العنوان بعد إطلاق سراحه من سجون الولايات المتحدة.. أنور هدام في حوار شامل مع «المجتمع»: مستعد للعودة إلى الجزائر والتفاوض مع السلطة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-2001
مشاهدات 63
نشر في العدد 1433
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 09-يناير-2001
- جهات أصرت على إبعادي في أمريكا.. ولو استدعى الأمر أن يكون ذلك بإدخالي السجن
أنور هدام أحد قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر ورئيس بعثتها البرلمانية بالخارج، أطلقت السلطات الأمريكية سراحه الشهر الماضي بعد اعتقال دام أربعة أعوام منذ ديسمبر 1996م استنادًا إلى العمل بإجراء الأدلة السرية الذي اعتبر هدام يشكل إخلالًا بالأمن القومي، ثم صدر قرار قاضي الاستئناف بالاعتراف الهدام بحق اللجوء السياسي.
«المجتمع» حاورت هدام حول ملابسات إقامته في الولايات المتحدة التي انتهت باعتقاله، موقفه من العمل المسلح واتفاق الهدنة الذي عقده الجيش الإسلامي للإنقاذ مع الجيش الجزائري، قانون الوئام المدني والعفو الرئاسي عن المسلحين، المستقبل السياسي للإنقاذ، كما يكشف في هذه المقابلة لأول مرة الأطراف التي حضرت ملتقى روما الذي جمع أحزاب المعارضة الجزائرية عام 1995م وانبثقت عنه أرضية العقد الوطني لحل الأزمة سياسيًا وسلميًا... وقضايا أخرى تطالعونها في ما يلي:
بتاريخ 6 ديسمبر 1996م، اعتقلك رجال الأمن التابعون لإدارة الهجرة الأمريكية بولاية فيرجينيا، بدعوى خرق قوانين الهجرة رغم إقامتك في هذا البلد سنوات واعتراف الخارجية الأمريكية والمفوضية السامية اللاجئين بحقك في اللجوء السياسي، هل لكم من توضيح؟
يمكن للمطلع على خبايا قضية اعتقالي واحتجازي طيلة هذه المدة دون اقتراف جريمة، أن يدرك غرض الإدارة الأمريكية الحقيقي بشأن قضية إبقائي في السجن لأجل غير محدود، يراودهم في ذلك الأمل لإسكات كل الأصوات الحرة المناصرة لحق الشعب الجزائري بل حق كل الشعوب المسلمة في قيام دول مستقلة ذات سيادة، دولة اجتماعية تكون أداة بأيدي الشعب لتحقيق نظام مجتمعي، أسسه قيم الإسلام العظيم، دولة في مستوى تحديات النظام العالمي الجديد، دولة ذات اقتصاد متين يمكنها حماية مصالح الشعب بكل فئاته، دولة تساهم في إحقاق الحق والعدل داخل حدودها ومناصرة الشعوب المستضعفة.
إن العمل من أجل قيام الدولة الإسلامية على أرض الجزائر حق شرعي بل واجب تنطبق عليه القاعدة الأصولية «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».
أنت متهم بخرق قوانين الهجرة، بينما بقاؤك رهن الاعتقال تم بناءً على قانون «الأدلة السرية»، ماذا وراء ذلك؟ ولماذا رفضت إدارة الهجرة إطلاق سراحك طالما أبديت رغبتك في مغادرة الولايات المتحدة؟
أكثر من ذلك، فبعد أن منعت من اللجوء السياسي في أكتوبر 1996م بعد انتظار دام أكثر من ثلاث سنوات، أخذت عائلتي وذهبت إلى السويد يوم 20 نوفمبر 1996م من أجل اللجوء السياسي هناك، فإذا بي أفاجأ عند وصولنا لمطار ستوكهولم بأن سلطات المطار اختطفتني وعائلتي ومنعوني من الاتصال بالمحامي الذي كان في انتظاري وقالوا لي إن لديهم أمرًا من أمريكا بإرجاعي إلى واشنطن.
