه.
ضعف ثقافي
ويرى الشيخ د. محمد بن عبدالله الصواط أستاذ الشريعة بجامعة أم القرى أن هناك ضعفًا بينًا في ثقافة مجموعة مقدرة من الخطباء في المدن الرئيسة بالسعودية، وأن هذا الضعف الثقافي والفكري يشكل حاجزًا أمام أداء رسالتهم في التصدي للظواهر التي تجتاح المجتمع كالعنف، ومعالجتها من خلال المسجد، مؤكدًا أهمية خضوع الخطباء والأئمة الدورات شرعية لتأهيلهم، وأن يمنع من الخطابة كل من يثبت ضعف ثقافته بعد ذلك.
ومن العوامل التي جعلت الخطاب المسجدي ضعيفًا،قال: « إن أكثر الناس أصبحوا لا يهتمون بخطبة الجمعة بالشكل المناسب لها، فهي لم تأخذ حتى الآن وضعها الحقيقي في الساحة، فوسائل الإعلام من صحافة وتلفزيون أثبتت نفسها، لكن الخطبة –وهي أهم أداة إعلامية في المجتمع الإسلامي –لم تتمكن من إثبات نفسها في العقود الأخيرة، وذلك بسبب عدم اهتمام الخطباء بالإعداد الجيد لخطبهم، والاكتفاء بالإلقاء من الذاكرة؛ مما يجعل الموضوعات تتراوح في قضايا معينة، بالإضافة إلى أن أكثر الذين يقومون بهذه المهمة هم في حاجة إلى إعادة تأهيل».
وأشار «الصواط» إلى أهمية استعادة الخطاب المسجدي وضعه الحقيقي، حتى يمكن بواسطته معالجة جميع القضايا التي تتعلق بالمجتمع، وفي مقدمتها قضية العنف والتطرف، وأضاف قائلًا: «إن قضية مثل هذه لا يفيد فيها إلا الخطبة باعتبار أن القائمين بأعمال العنف يرتكزون على شبهات في الإسلام، والمكان الطبيعي الذي يمكن أن تصحح فيه هذه المفاهيم هو المسجد». وأكد الشيخ الصواط –وهو خطيب بأحد المساجد الشهيرة –أن للجهاد مفهومًا أصيلا في الإسلام، لكن له ضوابطه، وإن من واجب العلماء وأئمة المساجد في الأوقات التي يكثر فيها الحديث عن العنف الذي يرتكب باسم الجهاد والإسلام، توعية الناس وتوضيح الرأي الشرعي الصحيح.. واستغرب أن تتناول خطبة في مسجد ما قضية السحر أو غيرها من القضايا في وقت يكون الناس في أمس الحاجة إلى تبصيرهم بالرأي الصحيح والشرعي في قضية الجهاد، وهل ما يرتكب الآن جهاد أم غيره؟
وأكد أن الخطاب المسجدي لو تم استثماره بشكل صحيح إبان الهجمات الأولى للمتطرفين في المملكة، لكان الحال أفضل بكثير مما هو واقع فعلًا.
رأي آخر
أما د. فؤاد أحمد خياط رئيس قسم الشريعة بجامعة أم القرى، فيرى أن الخطاب المسجدي في السعودية في خير حال، وأنه يؤدي دوره على الوجه الأكمل وأن أي قصور يحدث في هذا الخطاب يكون من جانب الخطباء الذين هم بشر يحدث لهم القصور بطبيعتهم، غير أن الخطاب في مجمله يسير إلى الأمام وحدثت له تطورات كبيرة خلال السنوات الأخيرة حيث أصبح بالفعل يلامس احتياجات المجتمع والشريحة التي تأتي لحضور الخطبة في المسجد أو الدروس.
وأوضح قائلًا: «إن مساهمة الخطاب المسجدي في قضية العنف لا تظهر بشكل واضح للعلن، إذ لن يأتي شاب ليقول: إنه تخلى عن أفكار العنف والتطرف بسبب خطبة سمعها من إمام المسجد أو درس تلقاه في الجامع لكن بالتأكيد فإن هذه الخطب على امتداد مساجد السعودية الكثيرة قد أدت دورها بنجاح، وما تزال تؤدي أدوارًا مهمة بالنسبة للعديد من القضايا والمشكلات الأخرى التي يعاني منها المجتمع .