العنوان «الحلقة السابعة» أثر الروحانية في البناء والإصلاح والتغيير
الكاتب عبدالله ناصح علوان
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يوليو-1984
مشاهدات 70
نشر في العدد 680
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 24-يوليو-1984
من المعلوم يقينًا أن الداعية حين تمتلئ نفسه بتقوى الله، وحين يستحضر في قلبه مراقبته وعظمته، وحين يواظب على التلاوة تدبرًا وخشوعًا، وحين يكون مع النبي- صلى الله عليه وسلم- تخلقًا واقتداءً، وحين يصاحب الأخيار من أهل القلوب والمعرفة بالله أخذًا منهم واكتسابًا، وحين يذكر الله- عز وجل- على الدوام تثبيتًا واطمئنانًا، وحين يستمر في عبادة النافلة تقربًا وخشوعًا..
الداعية حين يكون بهذه الأحوال، وهاتيك المجاهدات، فإذا خطب وتحدث أو دعا إلى الله.. رأيت الإيمان يبرق من خلال عينيه، والإخلاص يشرق من تقاسيم وجهه، والصدق يتدفق من حنان صوته، وخشوع لهجته، وإشارة يده.. بل كلامه يسري في القلوب، ويؤثر في النفوس.. كما يسري الماء القراح البارد في النفوس العطشى، وكما تؤثر النار المستعرة اللاهبة في العشب اليابس.. أولئك الذين هدى الله فبهداهم يهتدي الخلق، وبدعوتهم يستجيب الناس، وبموعظتهم تخفق القلوب، وتذرف العيون، وبتذكيرهم يتوب العاصي، ويهتدي الضال!!
ثم ماذا عن روحانية الداعية في الفهم والاستنباط؟
حين تشرق نفس الداعية بالروحانية، وتتصل بالله، وتتدفق بالتقوى.. فيكشف له من المعاني، ويفتح له من الأسرار.. لا يدركها إلا الموهوبون الاتقياء..
كان عمر- رضي الله عنه- يقدم عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- ويعرف له فضله ومكانته لي فقه القرآن، وتفسير آياته على حداثة سنه.. وكان يدخله مع أشياخ بدر، وهم المعروفون في السابقة والفضل، فأحس عمر كأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم يدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ قال ابن عباس: فدعاني في ذات يوم، فأدخلني معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم!! فقال عمر: ما تقولون في قوله تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (سورة النصر)؟ فسكت بعضهم ولم يقل شيئًا، وقال بعضهم: أمرنا أن نحمده ونستغفره إذا نصرنا الله وفتح علينا، فالتفت إلى ابن عباس فقال له: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ قال: فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أعلمه الله إياه وأخبره به، فقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (النصر:1).. وذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (النصر: 3)!! فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول.. فابن عباس، وعمر الفاروق- رضي الله عنهما- رأيا من السورة إشارة غير ظاهرة، ألا وهي قرب أجل رسول الله- صلى الله عليه وسلم، وهذه الإشارة لا يكشفها إلا من أوتي إلهامًا وإشراقًا وفهمًا.. وإن المرجع لهذا الفهم الذي فهمه عمر وابن عباس هو ما جاء في صحيح مسلم([1]): «كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول قبل أن يموت: «سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب اليك»، فقالت عائشة: قلت: يا رسول الله، ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها قال: «جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها» ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (النصر:1)» إلى آخر السورة.
وقد يكون معنى الآية واضحًا، ولكن العقول أحيانًا لا تنتبه إليه، فيظهر الفقيه الفاهم من الآية حسن التوجيه، وروعة التأويل ما يجلو إشراقة المعنى، وجمال الاستدلال...
روى البخاري أن عليًا- كرم الله وجهه- سئل مرة: هل خصكم رسول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بشيء من العلم دون الناس؟ فقال: «لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه»([2])، فالداعية الرباني يعطى من الفهم والاستنباط في كتاب الله ما لم يعطه أحد من الناس لعظم صفائه، وسمو روحانيته، وإشراقة قلبه، وطهر نفسه، والنور الذي يسعى بين يديه..
ولنستقرِئ التاريخ عن سيرة أولئك في الإصلاح والتأثير:
لا شك أن الداعية الرباني حين يكون على هذا المستوى العظيم من التقوى والفهم والروحانية، وحين يتحلى بهذه القيم العالية من الإخلاص والصدق وحرارة الإيمان والدعوة.. فإنه ينطلق في ميادين الدعوة والتبليغ والجهاد.. هاديًا مبلغًا، وداعيًا إلى الله صادقًا، ومجاهدًا في سبيل الله مخلصًا.. حتى يرى أمة الإسلام قد ثابت إلى رشدها، وجنود الباطل قد اندحروا، وولوا الأدبار، وراية الحق قد خفقت فوق الرايات جميعًا.. فعندئذ يفرح لنصر الله له، وتأييده إياه!!.