بعد مكوثنا تلك الليلة في السجن أجبرونا على الركوب على متن أول طائرة برفقة شخصين من المخابرات السويدية – وقد تعجب السويديون من عبثية ذلك الأمر غير أنهم ملزمون باتباع أوامر أمريكا - وعند وصولنا إلى واشنطن قيل لي من طرف سلطات الهجرة: «مرحبًا وتفضلوا وكأنكم لم تغادروا أمريكا».
وهكذا منعت من مغادرة أمريكا. رغم هذا حاولت الذهاب إلى بلد آخر قبل انتهاء الرخصة القانونية التي كانت في حوزتي والتي كانت تنتهي مهلتها في 16 فبراير 1997م، وقبل مغادرتي البلد إذ بسلطات الهجرة تقتحم بيتي ويبدو أن إدارة الهجرة كانت توصلت إلى معرفة محاولة مغادرتنا أمريكا، ولأكون أكثر دقة، ينبغي القول إن الأمر يتعلق بجهات معينة في إدارة الهجرة، هذه الجهات تصر على إبقائي في أمريكا ولو استدعى الأمر أن يكون ذلك بالسجن - وهو ما حصل - المهم ألا أغادر أمريكا.
هناك قضايا عدة مماثلة تم فيها اعتقال مواطنين، أغلبهم من العرب والمسلمين – 20 من أصل 26 حالة– بناءً على قانون الأدلة السرية رفضتها المحاكم الأمريكية باعتبارها عملًا غير دستوري ومنافيًا للحريات، لماذا لم تستفد من الإفراج طبقًا لذلك، وتم حجزك طوال هذه المدة؟
لا يزال البعض رهن الاعتقال جراء هذا القانون غير الدستوري، قانون الدول المتخلفة الدكتاتورية، المهم أن قضيتي باعتراف كل المحللين - الأصدقاء منهم والخصوم – قضية سياسية محضة.
الجماعة الإسلامية المسلحة
هناك حديث عن صلتك بـ«الجماعة الإسلامية المسلحة» وخاصة بعد بياناتك عقب اغتيال الطبيب بوسبسي وحادث السيارة المفخخة بشارع عميروش في قلب العاصمة، فما حقيقة علاقتك بـ«الجيا»؟
الحمد لله ومن باب «وشهد شاهد من أهلها»، برأتني المحاكم مرتين في فرنسا وأمريكا، وبعد دراسة مطولة استمرت 4 سنوات للأدلة المزعومة التي قدمتها سلطات الهجرة نيابة عن النظام العسكري الجزائري، وبعد مقارنة تلك الأدلة الباطلة مع ما قلته بالفعل برأتني أعلى محكمة في إدارة الهجرة والمواطنة من تلك الاتهامات المزعومة ولم يعد يهمني اليوم الإجابة عن مثل هذه الأسئلة.. الذي يهمني هو كشف المسؤولين عن تلك الجرائم وتقديمهم للمحاكمة لأنهم اقترفوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، كما يهمني في الوقت نفسه التوصل إلى حل شامل يعطي الشعب حقه من أجل طي صفحة الماضي وفتنة أخرى جديدة.
العمل المسلح
تتهمك بعض الأطراف بأنك رفقة علي بلحاح، وعباسي مدني، وحشاني – رحمه الله – حولتم جبهة الإنقاذ إلى حزب ينهج العنف من أجل الوصول إلى الحكم، فما ردك وما موقفك من العمل المسلح؟
أحمد الله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى وأفتخر أيما افتخار بانتمائي وترعرعي في مدرسة الحركة الإسلامية، وقد تعرفت عن كثب على إخواننا ممن ذكرت، فعملنا كله لله وحده من أجل إعلاء كلمته وتوحيده وإعادة بناء الكيان الموحد للأمة الإسلامية انطلاقًا من إقامة دولة مستقلة على أرض الجزائر العزيزة يتمكن الشعب فيها من القيام بنظام مجتمعي أسسه قيم الإسلام الحنيف - كما جاء في بيان أول نوفمبر 1954م - هذه المدرسة العريقة يمكن اعتبارها وريثة جمعية العلماء المسلمين، جمعية جليلة مكنها الله عز وجل تحت قيادة علمائها كالشيخ الجليل عبد الحميد بن باديس، والبشير الإبراهيمي، والعقبي، والورتيلاني وغيرهم من بعث روح وقيم الإسلام من جديد في أعماق الشعب الجزائري الذي أراد الاستعمار الفرنسي تدجينه وتجريده من قيمة الإسلامية.
