العنوان «أمي».. ديوان جديد للشاعر الإسلامي: عمر بهاء الدين الأميري
الكاتب أحمد الجدع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1979
مشاهدات 89
نشر في العدد 427
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 09-يناير-1979
الحديث عن الأم ومقامها لدى الإنسان المسلم حديث لا تنتهي بهجته، ولا تنقضي حكمته، فالمسلم بوحي من إيمانه يبر أمه أبد الدهر، وهو بوحي من إنسانيته التي غرسها فيه إسلامه، لا ينفك عن الاعتراف لها بالجميل، والتسليم لها بالفضل العميم.
والحديث عن المقام السامي الذي وضعت فيه الأم في الأسرة الإسلامية حديث مكرور يعرفه كل من عرف أوّليات هذا الدين العظيم، فهي التي لا يتم رضاء الله إلا برضاها، بل لا تتم عبادة المسلم إلا بالإحسان إليها، ولا تنال الجنة إلا بالخضوع أمام عواطفها الجياشة، ثم السمو بمقامها بحيث تحل في نفوس أبنائها في المحل الأرفع والمقام الاسمي .
من فيض هذه المعاني كان هذا الحب المطلق الذي أولاه شاعرنا الكبير عمر بهاء الدين الأميري أمه، فبرها في حياتها، فكان لها نعم الابن، وبرها بعد موتها فقدم لها ديوانًا كاملًا من الشعر الخالد.
وهذا الديوان بالنسبة للشاعر:
عرفان جميل وسمو ** بالعاطفة الإنسانية
وممارسة في الأرض ** لأخلاق الجنات العلوية
والأم عند الأميري أنغام سماوية وموسيقى علوية، وهي الينبوع الذي يفيض حبًّا إلهيًّا فيغمر الحياة بفيوض من السعادة، ويملأها بألوان موشاة من البهجة والسرور، ولأجل هذا كان برها واجبًا حتميًّا وفرضًا دينيًّا، وكان البار بأمه بارًّا بمجتمعه، بل برًّا بالإنسانية جميعها:
الأم، وفي الإنشاد لها ** تغدو الأنغام سماوية
ينبوع الحب، عطاء الرب ** سنى ، وجنى كل مزية
من بر الأم يبر الخير ** يبر جميع البشرية
والأم هبة الله للأبناء، تغذوهم بلبنها فتنمو أجسادهم، وتغذوهم بمعاني الخير فيحسن سلوكهم، وتربي فيهم عزة المسلم، وتنير بصائرهم بحقائق الكون الكبرى، وتهديهم إلى الإيمان، وتسلك بهم طريق الهدى.
هذه هي الأم المسلمة التي كانت أيام الأبناء كلها معها أعيادًا، ومن هذا المفهوم أنكر المسلمون أن يخصص يوم واحد في العام يكون لها عيدًا ، ثم تُنسى بقية العام:
أماه یا هبة القدر ** یا کنز روحي المدخر
يا كل معنى من معاني ** الخير في نفسي وقر
يا عزة الإيمان تشـ ** رق في البصيرة والبصر
أماه يا سعدي ومجدي ** والحياة خطا سفر
قد تنقضي الأعياد ** لكن: أنت لي عيد الدهر
وأفضال الأم على ابنها سيول لا تتوقف وهبات لا تنقضي، فهي التي حملته كرهًا على كره، ثم أدت مهمتها معه رضيعًا، فحفظته وراعته، وسهرت عليه الليالي ذوات العدد، تحوطه بحنانها وتتغشاه بعطفها، تغذوه أناشيد الوفاء وأنغام الهدى، وتعرفه بخالقه، وتربيه على طاعته وعبادته، ثم تدفع به إلى خضم الحياة مصحوبًا بدعائها وإرشادها:
أمي التي حافظتي وحملتني ** وصليت من صبر علي بنار
أنتِ التي غذيتني وحضنتني ** لولاك ما أبصرت ضوء نهاري
أنتِ التي داريتني فنموت في ** أحضان عطفك خالي الأكدار
أنتِ التي أنشدتني لحن الوفا ** وسهرت من أجلي إلى الأسحار
أنتِ التي لقنتني آي الهدى ** والحب والإحسان واسم الباري
أرشدتني ونصحتني ومنعتني ** وعدلت بي عن منهج الأشرار
لما نشأت دفعتني بشجاعة ** لأنال ما يسمو من الأوطار
وللأم المقام الأسمى عند الباري - عز وجل - في علاقتها الوثقى بأبنائها، فهي إذا دعت لأبنائها كان دعاؤها خارجًا من القلب مقبولًا عند الرب:
