; أصول الجرح والتعديل | مجلة المجتمع

العنوان أصول الجرح والتعديل

عنوان تمهيدي إلام ندعو؟ وكيف..؟

الكاتب محمد سلامة جبر

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1973

مشاهدات 21

نشر في العدد 132

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 02-يناير-1973

قالوا: قد تحددت قواعد الجرح، وانضبطت أصوله، فما لنا منه وما علينا في زمننا هذا؟

قلت: أول ما يلزم الداعية التحقق بمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» متفق عليه.

هذا الحديث العظيم أصل من أصول الشريعة، وقاعدة هامة من قواعد السلوك، عليها مدار معظم الأعمال، وإليها يرجع من أراد كمال الإيمان، فكل قول أو عمل قصد به صاحبه غير وجه الله، فهو باطل، بل هو رد عليه، وإثمه عائد إليه، وصدق الله العظيم (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف: 110)، ولهذا علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يقولوا: «اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه».

فسلامة النية، وصحة القصد، وخلوص العمل لله تعالى، سر القبول، وسبب النجاة، وطريق الكمال، وإلا فليس إلا حبوط العمل، ولحوق الخسران، ونعوذ بالرحمن من تزيين الشيطان، والله حسبنا ونعم الوكيل.

نحن والناس

إذا تقرر ما سبق أستعين بالله وأقول:

الناس إما مسلمون أو غير مسلمين..

والمسلمون إما عصاة أو طائعون..

والعصاة إما أن يكونوا في مقام السيادة العلمية أو العملية أو دون ذلك.. ولكلٍ حكم..

أما غير المسلمين، فلا يندرجون تحت من لا تجوز غيبتهم، غير أن ههنا مزلة قدم!

فإذا حل ذكر معايب الكفار من باب (لا غيبة لفاسق مجاهر بفسقه) فإنه لا يحل من حيث إنه (خوض في الباطل).

وقد ورد النهي عنه بشدة إلا أن يكون ذلك لمصلحة شرعية فيحل بقدر الحاجة وعند الحاجة.

يقول الإمام الغزالي رحمه الله في بيان هذا المعنى في كتاب آفات اللسان من الإحياء ما نصه:

«الآفة الثالثة: الخوض في الباطل، وهو الكلام في المعاصي، كحكاية أحوال النساء، ومجالس الخمر، ومقامات الفساق، وتنعم الأغنياء، وتجبر الملوك، ومراسمهم المذمومة، وأحوالهم المكروهة، فإن كل ذلك مما لا يحل الخوض فيه وهو حرام».

ثم قال رحمه الله زيادة في البيان:

«هو الخوض في محظورات سبق وجودها، أو تدبر للتوصل إليها من غير حاجة دينية إلى ذكرها، ويدخل فيه أيضًا الخوض في حكاية البدع والمذاهب الفاسدة، وحكاية ما جرى من قتال الصحابة على وجه يوهم الطعن في بعضهم، وكل ذلك باطل، والخوض فيه خوض في الباطل، نسأل الله حسن العون بلطفه وكرمه» انتهى بنصه.

قلت: ولعل الحكمة من تحريم ذلك هو ما يهيجه ذكر معاصيهم وبدعهم عند من لا فقه عنده، ولا توازن في سلوكه، فيدفعه سماع ذلك إلى تقليدهم، واتباع باطلهم، ولعل هذا هو السر في مقاطعة الإمام ابن حنبل لصاحبه الحارث المحاسبي حين كتب كتابًا في الرد على المبتدعة، فقال الحارث رحمه الله: ألست أرد البدعة وأنصر السنة؟ فقال ابن حنبل رحمه الله: نعم، ولكنك تحكي البدعة أولًا ثم ترد عليها، فلعل من يقرأ البدعة يفهمها ولا يفهم الرد.

وقال الإمام الغزالي في توضيح تلك الرواية: «وهذا حق، ولكن في بدعة لم تنتشر، أما إذا انتشرت فيجب على العلماء أن يتصدوا لها» انتهى.

ولقد قرأت في بعض المجلات الإسلامية لقارئ نحسبه حسن النية أرسل يشكو من وجود بعض الكتب الجنسية في مكتبات الكويت العامة، فكم من قارئ مراهق، سيسارع إلى تلك المكتبات ليبحث عن تلك الكتب، وإنما أمثال ذلك ينبغي ألا يذكر إلا لأهله، وهم القادرون على التغيير وإزالة المنكر بإذن الله، أما لعامة الناس فلا..

