العنوان أضواء على المواقف العربية من مأساة المسلمين في أفغانستان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يناير-1980
مشاهدات 65
نشر في العدد 467
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 29-يناير-1980
أمام خارطة ملونة لقارة آسيا كانت معلقة على أحد الجدران في مبنى إحدى الصحف العربية، وقف ثلة من رجال الصحافة يستمعون إلى أحد المراقبين لاستراتيجية النفوذ الدولي في القارة، وهو يشرح لهم مرتكزات السياسة «الروسية الأمريكية» بعد الغزو الذي حدث في أفغانستان.
كان يتحدث عن طبيعة التقسيم الخرائطي لنفوذ الدولتين في القارة عندما سأله أحد الصحفيين:
- وأين حكومات دول آسيا من سياسة الاقتسام هذه؟ بل أين هي الحكومات العربية من هذه التدابير الاستعمارية التي بدأت مسلسلها في الشهر الماضي بالغزو الروسي لأفغانستان؟ والتي وضعت الجزء العربي الغني بموارده الاقتصادية ضمن استراتيجية الاقتسام؟
- أجاب المراقب وهو يشير إلى أفغانستان على الخارطة : أظنكم تعرفون المثل العربي القديم: «أكلت يوم أكل الثور الأبيض» والذي تروي حكايته أن أسدا فرق بين ثلاثة ثيران «أبيض وأحمر وأسود» ثم أكلهم تباعا وهم منفردون.
ومن ثم قال الثور الأسود عندما هاجمه الأسد بعد أن قضى على صاحبيه قبله «أكلت يوم أكل الثور الأبيض».
لقد أراد هذا المراقب أن يشير إلى مأساة أفغانستان على أنها مأساة تخص العالم الإسلامي بأجمعه من ناحية، وأن التفرق أمام هذه المأساة وعدم الانتصار لها بكل المقدرات والإمكانات سيعود بكوارث كثيرة على عالمنا العربي والإسلامي من ناحية أخرى، وهنا نجد أن الحاجة ماسة جدا لإلقاء الأضواء على مواقع السياسة العربية من مأساة المسلمين في أفغانستان.
- مواقع السياسة العربية من المأساة:
اتخذت مواقف العرب على المستوى الرسمي ثلاثة مواقع مما حدث في أفغانستان الإسلامية، وذلك كما يلي:
الأول:
موقف مستنكر للغزو الروسي لأفغانستان، وهو الذي تبنته المملكة العربية السعودية ودول أخرى في الخليج العربي.
الثاني:
موقف مؤيد للإجراءات الروسية العسكرية في أفغانستان، ويتراوح هذا الموقف بين الإعلان المباشر والتعبير الضمني، ويقف على هذا الخط من مواقع السياسة العربية كل من اليمن الجنوبية وسوريا والجزائر وليبيا ومنظمة التحرير الفلسطينية.
الثالث:
موقف متحفظ من الإعلان عن موقفه يكتفي بترديد ما تقوله الأطراف العربية والدولية بالنسبة للمأساة.
ولما كانت القضية الأفغانية هي قضية إسلامية، فلا بد لنا من طرح الملاحظات التالية على الموقف العربي منها.
- مازالت الاتجاهات العربية تقف متضاربة من قضايا العالم الإسلامي ابتداء من قضية فلسطين، مرورًا بالأزمة الإيرانية والثورة الإريترية وغيرهما، وانتهاء بمأساة المسلمين في أفغانستان.
- أن الاكتفاء الاستنكاري لما حدث في أفغانستان بإصدار بيانات تشجب العدوان السوفياتي لا يتعدى أن يكون موقفا هزيلا من نصرة المسلمين في أفغانستان، أولئك الذين يحتاجون إلى القدرات العربية والإسلامية كاملة بما في ذلك المال والسلاح والرجال والخبرة الكاملة في محاولة طرد الغزاة عن أفغانستان.
- وأن الوقوف في صف الروس المعتدين سواء بالصمت أو بترديد نغمة الحياد، أو بالإعلان عن الحرص على صداقة الروس والدول الشيوعية الأخرى، إنما هو موقف ذليل خاسر يساعد على تكريس العدوان الدولي على دول المنطقة الإسلامية، ويقدم لها المبررات والمسوغات للسيطرة عليها في المستقبل بلدا بلدا، وإذا كانت دول ما يسمى بجبهة الصمود والتصدي هي التي وقفت في الموقع المؤيد للغزو الروسي لأفغانستان بدواع ثورية أو قومية أو حزبية يسارية، فإننا نرى أنفسنا بحاجة إلى مناقشة هذا الموقف:
أضواء على موقف جـبهة الصمود والتصدي:
لا بد قبل إلقاء الأضواء على موقف الدول المسماة بهذه الجبهة منكافة الاتجاهات التي بنت عليها مواقفها:
1-أجمعت دول هذه الجبهة وهي سوريا- عدن - ليبيا - الجزائر - «التحرير الفلسطينية» على مقاطعة الاتجاهات الداعية إلى نصرة ثوار أفغانستان المجاهدين، ويدخل في هذا الإطار موقف هذه الدول من مؤتمر الدول الإسلامية.