أم يدق دعاؤها ** باب السماء على يقين
وعندما نقرأ شعر الأميري في الأم فإننا نتذكر أحاديث الرسول فيها، فالجنة تحت أقدام الأمهات:
هي الأم ركن قدس الله شأوه ** وأرسى به في الكون رحمته حقًّا
وشاد على أقدامه جنة الرضا ** وكرمه في الخلق مذ برأ الخلقا
وإذا كان من حظ الأم أن يكون لها أبناء بررة يذكرونها بعد موتها بصالح الدعاء، فإن الأميري لأمه من هؤلاء الأبناء، وهو كذلك لأبيه:
وسقى الضريحين اللذَيْ فيهما أبي ** وأمي من الرضوان أطهر ما يسقى
ولقاهما من نضرة وسكينة ** وألقى على نفسيهما خير ما يلقى
ويذهب حب الأم بالأميري إلى أبعد ما يذهب الحب بصاحبه، فهي عنده أم ليست كالأمهات، لها من سجاياها ما يحلها بين الأمهات المحل الأرفع، ولها من برها وتقواها ما يضعها في المقام الأسمى:
وأمي لها في ذاتها وصفاتها ** سجايا من الأمَّات في نظري أنقى
كأني بها صيغت من البر والتقى ** وأن لها في وجهها منهما ألقا
وهو يعترف بأن الحب هو الذي دفعه لأن يضعها هذا الموضع، أليست هي أمه وكفى؟ أليس هو الذي يقول:
كل فتى لأمه محب
لا يبصر العيوب قلب صب
فالعقل، عند المستهام، قلب!
ويشفق شاعرنا على أمه في شيخوختها، ويوجس على حياتها خيفة، فكلما سمع بموت أم خفق قلبه خوفًا على أمه:
كلما أطفأ الردى قلب أم ** طار قلبي مخافة وحنينا
وعندما فقد الأميري أمه حزن على فراقها حزنًا شديدًا، فلامه إخوانه على هذا، وخشوا أن يكون حزنه مباعدًا بينه وبين إيمانه، فكان رده عليهم رد المؤمن الثابت الإيمان، الراسخ العقيدة، فإذا كان الإنسان يلجأ في أزماته الى أمه، فإنه في أزمته بأمه يلجأ الى الله خالقه:
ليس كالأم عند من عرف الأم ** ملاذا للمرء يكشف خطبه
فإذا الخطب كان بالأم لم يسعه ** إلا أن يذكر المرء ربه
ويبقى الشاعر على وفائه لأمه يتذكرها في كل لحظة، تذكره بها البسمة والطرفة، تذكره بها الأشجار والأزهار والثمار، يذكرها كلما ألم به خطب:
لمن أرسل البسمة الشاكرة؟ ** لمن أسرد الطرفة النادرة؟
لمن أتخير أشهى الثمار؟ ** لمن أقطف الزهرة العاطرة؟
لمن أتجمل- رغم الهموم ** -وقد غادرتني إلى الآخرة؟
وأما عن شعر الديوان فإن الأميري أرسله فيضًا من قلبه، على هدى من سليقته، فجاء رائق الديباجة، واضح المنهج، لا تكلف فيه ولا قلق ولا غموض ولا حشو، كل ذلك جاء بهذه الصورة لأن الشاعر ينظم بعفوية ويرسل القول على السجية؛ لذا فقد توافر لقصائد هذا الديوان من صدق العاطفة، وجمال المعنى، وعمق الشعور، وروعة الصياغة، ما لا غاية بعده، أضف إلى كل ذلك أن الشاعر في كل ما نظم يذهب هذا المذهب، وينحو هذا النحو، وهو في كل شأن من شئونه شاعر، وفي كل لحظة من لحظات عمره يذيب الكلمة ويصوغ العبارة ويسكب الشعر، فيتنزل على القارئين والسامعين فيخالط شغاف قلوبهم ويسمو بكيانها.
وما دام الحديث عن الأسرة - إذ إن الأم ركن عظيم من أركانها - فلا بد لنا أن نسجل هنا أن شعر الأسرة في الشعر العربي كان لمحات سريعة وقصائد متناثرة، تخطر للشاعر فيسجلها في أبيات معدودة، حتى جاء الأميري فأصّل هذا اللون من الشعر في الأدب العربي، وقدم له دواوين ثلاثة: أبي، وأمي، وأبوة وبنوة، فاستحق بهذه الأعمال أن يسجل في ديوان الشعر العربي مع أعلامه الكبار ورواده العظام.
لقد أسعدنا هذا الديوان كما أسعدتنا دواوين الشاعر الأخرى، وسوف تكون سعادتنا أكبر وأعظم عندما نرى دواوينه المخطوطة وقد أخذت طريقها إلى المطبعة، وتصدرت من بعد مكتبات الصفوة من أنصار الشعر الإسلامي الرفيع.