هذا شأن غير المسلمين.. ويندرج تحت الخوض في الباطل ذكر معاصي المسلمين على التعميم لا على التعيين. أما ذكر معايب عصاة المسلمين على التعيين والتحديد بأن نقول: فلان فعل كذا وفلان فعل كذا، فيختلف الحكم فيه باختلاف المذكور. فإما أن يكون من اطلعنا على عيبه من عامة المسلمين أو يكون من أصحاب الولاية.. فإن كان من عامة المسلمين ولم يوجد سبب موجب لذكر عيبه من الأسباب الستة المبينة في عدد سابق حرم ذكر عيبه بشدة، وتعرض جارحه لإثم الغيبة الكبير، ولكن.. ما الحكم لو ارتكب هذا ما يوجب عليه حدا كجريمة الزنا مثلا أو شرب الخمر أو السرقة؟ هل يجب على الشهود تبليغ ولي الأمر لإقامة الحد عليه؟ أم ذلك لهم جائز وليس بواجب؟ الحق أنه لا وجوب في أداء الشهادة فيما يوجب حدا على مسلم لعموم قوله صلى الله عليه وسلم «لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة» (رواه مسلم).

أما قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 283).

فالمقصود هنا من يكتم شهادة يضيع بكتمانها حق مسلم كمن يعلم أن هذه الأرض لفلان أو أن فلانا هو ابن فلان ثم يطلب منه أداء الشهادة فيمتنع، أما ما يترتب عليه ستر مسلم وتجنيبه الفضيحة فذلك مستحب.

وقد نص الفقهاء على استحباب الستر على من وجب عليه حد قبل بلوغ أمره إلى ولي الأمر، أما إذا صار إلى ولي الامر فإن إقامة الحد هنا واجبة، وليس للوالي أن يقبل شفاعة أحد، وعلى هذا يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: «تعافوا الحدود بينكم» أي ليعف بعضكم عن بعض إذا رأى ما يوجب حدا وليستر.

 أصحاب السيادة

أما إذا صدرت المعصية من أهل الولاية والسيادة العلمية أو العملية كالرواة والشهود والقضاة والمفتين وأصحاب السلطة..

فإن كان العيب من الصغائر بحيث لا يفوت مصلحة المسلمين ولا يؤدي إلى ضررهم حرم ذكره.

وان كان العيب بحيث يضر بمصالح المسلمين لو ستر، وجب ذكره، ولا يحل كتمانه، ولكن بشرطين:

الأول: القصد الحسن، والنية الخالصة.

الثاني: ذكر القدر الذي يكفي في التجريح وتسقط به العدالة، ولا يزاد على ذلك، كالتشهير به بأمور لا مبرر لذكرها وإشاعتها.

وهنا أمور هامة ينبغي التذكير بها والتنبيه عليها لكثرة ما تقع فيها بحسن نية والله الموفق.

أولا: التجسس لمعرفة عورات المسلمين منهي عنه بشدة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحجرات: 12).

وقوله صلى الله عليه وسلم: «من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته».

وروى أبو داود عن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنك أن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدت تفسدهم».

وأتي برجل إلى ابن مسعود رضي الله عنه فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا، فقال: «إنا قد نهى عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به» رواه أبو داود على شرط البخاري ومسلم.

ثانيًا: من صدق الإيمان أن نحزن ونغتم إذا رأينا من أحد إخوتنا ما نكره، وكأن ذلك وقع منا: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

ثالثًا: أن يكون ستره أحب إلينا من فضيحته، وتوبة الله عليه أحب إلينا من عقوبته، وهذا خلق أكمل الخلق صلى الله عليه وسلم حين رد ماعزًا أو الغامدية وفتح لهما طريق الرجوع والتوبة، غير أنهما أصرّا على إقامة الحد عليهما رضي الله عنهما.

رابعًا: أن نتلطف في إعادة العاصي إلى الله ولا نتكبر عليه أو نشق عليه، بل نأخذه بالرفق ما أمكن؛ فلعلها ساعة ضعف ألمت به، ونسأل الله العافية أن يصيبنا ما أصابه، ويدل لذلك ما فعله عمر رضي الله عنه حين بلغه أن أبا جندل قد عاقر الخمر بالشام فكتب إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (غافر: 1-3)».

فكان أثر هذا اللطف أن تاب أبو جندل رضي الله عنه.

خامسًا: التجاوز عن هفوات من لهم مقام في نفوس المسلمين حتى لا تسقط مكانتهم ويبطل تأثيرهم، إلا أن تكون من العيوب التي تسقط العدالة كالظلم والكذب وأكل الحرام ونحو ذلك.

سادسًا: الانحراف عن الجادة قد يكون عن تأويل خاطئ، أو ضعف طارئ، وكلاهما مما يرجى الرجوع فيهما، وذلك أحب إلينا؛ فلا ينبغي أن نعين الشيطان على أخينا فنفرض عنه أو نلاحقه بالسخرية والتجريح، بل نترفق به، ونحسن إليه، ونفتح له أبواب الرجاء، ونزين له أسباب النجاة.

وفي تاريخنا المشرف أمثلة لأشد مما ذكرتُ؛ فإن «طليحة الأسدي» كان قد ارتد عن الإسلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وادعى النبوة، ثم تاب وأناب وبعث بتوبته إلى عمر رضي الله عنه، فقبلها منه عمر وصدقه، وبعثه للجهاد مع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حسب طلب طليحة، إلا أنه حذره أن يجعله في مراكز قيادية، فحسن إسلامه بعد ردته، وكان له أثر بتوفيق الله في تحقيق النصر للمسلمين في معركة «نهاوند» على حدود فارس لخطة وضعها وهداه الله إليها.

وقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال لشارب الخمر بعد أن أُقِيم عليه الحد: "أخزاك الله"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا هكذا، لا تعينوا الشيطان على أخيكم».

سابعًا: إذا حاد أحد الإخوة عن الحق، وانحرف عن الجادة، واتبع غير سبيل المؤمنين؛ فلا ينبغي أن نجبهه بخطئه على الملأ، ونفضحه عند العامة، ونسقط عدالته فلا تقوم له من بعد قائمة، بل ينبغي أن نتريث في الأمر حتى يثبت لدينا بالدليل القاطع سيره في ركاب الظالمين واتباعه غير سبيل المؤمنين، وصدق من قال: «اتقوا زيغة الحكيم وانتظروا فيئته»، أي: رجوعه إلى الحق.

مهلًا... فلعله خير منك!

بعض الناس يتطوع- غير مشكور- بالحكم على الناس بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ولعل من يتفكه بتجريحهم خيرٌ منه عند الله وأقرب، ولكنه تزيين الشيطان؛ إذ يخيل له أنه يزعم غيرته على الإسلام والمسلمين، وأنه مأجور بثلبه أعراض قوم يرى بنور بصيرته وذكائه اللماع أنهم ساروا في ركاب الظالمين، وباعوا دينهم للشارين، لقاء منصب أو جاه أو مال.. ولا يدري هذا الرجل حكم الشرع في أمثال هؤلاء، ولكنه يدري أن حكمه هو الحكم.. وعلى الشرع أن يوافق هواه، وإلا فالتأويل سهل، وحمل النصوص على ما يوافق هواه ميسور؛ فالقرآن حمال أوجه، والأحاديث بحر محيط، أما أصول الاستنباط وقواعد الفقه فلا حاجة له بها؛ فإنه فقيه بالفطرة والسليقة! وسبحان مقسم الأرزاق الذي خصه بالحكمة وفصل الخطاب! وفي الحديث الآتي ذكره ما يدل على ما قررته، فلننظر:

روى الإمام أحمد رحمه الله في مسنده وبسند صحيح عن عامر بن واثلة رضي الله عنه أن رجلًا مر على قوم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم عليهم فردوا عليه السلام، فلما جاوزهم قال رجل منهم: "إني لأبغض هذا في الله تعالى"، فقال أهل المجلس: "لبئس ما قلت! والله لننبئنه"، ثم قالوا: "يا فلان- لرجل منهم- قم فأدركه وأخبره بما قال"، فأدركه رسولهم فأخبره، فأتى الرجلُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وحكى له ما قال، وسأله أن يدعوه له، فدعاه له وسأله، فقال: "قد قلتُ ذلك"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لِمَ تبغضه؟»، فقال: "أنا جاره وأنا به خابر، والله ما رأيته يصلي صلاة قط إلا هذه المكتوبة"، قال: «فاسأله يا رسول الله: هل رآني أخرتها عن وقتها، أو أسأت الوضوء لها، أو الركوع أو السجود فيها؟»، فسأله، فقال: "لا"، فقال: "والله ما رأيته يصوم شهرًا قط إلا هذا الشهر الذي يصومه البر والفاجر"، قال: «فاسأله يا رسول الله: هل رآني قط أفطرت فيه أو نقصت من حقه شيئًا؟»، فسأله، فقال: "لا"، قال: "والله ما رأيته يعطي سائلًا ولا مسكينًا قط، ولا رأيته ينفق شيئًا من ماله في سبيل الله إلا هذه الزكاة التي تؤديها البر والفاجر"، قال: «فاسأله: هل رآني نقصت منها أو ماكست فيها طالبها الذي يسألها؟»، فسأله، فقال: "لا"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قم، فلعله خير منك!».

صلى الله عليك يا رسول الله! ما أحكمك وما أرأفك بالأمة! بينت الهدى وسبيل الرشاد، فليس لأحد بعدُ مقال.

اللهم اجعلنا من عبادك الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.

والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

1023

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة.. وحزيران

نشر في العدد 12

169

الثلاثاء 02-يونيو-1970

لقلبك وعقلك