2-احتجت المصادر الرسمية التي تمثل إدارات هذه الدول بأن للعرب قضيتهم الخاصة، وهي مسألة النزاع العربي الإسرائيلي.
3-أجمعت دول الصمود والتصدي على أن التكتل الإسلامي لنصرة الأفغان،إنما هو عملية لدفع الدول الإسلامية إلى حلف جديد ، وبدافع من الوطنية قامت أجهزة الإعلان في دول الصمود والتصدي بحملات مسعورة من التشكيك في حقيقة المأساة الأفغانية، وذلك تحت غطاء ما يسمى بإنقاذ المصالح العربية العليا من التورط في الدفاع عن الأفغان المسلمين.
تقول صحيفة المجاهد الجزائرية في هذا الصدد:
«إن اجتماع وزراء الخارجية للدول الإسلامية المزمع عقده في إسلام أباد، له آثار سلبية على المصالح العليا للأمة العربية» وتتهم الصحيفة بعض الفرقاء العرب قائلة: «إن الداعين إلى المؤتمر تصرفوا دون نظرة بعيدة للأحداث»..
الوقوف في صف الروس المعتدين:
ولم تكتف أجهزة مجموعة الصمود والتصدي بهذا التشكيك والتحريض على عدم بحث المشكلة الأفغانية وترك أفغانستان ذبيحة تحت أقدام الروس، ففي حديث للسيد فاروق قدومي نشرته صحيفة «موزاي مورنغ» اللبنانية، ندد بما سماه حملة مسعورة مناهضة للسوفيات، والتي شنت عليها إثر أحداث أفغانستان وقال إنها غير مقبولة لسببين:
1- لأنها تصرف الأنظار عن النزاع العربي الإسرائيلي.
2-لأنها تدفع البلدان الإسلامية لحلف جديد.
وأمام هذه الاعتبارات يقف المسلم متأسفا على الدور الذي يقوم به البعض بهدف التعمية على حقيقة الأزمات التي تمر بها الأمة، فالتعليلات التي أطلقها المتحدثون باسم هذه المجموعة من الدول تحاول نقل المشاعر المسلمة من معايشة الحدث الأفغاني الأليم إلى صفحة سوداء جديدة من التضليل، الذي يهدف إلى إبعاد الأمة عن واقعها، ومن يعرف حقيقة الدوافع التي صاغت هذه المواقف، لا بد وأنه سوف يمتلئ بالغيظ والسخرية، عندما يسمع قول الوزير التريكي في ليبيا وهو يخاطب الأمة: «يجب ألا ننسى أبدا أن الأمة العربية تحارب إسرائيل بالسلاح السوفياتي».
هذا قول لوزير في الإدارة الليبية، وتعليل لوقوف من ينطق الوزير باسمهم في صف الروس المعتدين على أحد أجزاء وطننا الإسلامي الكبير.
ولعل المسلم العادي سيعجب من بعض الجبهات التي تصف نفسها بالوطنية والتقدمية والعروبة في إحدى دول المواجهة، وذلك في بياناتها التي أصدرتها بعد الغزو ف الروسي لأفغانستان، تأكيدا على صداقة بلدهم مع الروس، وتكريسا للدور الروسي, في ذلك البلد الذي أصر حكامه على ترديد ما يردده الروس في إذاعاتهم بالنسبة لأوضاع أفغانستان. وهنا نحب أن نسأل هؤلاء:
ماذا قدم الروس للقضية العربية؟
الذي قدمه الروس للعرب شيء يعرفه جميع حكام العرب وهو كما يلي:
1- يقدم الروس كل عام ما يزيد على الـ ٢٥ ألف يهودي روسي للهجرة إلى فلسطين المحتلة، والانخراط في الجندية اليهودية لقتل العرب المسلمين واحتلال المزيد من أراضيهم.
٢- قدم الروس للعرب أول اعتراف دولي بشرعية الدولة اليهودية في فلسطين منذ عام ١٩٤٨.
3- الروس الشيوعيون صوتوا في مجلس الأمن عام ١٩٦٧ من أجل بقاء اليهود في بعض الأجزاء العربية بعد العدوان الشهير على الأمة في ذلك العام.