وأتذكر هنا ما قاله الشيخ ابن باديس، الزعيم الروحي لحرب التحرير والذي كرس حياته من أجل دعوة الناس وتربيتهم، في مجلته «الشهاب» بتاريخ يناير 1938م تحت عنوان «أصول الولاية في الإسلام»: «إن للشعب الحق في مراقبة السلطة السياسية وحملها على ما يراه هو صائبًا، لا ما تراه هي، فالكلمة الأخيرة له لا لها، فلا يحكم الشعب حينئذ إلا بالقانون الذي رضيه لنفسه وحدد فيه إرادته، فيصبح الشعب يطيع القانون لأنه قانونه وليس قانون سلطة أخرى أو فرد أو جماعة فرضته عليه كائنًا من كان ذلك الفرد وكائنة من كانت تلك الجماعة».
كيف إذن لمثل هذه المدرسة التي لقنت أتباعها هذه القيم الربانية أن تتهم بالعنف للوصول إلى الحكم، ذلك افتراء علينا بل وبهتان، هذه المدرسة التي أنتمي إليها انتهجت منذ نشأتها النهج النبوي العطر، فجعلت من بناء الفرد ثم المجتمع بكل فئاته أولويتها. حاولت كلما تسنى لها ذلك تفادي اللجوء إلى القوة في تعاملها مع العصابات المستولية على مفاصل الحكم منذ الاستقلال وإلى يومنا هذا، ومثال على ذلك، أنها لم تنهج العنف في مواجهة مشروع النظام حول دستور 1976م، في ذلك الوقت انتهجت الحركة الإسلامية نهج اغتنام فرصة المناقشات الشعبية التي نظمها النظام آنذاك حول الدستور، لطرح مشروع الحركة ودعوة الناس إلى الإسلام كمنهاج حياة شامل وعادل كسبيل وحيد لاسترجاع المسلمين عامة وشعبنا على وجه الخصوص مكانتهم المنوطة بهم ما بين الأمم والشعوب.
وفي الوقت الذي استدرج النظام لضرب الصحوة الإسلامية ككل تدخل رموز الحركة الإسلامية أمثال الشيخ أحمد سحنون والشيخ عباسي مدني وغيرهما في أحداث 1982م للحفاظ على الصحوة من أجل مواصلة مرحلة البناء للصف الإسلامي وبعد أحداث أكتوبر 1988م التي أراد منها النظام بعد فشل مشروعه الاشتراكي الشيوعي القيام بتغيير نوعي يحافظ فيه النظام على الحكم، ساهمت رابطة الدعوة الإسلامية برئاسة الشيخ أحمد سحنون – حفظه الله - بقسط لا يستهان به من أجل فتح المجال للتعددية الحزبية والحريات الأساسية، وبذلت جهودًا كبيرة من أجل وحدة الصف الإسلامي قصد الخوض في المرحلة الجديدة مرحلة العمل السياسي.
وبعد فشل رابطة الدعوة الإسلامية - الإطار الذي أرادت الحركة الإسلامية من ورائه توحيد الصف الإسلامي – بعد فشل الرابطة في إنشاء حزب موحد كواجهة سياسية للصحوة الإسلامية.. وقد حافظنا على سلمية الإضراب السياسي لشهر مايو 1991م وحافظت على الخط الأصيل للجبهة بلقاء 22 بقيادة محمد السعيد، وعبد القادر حشاني، وبعدها أيضًا بملتقى الوفاء بمدينة باتنة، وكل ذلك من أجل مواصلة العمل لحمل النظام على مواصلة المسار الانتخابي، فكيف نتهم إذن بانتهاج العنف؟! لقد ساهمنا بالكثير في المسار السياسي للجبهة وكنا من الذين يأملون في أن ينتقل بلدنا من نظام الحزب الواحد والعقل الواحد إلى نظام تعددي عبر طرق سلمية حضارية، لكن أبت تلك الأقلية الأيديولوجية من جناح العلمانيين المحاربين للإسلام، ونتج عن ذلك انقلاب المؤسسة العسكرية يوم 11 يناير 1992م، فتورطت في وقف المسار الانتخابي وفرض نفسها على الشعب بالحديد والنار، فأوغلت الجزائر في حمام دم ودموع وجرتها في أتون حرب ذهب ضحيتها أكثر من 150 ألف نفس بريئة حرب استفادت منها تلك الأقلية فازدادت ثراءً في وقت أفلست فيه البلاد وأفقرت الشعب.