ولنسمع إلى ما يقوله كبار العلماء المحققين في الماضي والحاضر عن هؤلاء الدعاة الروحانيين، والمرشدين الربانيين في تأثيراتهم التربوية والإصلاحية، ومواقفهم البطولية والجهادية؛ لنتعرف على الأثر الذي تركوه، والإصلاح الذي فعلوه، والتغيير الذي أوجدوه: يقول الشيخ الجليل «محمد أبو زهرة» رحمه الله: وكذلك «التربية الروحية»- كما قال الأستاذ «فوده» في عصورنا المتأخرة- كان لها مزايا، وكان لها آثار واضحة، فالمسلمون في غرب أفريقيا وفي وسطها، وفي جنوبها، كان إيمانهم ثمرة من ثمرات «التربية الروحية».
والإمام السنوسي الكبير عندما أراد أن يصلح بين المسلمين اتجه أول ما اتجه إلى أن نهج منهاجًا «روحيًا تربويًا» وكان منهاجه في ذاته عجيبًا غريبًا، فإنه اتخذ المريدين، ثم أراد أن يجعل من هؤلاء رجال أعمال، ولذلك أنشأ الزوايا، وأول زاوية أنشأها في جبل حول مكة، ثم انتقل بزواياه في الصحراء.. وهذه الزوايا كانت واحات عامرة في وسط الصحراء، ويعمل رجالهم وقواتهم.. استنبط الماء، وجعل فيها زرعًا وغراسًا وثمارًا.. ووجههم وعلمهم الحرب والرماية حتى أقضوا مضاجع الإيطاليين أكثر من عشرين سنة، عندما عجزت الدولة العثمانية عن أن تعين أهل ليبيا، واستمرت المقاومة السنوسية بهذه الزوايا إلى أن أدال الله الدولة الايطالية..
ويقول الأستاذ «صبري عابدين» في ندوة لواء الإسلام: «... والواقع أن المرشدين الربانيين ينشرون الإسلام في العالم، وأذكر لكم أنه منذ خمسين عامًا كتب الشيخ البكري كتابًا ذكر فيه نقلًا عن المبشرين يقول: «إن هؤلاء يقولون: ما ذهبنا إلى أقاصي المناطق البعيدة عن الحضارة والمدنية في أفريقيا، وأقاصي آسيا إلا وجدنا «المرشد يسبقنا إليها، وينتصر علينا».. رأيت على حدود الحبشة، والسودان، وإرتيريا بعثة سويدية للتبشير، ووجدت إلى جانبهم أكواخًا أقامها «المرشدون» وأفسدوا على المبشرين السويديين إقامتهم أربعين سنة..».
ويقول الداعية الكبير «أبو الحسن الندوي» في كتابه «رجال الفكر والدعوة والإسلام» «ص ٢٤٩» عن العالم الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني: «كان يحضر مجلسه نحو سبعين ألفًا، وأسلم على يديه أكثر من خمسة آلاف من اليهود والنصارى، وتاب على يديه من الأشقياء أكثر من مائة ألف، وفتح باب البيعة والتوبة على مصراعيه؛ فدخل فيه خلق لا بحصيهم إلا الله، وصلحت أحوالهم، وحسن إسلامهم، وظل الشيخ يربيهم ويشرف عليهم وعلى تقدمهم، وأصبح هؤلاء الروحانيون يشعرون بالمسؤولية بعد البيعة والتوبة وتجديد الإيمان، ثم يجيز الشيخ كثيرًا منهم ممن يرى فيهم النبوغ والاستقامة، والمقدرة على التربية.. فينتشرون في الآفاق يدعون الخلق إلى الله، ويربون النفوس، ويحاربون الشرك، والبدع، والجاهلية، والنفاق.. فتنتشر الدعوة الدينية، وتقوم ثكنات الإيمان ومدارس الإحسان، ومرابط الجهاد، ومجامع الإخوة في أنحاء العالم الإسلامي.. وقد كان لخلفائه وتلاميذه، ولمن سار سيرتهم في الدعوة، وتهذيب النفوس من أعلام الدعوة وأمة التربية في القرون التي تلته فضل كبير في المحافظة على روح الإسلام وشعلة الإيمان، وحماسة الدعوة والجهاد، وقوة التمرد على الشهوات والسلطان.. ولولاهم لابتلعت المادية التي كانت تسير في رحاب الحكومات والمدنيات هذه الأمة، وانطفأت شرارة الحياة والحب في صدور أفرادها، وقد كان لهؤلاء فضل كبير لنشر الإسلام في الأمصار البعيدة التي لم تغزها جيوش المسلمين، أو لم تستطع إخضاعها للحكم الإسلامي، وانتشر الإسلام في أفريقيا السوداء، وفي أندونيسيا، وجزر المحيط الهندي وفي الصين وفي الهند...».
