العنوان «أولبرايت» الأمريكية و«وهيبة» العربية!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
مشاهدات 2
نشر في العدد 1268
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
معالم
على الطريق
بعيداً عن السياسة، وعن
ساس ويسوس، وبعيداً عن المواقع والمناصب،
وبعيداً عن العادات والتقاليد، وعن
الهويات والمذاهب والملل والنحل، هناك
صفات عامة يشترك فيها جميع الناس، وملكات
شائعة يتقاسمها كل البشر، فمثلاً العقل،
والفهم، والنفس والروح، صفات يشترك فيها
جميع البشر، فمنهم من زكاها ففاز، ومنهم
من دساها فخاب، وصدق الله: ﴿ونفس وما
سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح
من زكاها. وقد خاب من دساها﴾.
والإنسان
قيمته في نفسه وليس في جسده، وقدرته في
عقله وليس في مظهره، فقد يوزن رجل بمائة،
ونفس بألف، وصدق الرسول ﷺ: «الناس كإبل
مائة لا تجد فيها راحلة» والبشرية تموت
موتاً مؤكداً بغير هممهم وعقولهم وأفهامهم
وغاياتهم، وتحيا وتسود وتعتز بتلك الهمم
والعقول والأفهام والغايات، حياة عظيمة
منتجة مثمرة وسعيدة هائلة.
وصدق
الله: ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا
له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في
الظلمات ليس بخارج منها﴾، وتزكية النفوس
وتربية العقول، لا تأتي إلى الناس اعتباطاً،
ولا تحل فيهم اتفاقاً أو مصادفة، وإنما
تتلبسهم بالمجاهدة والتربية والتعهد
والإصرار، ويتشربونها بالمخالطة،
والمعايشة وفتح البصيرة والرغبة في بلوغ
الآمال.
والأمم
التي تنهض، تنهض برجالها ونسائها جميعاً،
والتي تهبط تهبط بهم أيضاً، والمجتمعات
الغربية نهضت بالجنسين علماً وعقلاً في
جميع الفنون والعلوم والنظم التي تريد،
حسب عاداتها وتقاليدها وأساليبها في
الحياة، فهل ننهض نحن بالرجل والمرأة في
العلوم والعقول والنظم حسب عاداتنا
وهوياتنا وتقاليدنا، فالغرب عمل على
مكانته، فهل عملنا نحن على مكانتنا: ﴿وقل
للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا
عاملون وانتظروا إنا منتظرون﴾، فالمرأة
الغربية بعاداتها وتقاليدها بلغت شأواً
في العلم والفهم، بل وفي السياسة، مبلغا
سبقت فيه الكثير من الرجال، فقادت أمتها
بكفاءة منقطعة النظير، مثل «تاتشر» في
إنجلترا حتى سميت المرأة الحديدية، وكذلك
«أولبرايت» مثلت أمريكا في مجلس الأمن،
ثم استوزرتها أمريكا بعد إثبات جدارتها
في أهم وزارة سياسية وهي وزارة الخارجية
الأمريكية التي تقود العالم هذه الأيام،
ويتعلق بها العرب اليوم لتحل لهم مشكلاتهم
وتعطف على ضعفهم وحاجتهم وحيرتهم، ولا
يعلم إلا الله ما في رأسها وعجينتها من
مخططات للمنطقة، ومن قبلهما كانت «جولدا
مائير»اليهودية التي هزمت ثلاث دول عربية،
وألقت الرعب في قلوب العرب، ولا تلفت
اليوم النظر إلى حالنا فهو معلوم، ولا
تلفت إلى رجالنا فهو معروف ومكرور، ولكن
تلفت إلى نسائنا «بصنفيين»: إلى نسائنا
المتفرنجات المتأنقات المتشبهات بالخلاعة
الغربية فقط! فهي إما متغزلة «عاشقة
وغلبانة»، أو متغزل فيها «تحت الشجر يا
وهيبة» إلخ إلخ، أو إلى غيرهن من المحافظات
اللاتي رضين من الغنيمة بالإياب، واكتفين
من الدنيا بالانكفاء، والانغلاق وترك
العلم والجلوس عن فعل المباحات، وهي
كثيرة، وترك الواجبات في كل ما تحتاج
الأمة، وهي عظيمة، وما نفع الصنفان ولداً
ولا زوجاً، ولا علماً، ولا سياسة، ولا
تدبيراً ولا أمة، ولا بشرية.