من إذن صاحب العنف والمحرض عليه؟! مساهمتنا كثيرة في تحديد طبيعة الأزمة وذلك عبر البيانات الرسمية للجبهة وتصريحات مختلف قادتها، مذكرين بأن الأزمة سياسية وأن لا مفر من حل سياسي، ولم يكن تأييدنا للجوء بعض أنصار الجبهة إلى القوة مع تجميد نشاطهم السياسي مؤقتًا إلا اعترافًا منا بحق الدفاع عن النفس في وجه العنف الوحشي المسلط على الشعب على أيدي جلاديه الانقلابيين بعد أن أوصدوا كل الطرق السلمية المفضية إلى حل شامل وعادل للأزمة.
لكن نقل عنك معارضتك للهدنة التي عقدها الجيش الإسلامي للإنقاذ مع الجيش الجزائري؟
في ما يخص تلك «الهدنة» المعلنة من طرف بعض المجاهدين مع النظام العسكري، فهي صادرة عن إرادة نأمل أن تكون صادقة من شأنها توفير مناخ مواتٍ يساهم في حل شامل لأزمة البلاد، لكن يبدو أنها لم تفرز شيئًا ملموسًا يعول عليه أو يعتد به، ومع هذا حرصنا على مواصلة انتهاجها المسلك السلمي ونحن عازمون على مواصلة العمل من أجل إقامة دولة الحق والعدل المنشودة أو الاستشهاد في سبيل الله مهما أقيمت الحواجز في طريقنا ولو بالقوة لثنينا عن قضيتنا.
ألا ترى أنه في وقت يفتح الباب على مصراعيه أمام شعوب المعسكر الشرقي سابقًا من أجل ممارسة حق اختيار السلطة السياسية، تحرم شعوبنا في العالم العربي والإسلامي خاصة من ذلك وتحرم الصحوة الإسلامية من ممارسة حقها في العمل السياسي الحر؟
هنا بيت القصيد ومربط الفرس، فبعد انهيار المعسكر الشيوعي برز نظام عالمي جديد تنسج خيوطه بعيدًا عن الأمة الإسلامية، وإن تهميش عالمنا الإسلامي عن الساحة العالمية – رغم طاقتنا البشرية والطبيعية التي حبانا الله بها - يرجع بالأساس إلى طبيعة المشكلات الداخلية التي تكبل معظم بلدان عالمنا الإسلامي الناتجة أساسًا عن عدم قدرة أبناء هذا العالم الشاسع على حل أزمة السلطة السياسية بطرق حضارية.
من بدهيات النظام الاقتصادي العالمي أن حجم وطبيعة مشاركة أي بلد في النظام الاقتصادي العالمي يعتمد كثيرًا على استقلالية القرارات السياسية المتخذة داخل حدوده وعلى القدرة على تنفيذها. إن بناء الدولة المستقلة ذات الاقتصاد المتين القادر على التنافس وحماية مصالح الشعب والدفاع عنها أمام النظام العالمي لا يمكن تحقيقه إلا عندما تتوافر السلطة السياسية الممثلة للشعب بكل شرائحه وهذا لا يتأتى إلا عبر التوصل إلى تحقيق التراضي والانسجام والتجاوب بين الحاكم والمحكوم.