هذا غيض من فيض مما كان لهم في تاريخ الإنسانية أثر، وفي الأجيال المتعاقبة قدوة، وفي عبر العصور ذكر.. ولو أردنا أن نستقصي أخبار هؤلاء الذين أثروا وأصلحوا وغيروا.. لرأيناهم أكثر من أن يحصوا، وأعظم من أن يستقصوا.. بل إنهم كثير وكثير.. كأمثال الإمام أحمد بن حنبل، والإمام الشافعي، والإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الحسن البصري، والإمام الفضيل بن عياض، والإمام معروف الكرخي، والإمام الجنيد البغدادي، والإمام حجة الإسلام الغزالي، والإمام جلال الدين الرومي، والإمام شيخ الاسلام ابن تيمية، والإمام أبي يزيد البسطامي، والإمام سهل التتري، والإمام سعيد النورسي، والإمام حسن البنا، والشيخ مصطفى السباعي، والشيخ محمد الحامد.. وعشرات غيرهم، بل مئات.. فهؤلاء الأئمة الربانيون هم الذين حملوا خلال العصور إمامة الدعوة، ورسالة الإصلاح، ومسؤولية الهداية.. وهم الذين جمعوا بين العبادة والجهاد، ووفقوا بين حق الله وحق العباد، وهم الذين أعلنوا صوت الهدى والحق أمام المستبدين الظالمين، ووقفوا ببسالة فائقة أمام المستعمرين الغاشمين، وهم الذين جددوا بدعوتهم وصحبتهم ميثاق الإسلام، وأدخلوا الناس في السلم فقهًا وعملًا بعد أن دخلوا فيه وراثة وعادة، وأذاقوا مريديهم وتلامذتهم حلاوة الإسلام، ولذة الإيمان، بعد أن كانوا دمى وهياكل لا تشعر ولا تحس.. وهم الذين أخرجوا أصنافًا من البشرية من سلطان الهوى، ورق الشهوات، واستحواذ حب الدنيا، إلى نور الحق، وهدى الإسلام، ولذة الطاعة والمناجاة، وهؤلاء هم الذين ربطوا الحق بشريعة الله، لا بأشخاصهم الفانية.. ينتظرون ما يحكم الشرع لهم أو عليهم، يقبلون الانتقاد إذا أخطأوا، والمناصحة إذا زلوا.. اعتقادًا منهم أنهم بشر يصيبون ويخطئون، لأنهم يؤمنون أن العصمة لا تكون إلا للأنبياء، وأن التنزيه عن المعصية لا يكون إلا للملائكة، ورحم الله الإمام مالكًا حين وقف مرة أمام قبر الرسول- صلى الله عليه وسلم- وقال قولته المشهورة الخالدة: «ما منا إلا من رد ورد عليه إلا صاحب هذا القبر» وأشار إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بعد ما ذكرناه.. عليك أن تعلم- أخي الداعية- أنك إذا سرت سير أولئك، ونهجت في طريق الدعوة إلى الله نهجهم.. وكنت من المتدرجين في سلم التقوى والروحانية.. والسالكين منازل الأصفياء الربانيين الأبرار.. فتصبح بتوفيق الله إنسانًا صالحًا وفيًا، ورجلًا برًا تقيًا، في مشيتك هون، وفي وجهك إشراق، وفي سمتك جلال، وفي ملامحك جاذبية، وفي وعظك تأثير، وفي فعلك قدوة، وفي معاملتك استقامة، وفي مواقفك نبل، وفي تصرفاتك اتزان، وفي سلوكك خلق.
فانزل- أخي الداعية- محطة الروح كلما داهمتك الخطوب، وخدعتك المظاهر، وفتنتك زهرة الحياة الدنيا، ومسك طائف من الشيطان، وخشيت الانزلاق في مزالق النفاق والرياء، فانزل هذه المحطة الروحية لتستروح نسائم الإيمان، ولتَعُب من منابع اليقين، ولتتزود من زاد التقوى، ولترتشف من سلسبيل الروحانية، ولتستقيم على منهج الله، ولتسير في طريق الدعوة إلى الله.. وفي هذا تكوينك وتقواك وصلاحك.. وهدايتك للعالمين، وتأثيرك في الناس، وتغييرك للمجتمعات.
تمت
([1]) برقم 484.
([2]) مفتاح دار السعادة لابن القيم (1/163)، و(الصواعق المرسلة) لابن القيم (1/٢٦٠).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل