; « أصحاب السيادة » | مجلة المجتمع

العنوان « أصحاب السيادة »

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1973

مشاهدات 1

نشر في العدد 132

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 02-يناير-1973

أما قوله تعالى : ﴿ إِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ . ( البقرة : ٢٨٣ ) .

فالمقصود هنا من يكتم شهادة يضيع بكتمانها حق مسلم كمن يعلم أن هذه الارض لفلان او ان فلانا هو ابن فلان ثم يطلب منه اداء الشهادة فيمتنع ، أما ما يترتب عليه ستر مسلم وتجنيبه الفضيحة فذلك مستحب .

وقد نص الفقهاء على استحباب الستر على من وجب عليه حد قبل بلوغ أمره إلى ولي الأمر ، أما إذا صار الى ولي الامر فان اقامة الحد هنا واجبة ، وليس للوالي ان يقبل شفاعة أحد ، وعلى هذا يحمل قوله صلى الله عليه وسلم : « تعافوا الحدود بينكم » أي ليعف بعضكم عن بعض إذا رأى ما يوجب حدا وليستر .

 

« أصحاب السيادة »

أما إذا صدرت المعصية من أهل الولاية والسيادة العلمية او العملية كالرواة والشهود والقضاة والمفتين وأصحاب السلطة . .

فان كان العيب من الصغائر بحيث لا يفوت مصلحة المسلمين ولا يؤدي الى ضررهم حرم ذكره .

وان كان العيب بحيث يضر بمصالح المسلمين لو ستر ، وجب ذكره ، ولا يحل كتمانه ، ولكن بشرطين :

الأول : القصد الحسن ، والنية الخالصة .

الثاني : ذكر القدر الذي يكفي في التجريح وتسقط به العدالة ، ولا يزاد على ذلك ، كالتشهير به بأمور لا مبرر لذكرها وإشاعتها .

وهنا أمور هامة ينبغي التذكير بها والتنبيه عليها لكثرة ما تقع فيها بحسن نية والله الموفق .

اولا : التجسس المعرفة عورات المسلمين منهي عنه بشدة لقوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ . ( الحجرات : ١٢ ) .

وقوله صلى الله عليه وسلم « من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته » .

وروى ابو داود عن معاوية رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إنك أن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدت تفسدهم » .

وأتى برجل إلى ابن مسعود رضي الله عنه فقيل له : هذا فلان تقطر لحيته خمرا ، فقال : إنا قد نهى عن التجسس ، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به » رواه أبو داود على شرط البخاري ومسلم .

ثانيا : من صدق الإيمان أن نحزن ونغتم إذا رأينا من أحد اخوتنا ما نكره وكأن ذلك وقع منا « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه » .

ثالثا : أن يكون ستره أحب الينا من فضيحته ، وتوبة الله عليه أحب الينا من عقوبته ، وهذا خلق أكمل الخلق صلى الله عليه وسلم حين رد

ماعز او الغامدية وفتح لهما طريق الرجوع والتوبة غير أنهما أصرا على اقامة الحد عليهما رضى الله عنهما .

رابعا : أن نتلطف في إعادة العاصي إلى الله ولا نتكبر عليه أو نشق عليه ، بل نأخذه بالرفق ما أمكن ، فلعلها ساعة ضعف ألمت به ، ونسأل الله العافية أن يصيبنا ما اصابه ، ويدل لذلك ما فعله عمر رضي الله عنه حين بلغه ان أبا جندل قد عاقر الخمر بالشام فكتب إليه « بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ حم . تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ، غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ . ( غافر : ١ - ٣ ) .

فكان أثر هذا اللطف أن تاب أبو جندل رضي الله عنه .

خامسا : التجاوز عن هفوات من لهم مقام في نفوس المسلمين حتى لا تسقط مكانتهم . ويبطل تأثيرهم ، إلا أن تكون من العيوب التي تسقط العدالة كالظلم والكذب وأكل الحرام ونحو ذلك .