وفي الجزائر السبيل الوحيد لتحقيق ذلك التراضي يكمن في تأسيس نظام يقوم على احترام مقومات الشعب وحقوقه الأساسية واختياره الحر في إطار تعددية حزبية مع ضمان عدم تدخل الجيش في المنافسة السياسية وعدم عسكرة الأحزاب مع الفصل الفعلي بين السلطات وحرية الإعلام، إنه السبيل الوحيد في نظرنا، وبالمناسبة نجدد هنا دعوتنا للأحزاب الوطنية الأخرى للعمل سويًا من أجل تحقيق هذا النظام المنشود لحل أزمة بلادنا.
العقد الوطني
بعد مضي أكثر من خمس سنوات على العقد الوطني بروما، هل لا يزال أرضية صالحة لحل الأزمة خاصة بعد مجيء الرئيس بوتفليقة وإصداره قانون الوئام المدني؟
العقد الوطني الذي توصلنا إليه مع باقي شركائنا من الأحزاب الوطنية لم يعط حقه من الاهتمام والإثراء والدراسة، وأتحدث هنا بلسان من ساهم في إنجازه عبر مختلف مراحله، فقد كانت لنا مساهمة فيه من ألفه إلى يائه، إنه إنجاز بمثابة معلم من المعالم الأساسية نحو حل جذري للأزمة، وقبل الاسترسال في الحديث عن العقد الوطني أود توضيح بعض النقط، حيث قيل الكثير حول مشاركتي في روما، والحقيقة أننا في البعثة البرلمانية بعد أن أوصد النظام كل الأبواب في أوجهنا لحل الأزمة بما في ذلك محاولات الشيخين عباسي مدني وعلي بن حاج وكذا محاولات المكتب التنفيذي الوطني، بل ذهب النظام إلى أبعد من ذلك حيث دبر محاولة اغتيال أحد موفدي المكتب التنفيذي المفاوض واعتقال وتعذيب مبعوث المكتب للمفاوضات – الدكتور مولاي السعيد - بعدما تبين لنا أن النظام غير مستعد للتفاوض مع الجبهة في الداخل بدأنا نعمل على فتح حوار جاد في الخارج، حوار جاد مع باقي الأحزاب الوطنية مع عدم إقفال الباب بل مواصلة البحث عن الأطراف داخل النظام التي لا يزال فيها روح الوطنية من أجل التوصل إلى حل سياسي. بذلنا تلك الجهود ولا نزال انطلاقًا من اعتقادنا الراسخ بضرورة تحمل مسؤولياتنا أمام الله ثم أمام التاريخ كأعضاء لقيادة حزب فاز بأغلبية الشعب.
وكان لأحد شيوخنا الأفاضل في الجزائر، وهو الشيخ الحسين سليماني، وابنه الدكتور محمد سليماني، علاقات وطيدة في مجال الحوار بين الأديان مع جمعية سانت ايجيديو، فطرح الأخ محمد على أعضاء الجمعية فكرة محاولة مساهمتها على غرار ما فعلته ونجحت في تحقيقه في موزمبيق من أجل حل للأزمة الجزائرية، فرحبت الجمعية بالفكرة، فعرضها على الأخ أحمد الزاوي فرحبنا بها مبدئيًا لاتفاقها مع ما كنا نسعى إليه، ومن ثم كان الاتصال بالدكتور أندرياس بارتولي نائب رئيس جمعية سانت ايجيديو، الموجود بأمريكا، وبرمجنا سلسلة من اللقاءات من أجل الترتيب للموضوع، وعبرت له عن قناعتنا وموقفنا الراسخ الذي يعتبر السلم هدفًا استراتيجيًا تمليه مقاصد الشريعة السمحة، ومن ثم اقترحت عليه أن تتصل جمعيته بجميع الأطراف بما فيها المتطرفة في محاربة الإسلاميين كبعض أجنحة العلمانيين، وكذا أطراف النظام وحتى مع الأخ رابح كبير رغم المشكلات بينه وبين القيادة في الداخل.