4-الروس الشيوعيون يقدمون للعرب الأسلحة المصنفة التي عفا عليها الزمن مقابل أبهظ الأثمان، وذلك لاستخدامها في حشد القوات بين الحدود العربية نفسها، بعد أن تشعل الدول الكبرى النزاعات بين البلدان العربية المجاورة، ولعله لا يغيب على المواطن الواعي أن معظم البلدان العربية تكرس كثيرا من قواتها وأسلحتها على حدودها مع بلد شقيق، فالجزائر مثلا تحشد السلاح الروسي والجنود المقاتلين على الحدود المغربية، وقوات ليبيا تقف تارة على الحدود التونسية وأخرى على الحدود مع مصر وثالثة على الحدود الجنوبية المتاخمة للسودان ودول أفريقية أخرى.
5- والروس الشيوعيون يقدمون مقابل السلاح المصنف الذي يبيعونه للعرب بثمن باهظ أحدث أنواع الأسلحة للحكومة الإثيوبية من أجل قتل العرب المسلمين في كل من الصومال وإريتريا.
هذا بعض ما قدمه الروس من مآس على الأرض العربية نفسها، فماذا تريد دول الصمود والتصدي .. من وقوفها في صف الروس وهم يدفعون بقواتهم الغازية إلى قلب أفغانستان؟.
وهل ينتظر الواقفون في صف الروس من الدول الشيوعية الكبرى المزيد من هذه العطاءات التي دمرت العالم العربي والإسلامي؟.
إن الصغير والكبير من أبناء أمتنا الإسلامية بات اليوم عارفا بطبيعة الأنظمة المرتبطة بالروس والدول الشيوعية، وعوام الناس يعرفون حقيقة التبعية للروس، وما يترتب عليها من فرائض، فما بالك بالمثقفين الذين صاروا هم الحجم الأكبر في المجتمع الإسلامي الكبير!!.
مبررات جوفاء مغرضة:
مبرر المصالح العليا: وهذه العبارة رددتها أجهزة إعلام دول الصمود والتصدي كثيرا، وهي تحاول الفصل بين ما هو قومي وما هو إسلامي، وما هو إقليمي عنصري أيضا، ناسين أو متناسين أن الرابط بين شعوب الإسلام صار هذا اليوم هو المحرك الحيوي لأماني الشعوب المسلمة من ناحية، وهو الهدف الذي تنشده كافة شعوب المسلمين من ناحية أخرى، فقد طرحت شعوب المسلمين كافة العوامل العنصرية والإقليمية والقومية جانبا عندما تيقنت أن جميع هذه الدعوات إنما هي دعوات للتضليل والتزوير والتزييف، وإبعاد شعوبنا المسلمة عن جوهر مشاكلها والانحراف بها عن السبل السليمة لحل هذه المشكلات، ولقد وجدت أجهزة جبهة الصمود والتصدي في ترديد نغمة المصالح العليا للأمة العربية بابا تعبر منه بشعوبها للتغطية على حقيقة المأساة الأفغانية، وقطع مشاعر الوداد والتراحم بين أبناء شعوب هذا الدين.
٢- مبرر الصداقة مع الروس:
أصر فرقاء هذا الموقف العربي من قضية أفغانستان على أن الصداقة العربية الروسية تحتم على العرب عدم تأييد الثورة الإسلامية في أفغانستان، مع الوقوف في الصف الروسي، لأن هذه الدول ترتبط بالروس برباط الصداقة أو رباط المعاهدات الدولية الأخرى، وهنا لابد من تذكير هؤلاء بأن رابطتنا مع أفغانستان هي رابطة الدين الإسلامي الذي يجعلنا مع الأفغان أخوة في جميع الطموحات والآمال ومختلف المآسي والأحزان، ثم ألم يعلم هؤلاء بأن الروس دخلوا بجيوشهم إلى أفغانستان من باب المعاهدات وبوابات الصداقة؟
إن المبرر الأجوف لموقف هؤلاء المؤيد للروس، إنما هو موقف لن يعود على قضايا أمتنا إلا بالمزيد من التوريط المخطط والمطبات المغرضة الخبيثة.
3- مبرر استخدام السلاح الروسي:
وهذا ما ذكره بعض المسؤولين العرب في دول التصدي مبررين وقوفهم في صف الروس قائلين: «يجبإلا ننسى أبدا أن الأمة العربية تحارب إسرائيل بالسلاح الروسي».