والإسلام
عندنا هو الذي أخرج المرأة العظيمة، التي
وقفت المواقف الإسلامية والدعوية الكبيرة
التي قد لا يستطيعها الكثير، وما دور
السيدة خديجة بنت خويلد وتثبيتها لرسول
الله ﷺ بالذي ينسى، ولا دور الصحابيات
اللائي جاهدن جنباً إلى جنب مع رسول الله
ﷺ وصحابته في السلم والحرب بالذي يتخطاه
التاريخ، وما ذكر القرآن الكثير من النساء
وإشادته بهن في مواجهة الظلم بخاف على
أحد، كامرأة فرعون، بلقيس في سبأ، وسارة
زوج إبراهيم عليه السلام، وهجر أم إسماعيل،
كل ذلك الرصيد الضخم الذي ألفت فيه أسفار
مازال في ذاكرة الحضارة الإسلامية ويدعونا
إلى استعراض قضية المرأة في مجتمعنا
المسلم وعلاجها على نحو راشد حتى يكون
عندنا كوادر نسائية فاعلة على طريق أمتنا
ودعوتنا وإسلامنا وتعاليمنا، ولقد عوملت
قضية المرأة في مجتمعاتنا بسطحية وجهالة
مضحكة وعماية مطبقة.
يقول
الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله -: «إن
المسلمين قد انحرفوا عن تعاليم دينهم في
معاملة النساء، وشاعت بينهم روابات مظلمة
وأحاديث إما موضوعة أو قريبة من الوضع،
انتهت بالمرأة المسلمة إلى الجهل الطامس،
والغفلة البعيدة عن الدين والدنيا معاً،
كان تعليم المرأة معصية، وذهابها إلى
المسجد محظوراً! وكان اطلاعها على شؤون
المسلمين وانشغالها بحاضرهم ومستقبلهم
شيئاً لا يخطر ببال! وكان إزدراء الأنوثة
خُلقاً شائعاً، والسطو على حقوقها المادية
والأدبية هوالعرف المستقر، ومنذ ثلاث
سنين فقط وقف خطيب مشهور يصيح بأسى وغضب
يقول:
رحم
الله أيام كانت المرأة فيها لا تخرج إلا
ثلاث مرات: من بطن أمها إلى العالم، ومن
بيت أبيها إلى الزوج، ومن بيت زوجها إلى
القبر!!!! قلت: لا بارك الله في هذه الأيام،
ولا أعدادها في تاريخ أمتنا، إنها أيام
جاهلية لا أيام إسلام، إنها انتصار لتقاليد
جائرة، وليست امتداداً للصراط المستقيم،
وتدرّج الأمة الإسلامية إلى العالم الثالث
في ميدان العلم والتربية والإنتاج يعود
كفل منه كبير إلى هذه التقاليد الزائفة،
والوضاعون من أهل الحديث قد اختلقوا
أحاديث تفرض الأمية على النساء، وصَدّقهم
المخدوعون، ومضوا في جهالتهم حتى قصروا
وظيفة المرأة على الجانب الحيواني وحده،
ونحن نريد أن نرجع إلى تقاليد سلفنا الأول
أيام السيرة الشريفة والخلافة الراشدة،
ولا كرامة لغير ذلك من مخترعات الأجيال
وأهواء الجهال، التي جعلت الإسلام مخيفاً
وتسببت في تطرف ومغالة في تقليد الغرب،
والتطرف لا ينتج إلا تطرفاً مثله، والله
لم يكلفنا أن نكون تبعاً للغرب ولا للشرق،
ولا أسرى لقديم أو حديث.
وإنما
يجب أن يكون هوانا تبعاً لما جاء به محمد
ﷺ من الهدى ودين الحق، وتعاليم الإسلام
العظيم قادرة على تربية المرأة وبضع
ملكاتها ومواهبها واستثارة كوامن الإبداع
فيها بحيث تفيد أسرتها وولدها وزوجها
والمجتمع في أمتها، والعلم فريضة على كل
مسلم ومسلمة، وحملها للمنهج ودعوتها إليه
واجب: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء
بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾،
ولم يمنع الإسلام المرأة من النظر في
أحوال أمتها أو أن تكون بصيرة بسياستها،
وقد أشارت أم سلمة على رسول الله ﷺ في صلح
الحديبية وأنجت المسلمين من فتنة عمياء،
وكانت عائشة تستدرك على الصحابة في العلم،
وقد كانت «كريمة بنت أحمد» المروزية إحدى
راويات صحيح البخاري، وقد وُجد من علمائنا
من يقول: حدثتني الشيوخة المسندة الصالحة
بنت فلان، وهل يمنع الإسلام إلا العهر
والفجور والفسق والرذيلة، وذلك كله من
مضادات النبوغ التي تفوق الجهالة، ويزيده
البغض للمرأة اليوم باسم التقدم، فتقع
المرأة بين مراهقين «منفيسية» الجاهلية،
و«وهيبة» الفاجرة، وليست خديجة أو نسيبة
المسلمتين.■
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل