; واحة الإيمان: «التابعون يستنبطون الموازين» | مجلة المجتمع

العنوان واحة الإيمان: «التابعون يستنبطون الموازين»

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1986

مشاهدات 66

نشر في العدد 783

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 16-سبتمبر-1986


 

وبعد جيل الصحابة رضي الله عنهم جاء جيل التابعين يستهدون بمن قبلهم، ويستنبطون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ومن أقوال صحابته «موازين للآخرة» لكي تكون نبراسًا لمن يريد السير في طريق الآخرة ولتكون هي «القواعد» الضابطة للسير في الدنيا، خوفًا من الانحراف.

هموم الدنيا والآخرة

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له»(1).

فالذي يدرك الهدف الذي خلق من أجله وهو «عبادة الله» فيجعل هذا الهدف هو همه الشاغل، فما من عمل يقوم به في الدنيا إلا ويريد به ذلك الهدف فإن الله ييسر له الأمور الدنيوية البحتة، ويكفيه مشقة الجري وراءها، بينما نرى ذلك الذي نسي هدف الخلق، وجعل الدنيا هي همه الأول والأخير، وما عاد يفكر إلا ببطنه وفرجه، نرى الدنيا تهرب منه وهو يلهث جاريا وراءها.

وبهذه الموازين كان الصالحون يوصي بعضهم الآخر، هذا ما نقله لنا التابعي الجليل عون بن عبدالله إذ يقول: كان أهل الخير يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات الثلاث، ويلقى بها بعضهم بعضًا:

- من عمل لآخرته كفاه الله عز وجل دنياه.

- ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس.

- ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته(2).

فلا يمكن أن يوفق للعمل بالثانية والثالثة ما لم يعمل بالأولى، وهي العمل للآخرة.

بين التمكث والتوخي

ويضيف طلاب الآخرة من التابعين ميزانا آخر يتفرع من الميزان الأول، يوضحون فيه بعض قواعد السير في طريق الآخرة. فهذا هو التابعي الحارث بن قيس الجعفي يقول: «إذا كنت في أمر الآخرة فتمكث، وإذا كنت في أمر الدنيا فتوخ، وإذا هممت بخير فلا تؤخره، وإذا أتاك الشيطان وأنت تصلي فقال: إنك ترائي فزدها طولا»(3). فما دامت الآخرة هي همه فلماذا العجلة، وهو يقوم بأمر من أمورها كالصلاة والذكر والقيام وغيرها من أعمال الآخرة؟ وإذا كان خائفًا من الزلل وسوء الخاتمة فلماذا يطيل في أمور الدنيا، وهو يعلم أنها سبب من أسباب سوء الخاتمة؟ فلا ينبغي لطلاب الآخرة الغفلة عن هذا الميزان.

ما هو المال؟

وإذا كان المال يعرف بأنه ما يملك المرء من ذهب وفضة وعقار وغيرها، فإن التابعي الجريء أبا حازم الذي كان يستدعى من قبل خلفاء بني أمية فيقول الحق ولا يخاف لومة لائم، يعرفه تعريفًا آخر بميزان من موازين الآخرة بيّنه عندما سئل: «ما مالك؟ قال: ثقتي بالله عز وجل، ويأسي مما في أيدي الناس»(4).

فهذا هو المال الحقيقي لطالب الآخرة، لأنه يعلم أن غيره من المال ليس ملكًا له بل هو ملك لله.

من هو المالك؟

وجاء أحفاد الفاروق ليعلموا خلفاء عصرهم موازين الآخرة بحقيقة «الملك والمالك» فمما يرويه سفيان بن عيينة قوله: «دخل هشام بن عبدالملك الكعبة، فإذا هو بسالم بن عبدالله بن عمر فقال له: يا سالم سلني حاجة، فقال له: إني لأستحي من الله أن أسأل في بيت الله غير الله.

فلما خرج خرج في أثره فقال له: الآن قد خرجت فسلني حاجة، فقال له سالم من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ فقال: بل من حوائج الدنيا. فقال له سالم: ما سألت من يملكها فكيف أسأل من لا يملكها»(5).

انظر من عصيت!

هكذا دائمًا ينظرون إلى ربهم في جميع تحركاتهم في الدنيا، لذلك يرزقهم الله رؤيته في الآخرة، فتكون أجمل لذة يعطونها، وهو السبب الذي يجعلهم لا يكادون يخطئون، فالذي يقدم على المعصية ينسى في لحظة المعصية رقابة الله عليه، فتسهل عنده المعصية، لهذا وضعها العابد الثقة بلال بن سعد ميزانًا لطلاب الآخرة حين قال: «لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت»(6).

_____________

(1) الترمذي- وصححه الألباني- ص ج ص (٦٣٨٦).

(2) صفة الصفوة ١٠٤/٣.

(3) صفة الصفوة ٧٣/٣.

(4) صفة الصفوة ١٥٦/٢.

(5) صفة الصفوة ۹۱/ ۲.

(6) الزهد لأحمد ٣٨٤.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 8

485

الثلاثاء 05-مايو-1970

ما مهمّة المسلم في هذه الحياة؟

نشر في العدد 837

84

الثلاثاء 06-أكتوبر-1987

المِحَن.. وأصحاب الدعوات