إنه مبرر عجيب وحجة داحضة، فالروس -كما ذكرنا - يبيعوننا السلاح بأبهظ الأثمان، وهو سلاح مصنف، أنهم يبيعونه للعرب ليستخدموه في نزاعاتهم الجانبية، ولتدمر إسرائيل ما يبقى بأيديهم منه في ساعات قليلة، وليعودوا ثانية إلى إفراغ ما في خزائنهم من مال في جيوب الروس، لقاء شراء دفعات أخرى من السلاح المصنف القديم، ومع ذلك يحاول بعض العرب تبرير موقفهم اللاإسلامي من أفغانستان على هذه الشاكلة، ومع ذلك نقول لهؤلاء: إن مصادر السلاح كثيرة، وهناك من يبيع السلاح بشروط لا تصل أبدا إلى الشروط الروسية الأيديولوجية الكافرة.
إلى متى هذا التضليل:
إن الشعوب العربية جمعاء تعرف أن هناك خلفية سياسية معينة دفعت بأصحاب المواقف المعادية للثورة الإسلامية في أفغانستان إلى اتخاذ هذه المواقف.
- فهؤلاء - بطبيعتهم - يعادون كل ما هو ديني إسلامي بسبب من الأيديولوجية اليسارية التي دأبت على معاداة الإسلام، ولما كانت القوات الروسية دخلت للقضاء على الثورة الإسلامية في أفغانستان، فإن في هذا ما يتفق والأيديولوجية التي تبني هذه الدول مواقفها على أساس منها.
- وهؤلاء أيضا تربطهم مع الروس معاهدات أو صداقات خاصة، لعل بينها ما يوجب على الروس حماية تلك الأنظمة من الانهيار، فالنظام الدني في اليمن الجنوبية، فتح أبواب بلاده لقواعد السوفيات على مصراعيه، بسبب رغبة مباشرة عند حكام عدن تنحصر في الاعتماد على القدرة الروسية في حماية النظام، ولك أخيالقارئ أن تقيس على ذلك.
- وهؤلاء لا يريدون أن يقوم نظام إسلامي متكامل في أي بلد من بلدان العالم، ولعل قيام حكم إسلامي في أفغانستان سيكون في المستقبل قاعدة للانقضاض على جميع الأنظمة المرتبطة بالاستعمار الروسي – الشيوعي سواء كان ذلك بشكل مباشر أم غير مباشر، ومن أجل ذلك فإنه توجب على هؤلاء أن يقفوا في صف السوفيات تجاه المأساة الأفغانية.
مواقف أخرى:
لوحظ في الفترة الأخيرة أن هناك بعض الإدارات العربية وعلى رأسها الرئيسالمصري «أنور السادات» الذي يقف في صف المعارضة للغزو الروسي، بدأت تنعطف في مواجهة الروس على أساس من إيجاد زعامات أفغانية تكون هي البديل عن الثورة الإسلامية، التي يقف على رأسها الأخ حكمتيار والأخ برهان الدين رباني.
فالرئيس المصري - بغض النظر عن أسماء الزعماء الأفغان الآخرين - يحاول بكل ثقله الإعلامي أن يسلب قيادة الثورة الإسلامية من أيدي الثوار الحقيقيين، في سبيل إيجاد زعماء يدينون بالعمالة لجهات أجنبية معروفة من أمريكية أو غربية في سياستها ومزاجها الثوري العميل.
الخطر من تزعيم العملاء:
وهو خطر ما بعده خطر، فمحاولة قرب الزعامات القيادية للثورة الإسلامية في أفغانستان، إنما يشكل خطرا على المسلمين الأفغان وذلك كما يلي:
1- العمل على الانحراف بأهداف الثورة الإسلامية بما يحترم المصلحة الغربية تحت اسم محاربة الروس. 2- ضرب القيادات الإسلامية وإحلال عملاء غربيين في أماكنهم، إنما هو تمييع للمأساة، وتفتيت للجهود الإسلامية المنصبة لتحرير أفغانستان.
3- تزعيم العملاء على المجاهدين هو محاولة لنقل أفغانستان من أحضان الروس إلى أحضان الأمريكان والجهات الغربية الأخرى.
وعلى ذلك فإن الادعاء بدعم الثوار ومساعدة الثورة الإسلامية على هذه الشاكلة، إنما هو باطل وتزوير وتزييف وخداع لا يراد به إلا خدمة جهات استعمارية أخرى تحت اسم الخلاص من الروس.
وهنا لا نملك إلا الدعاء لإخواننا المجاهدين في أفغانستان، مع إلحاحنا بدعوة المخلصين كافة من أبناء هذه الأمة وحكامها، كي يعيد كل منهم النظر في موقفه، وليعلم كل واحد أن مسلسل الرعب والدمار قد بدأ في أفغانستان، وليس ببعيد أن يفاجاً العالم في يوم قريب بالحشود الأمريكية والروسية المحتشدة حول المنطقة العربية، وقد انقضت على قطعة أخرى من الجسد الإسلامي، ومع كل هذا نقول على مسمع من الجميع﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30).