هذا فيما يخص التحضير للقاءات روما، أما ما يتعلق بموقف الإدارة الأمريكية من مشاركتي في اللقاءات، فخلافًا لما روج له بعض وسائل الإعلام، حاولت الإدارة الأمريكية الكثير لمنعي من الحضور ويشهد على ذلك نائب رئيس جمعية سانت إيجيديو الموجود بنيويورك، والله وحده الذي سخر هذا الرجل فعمل الكثير من أجل إقناعهم بالسماح لي وكنت آنذاك طالب لجوء وطلبي قيد الدراسة وسفري خارج الولايات المتحدة يتطلب رخصة خاصة، وكانت الإدارة أجابت الرجل أن «أنور هدام» له مواقف مشبوهة ويؤيد العنف، فأجابهم: «لولا حضور أنور هدام لما بقي للقاء روما معنى».
لقد ذهبت الجبهة إلى روما – وذلك منذ اللقاء الأول - بمشروع متكامل للحل وكنا على استعداد للتوصل إلى حل منذ اللقاء الأول بشهر نوفمبر 1994م لكن أجل الأمر إلى يناير 1995م. لم يأت في ذلك اللقاء أحد بوثيقة متكاملة فوزعنا عليهم وثيقتنا التي اعتمدت كاملة مع إعادة صياغتها على شاكلة عقد، ولله الفضل من قبل ومن بعد، ومن ادعى تلقيننا درسًا في الديمقراطية اعترف في آخر لقاء بروما أن تلك المداولات «سمحت لنا بالتعرف على بعضنا البعض والاعتراف المتبادل».
إن مبادئ العقد الوطني لا تزال صالحة فعلًا وقد تكون بحاجة إلى تطويره وتعميقه وهو الأمر الذي نحن منه مكون في بلورته في إطار مشروع «الحل السياسي للقضية الجزائرية» الذي سنطرحه على مختلف قيادات الجبهة دون تهميش أو إقصاء لأحد، وبعد المشاورات إذا اعتمد قد نطرحه بإذن الله على باقي الأحزاب الوطنية. الذي يمكن قوله فيما يخص العقد الوطني، يتلخص ضمن أربعة أمور أساسية:
أولها: علينا جميعًا أبناء الوطن الواحد أن نتفق على مبادئ أساسية تحكم النشاط السياسي وتضمن الحريات المشروعة والحقوق الأساسية للمواطن والشعب.
ثانيًا: أن تكون تلك الحقوق والحريات غير خاضعة لنزوات كل من تهوى نفسه استصدار دستور جديد على مقاسه، أي لا يحق لا للحكومات المتعاقبة ولا للدساتير المتتالية أن تنتهكها، فهي بمثابة حقائق أزلية تحصن حقوق وحريات الأمة من أي عدوان، فهي كما أنها تحمي الأفراد تحمي أحزاب الأقلية من خطر الإقصاء من طرف الأغلبية، كما تحمي حق حزب الأغلبية وتضمن له حقه في تحقيق برنامجه الذي حظي بتزكية أغلبية الشعب.
ثالثًا: لا بد من التوصل إلى تسيير جماعي - السلطة الفعلية الحالية والأحزاب المنتخبة - للمؤسسات الانتقالية نحو الاستقرار بدل استحواذ السلطة الفعلية وحدها على المرحلة الانتقالية.
ورابعًا: وأخيرًا العمل الجاد للإجابة عن السؤال: «من مقترف الجرائم في حق الشعب ومن المسؤول عنها؟»، لا يمكن إطلاقًا إعادة بناء بلدنا بمعية أصحاب الأيدي الملطخة بدماء الأبرياء. هذا مطلبنا الأساسي الذي لا يتأتي دون الكشف عن حقيقة ما حدث منذ انقلاب 11 يناير 1992م إلى يومنا هذا.
ما موقفك من إصدار الرئيس بوتفليقة عفوًا عن عناصر الجماعات المسلحة ورفضه الإفراج عن القيادة التاريخية للجبهة الإسلامية للإنقاذ؟
من الأفضل توجيه السؤال إليه، الثابت أنه لا يمكن تصور حل شامل ومستقر دون الإفراج عن جميع أعضاء وأنصار الجبهة وعلى رأسهم الشيخان عباسي مدني، وعلي بن حاج، بل ودون فتح تحقيق شفاف حول كل الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها.