سادسا : الانحراف عن الجادة قد يكون عن تأويل خاطئ ، أو ضعف طارئ ، وكلاهما مما يرجى الرجوع فيهما ، وذلك احب الينا ، فلا ينبغي أن نعين الشيطان على أخينا فنعرض عنه أو نلاحقه بالسخرية والتجريح ، بل نترفق به ، ونحسن إليه ، ونفتح له أبواب الرجاء ، ونزين له أسباب النجاة ، وفى تاريخنا المشرف امثلة لأشد مما ذكرت ، فان « طليحة الأسدي » كان قد ارتد عن الإسلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وادعى النبوة ، ثم تاب وأناب وبعث بتوبته إلى عمر رضي الله عنه فقبلها منه عمر وصدقه ، وبعثه للجهاد مع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حسب طلب طليحة ، إلا أنه حذره ان يجعله في مراكز قيادية ، فحسن إسلامه بعد ردته ، وكان له أثر بتوفيق الله في تحقيق النصر للمسلمين في معركة « نهاوند » على حدود فارس لخطة وضعها وهداه الله اليها .

وقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال لشارب الخمر بعد أن أقيم عليه الحد : أخزاك الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تقولوا هكذا ، لا تعينوا الشيطان على أخيكم » .

سابعا : إذا حاد أحد الأخوة عن الحق ، وانحرف عن الجادة ، واتبع غير سبيل المؤمنين ، فلا ينبغي أن نجبهه بخطئه على الملأ ، و نفضحه عند العامة ، ونسقط عدالته فلا تقوم له من بعد قائمة ، بل ينبغي أن نتريث في الأمر ، حتى يثبت لدينا بالدليل القاطع سيره في ركاب الظالمين ، واتباعه غير سبيل المؤمنين ، وصدق من قال « اتقوا زيغة الحكيم وانتظروا فيئته » أي رجوعه الى الحق .

 

قسم . . فلعله خير منك

بعض الناس يتطوع غير مشكور بالحكم على الناس بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، ولعل من يتفكه بتجريحهم خير منه عنه الله وأقرب ، ولكنه تزيين الشيطان اذ له أنه يزعم غيور على الاسلام والمسلمين ، وأنه مأجور بثلبه أعراض قوم یری بنور بصيرته وذكائه اللماع أنهم ساروا في ركاب الظالمين ، وباعوا دينهم للشارين ، لقاء منصب أو جاه أو مال ، ولا يدري هذا الرجل حكم الشرع في أمثال هؤلاء ، ولكنه يدري أن حكمه هو الحكم . . وعلى الشرع أن يوافق هواه ، والا فالتأويل سهل ، وحمل النصوص على ما يوافق هواه میسور ، فالقرآن حمال أوجه ، والاحاديث بحر محيط ، أما اصول الاستنباط وقواعد الفقه فلا حاجة له بها ، فانه فقيه بالفطرة والسليقة ، وسبحان مقسم الارزاق الذي خصه بالحكمة وفصل الخطاب وفي الحديث الآتي ذكره ما يدل على ما قررته ، فلننظر : روى الامام احمد رحمه الله في مسنده وبسند صحيح عن عامر بن وائلة رضى الله عنه أن رجلا مر على قوم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسلم عليهم فردوا عليه السلام ، فلما جاوزهم قال رجل منهم : اني لا بغض هذا في الله تعالى : فقال أهل المجلس : لبئس ما قلت ، والله لننبئنه ، ثم قالوا : يا فلان - لرجل منهم - قم فأدركه وأخبره بما قال فادركه رسولهم فأخبره فأتى الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكى له ما قال ، وسأله أن يدعوه له ، فدعاه له ، وسأله ، فقال : قد قلت ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم تبغضه ؟ فقال أنا جاره وأنا به خابر ، والله ما رأيته يصلى صلاة قط الا هذه المكتوبة ، قال : فاسأله يا رسول الله هل رآني آخرتها عن وقتها ، أو أسأت الوضوء لها ، او الركوع أو السجود فيها ؟ فسأله فقال : لا ، فقال والله ما رأيته يصوم شهرا قط الا هذا الشهر الذي يصومه البر والفاجر ، قال فاسأله يا رسول الله هل رآني قط أفطرت فيه أو نقصت من حقه شيئا ؟ فسأله فقال : لا ، والله ما رأيته يعطى سائلا ولا مسكينا قط ولا رأيته ينفق شيئا من ماله في سبيل الله الا هذه الزكاة التي يؤديها البر والفاجر ، قال : فاسأله هل رآني نقصت منها او ماكست فيها طالبها الذي يسألها ، فسأله فقال : لا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قم ، فلعله خير منك » صلى الله عليك يا رسول الله ما أحكمك وما أرافك بالأمة ، بينت الهدى وسبيل الرشاد ، فليس لاحد بعد مقال .

اللهم اجعلنا من عبادك الذين يستمعون القول فيبعون أحسنه ، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب .

والحمد لله رب العالمين .

الرابط المختصر :