هل ما زلت مستعدًا للمشاركة في أي حل تفاوضي وإن تم ذلك داخل الجزائر كما سبق وأن أعلنتم انطلاقًا من مبادرتك من جنوب إفريقيا واستكهولم؟
نعم، وقد طرحت ذلك على الإخوة في الداخل وأنا رهن إشارتهم، وقد طلبوا مني التريث إلى أن توفي السلطة الجديدة بوعودها التي قدمتها في إطار ما يسمى بـ «الوئام المدني». الجزائر بلدي ومن حقي العودة إلى بلدي، فعندما يقدر الإخوة في الداخل الوقت المناسب سأعود في التو والحين.
ضمن أسرار مبادرة ستوكهولم وجنوب إفريقيا كنت اتخذت المسؤولية آنذاك لطرح مبادرة على زروال من خلال رئيس جنوب إفريقيا السابق مانديلا شخصيًا، مبادرة تطرح استعدادي منذ ذلك الوقت فبراير 1996م دعوة المجاهدين الأوفياء للجبهة لوقف القتال على أن يتعهد النظام بالسعي لتطبيق العقد الوطني وأنا على يقين أنه ما كان ليعارض المبادرة لكن النظام رفض ذلك مفضلًا مواصلة طريقه، وبعد أن دبر مؤامرته ضد القيادة الأولى للجهاد حاول فعل الشيء ذاته للقضاء على باقي المجاهدين الأوفياء وعند فشله في مسعاه لجأ إلى اقتراف المجازر المهولة في حق الشعب وخاصة أولئك المشكلين لقاعدتنا الانتخابية، انتقامًا منها ولتأليبها على المشروع الإسلامي.
كيف ترى المخرج من هذه الدوامة؟ وهل شروط الخروج منها التي كانت منذ بداية الأزمة لا تزال قائمة أم أن الوضع يتطلب مقاربة مغايرة؟
ليس للجبهة أي شرط إنما مطالبها السالفة التي لم تتغير في جوهرها تمثل أحسن وسيلة اختبار لنوايا النظام. نحن على استعداد دائم لخوض مفاوضات جادة من أجل الحل المنشود دون شروط، وما طرحناه يشكل مقترحات، ونحن على أتم الاستعداد لدراسة أي مشروع متكامل يطرحه النظام أو باقي الأحزاب والشخصيات الوطنية.
الإنقاذ داخل الجزائر وخارجها
كيف تقيم الآن وضع الإنقاذ داخل الجزائر وخارجها، وهل هي قادرة على تقديم حل ناجع وقابل للتطبيق في ظل تباين مواقف مختلف الأطراف داخلها؟
مرت الجبهة بمحن عظام لا يثبت في وجهها إلا أصحاب مشروع متجذر في أعماق الشعب، وقوة الجبهة تكمن بالذات في مشروعها وعدالة قضيتها، علينا ألا ننسى هذه الحقيقة، كما أنني على يقين بإمكان تجاوز تلك الخلافات التي ترجع جلها إلى الظروف التي عصفت بالجميع، مع عدم استيفاء شروط قيام مؤتمر للجبهة بالبلاد، ليس من الحكمة ولا العقل أن تلهينا المشكلات الحزبية عن مواصلة الجهود من أجل حمل النظام على تبني الحل المنشود.
ومن ثم لا مناص من إقامة لقاء يجمع مختلف القيادات التي حافظت على الخط الأصيل للجبهة إن كان في البلاد فذلك أحسن وإلا ففي الخارج مع التقدم بمشروع متكامل للحل المنشود وهو الموضوع الذي يجب أن يشكل أولوية اللقاء إلى جانب المواضيع الحزبية الضرورية كالقانون الداخلي والهيكلة الحزبية وتحديد المسؤوليات، ولا يجب أن يغيب عنا الهدف من التقائنا الأول في إطار الجبهة ألا وهو مشروع الدولة المنشودة والرفع من همم شعبنا وأمتنا واسترجاع مكانتها المنوطة بها بين الأمم والشعوب.